علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
سارة سويلم
سارة سويلم

صحفية أردنية

سارة سويلم تكتب: غزة في مواجهة الشتاء. يوميات نجاة بين الخيمة والعطش والجوع

مع دخول الشتاء، تتشابك هذه الأزمات: البرد يفاقم معاناة المرضى، والرطوبة تهدد الخيام، والطرق المتضررة تصعّب وصول المساعدات، فيما تحتاج الأسر إلى فرش وأغطية وملابس ووسائل تدفئة آمنة.

مشاركة:
حجم الخط:

لا يبدأ اليوم في قطاع غزة بصوت المنبّه، بل بسؤال ثقيل: أين سننام إذا أمطرت السماء؟ وكيف سنؤمّن الماء والطعام، وهل سنجد ما يقي أطفالنا البرد؟

فبعد شهور طويلة من الحرب والنزوح، تحوّلت تفاصيل الحياة العادية إلى معركة يومية.

لم يعد البيت مساحة للراحة، ولا المطبخ مكاناً لإعداد وجبة، ولا المدرسة فضاءً مضموناً للتعلّم واللعب.

ومع دخول الشتاء، تتضاعف المخاوف لدى عائلات أنهكها فقدان المنازل وتراجع الخدمات الأساسية.

السكن هو الهمّ الأكثر إلحاحاً لعائلات كثيرة؛ فخيام مهترئة ومبانٍ متضررة ومراكز إيواء مكتظة لا توفّر حماية كافية من المطر والبرد.

ووفق تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية الصادر في 15 أكتوبر/تشرين الأول 2026، يعيش نحو 950 ألف نازح في مواقع متوسطة أو عالية الخطورة من الفيضانات، بينهم أكثر من 400 ألف في مواقع شديدة الخطورة.

كما تحتاج نحو 294,250 أسرة إلى مساعدات للإيواء استعداداً للموسم البارد، بينما لم تكن الإمدادات المتاحة تكفي إلا لتغطية احتياجات نحو 18% منها جزئياً.

وهذه الأرقام تعني أن آلاف العائلات قد تستقبل المطر بأغطية بلاستيكية وخيام لا تصمد أمام الرياح، أو في مبانٍ متصدعة لا تضمن السلامة.

ولا ينتهي القلق عند سقف الخيمة. فالمياه النظيفة ليست متاحة بصورة مستقرة، وشح الوقود وقطع الغيار يهدد استمرار خدمات الضخ والتحلية والصرف الصحي.

ويحمل تقرير أممي تحذيراً من احتمال توقف 11 شريكاً إنسانياً عن نقل مياه الشرب خلال الأشهر التالية، بما قد يؤثر في نحو 360 نقطة توزيع من أصل 3,500.

وفي مواقع النزوح، يصبح الحصول على الماء رحلة يومية تستهلك الوقت والجهد؛ وقد تضطر الأسرة إلى المفاضلة بين استخدام ما لديها للشرب أو للطهي أو للنظافة.

ومع تراجع الصرف الصحي وتكدس السكان، تتزايد مخاطر الأمراض، خصوصاً بين الأطفال وكبار السن.

أما الغذاء، فيظل حاضراً في حسابات الأسرة منذ الصباح. فقد أشار تقرير أممي في 22 أكتوبر إلى أن المساعدات الغذائية وصلت في سبتمبر/أيلول إلى نحو 1.3 مليون شخص، بعد أن كانت قد وصلت إلى 2.1 مليون في يناير/كانون الثاني 2026.

كما بقيت الحصص الغذائية المقدمة في التوزيعات الشهرية عند نحو نصف الحد الأدنى من الاحتياجات الحرارية.

وفي النصف الأول من سبتمبر، أفادت 44% من الأسر التي شملها مسح لبرنامج الأغذية العالمي بأنها نامت جائعة مرة واحدة على الأقل خلال الشهر السابق، فيما قالت 45% إنها نفدت من الطعام تماماً مرة واحدة على الأقل.

خلف هذه النسب عائلات تقلّص وجباتها، وآباء وأمهات يحاولون إخفاء الجوع عن أطفالهم، وأسر لا تعرف إن كانت ستتمكن من تأمين وجبة اليوم التالي.

وتدفع الطفولة ثمناً لا يُقاس بالجوع وحده، فالطفل الذي يفترض أن يتعلم ويلعب، يقضي يومه في البحث عن الأمان والدفء، أو ينتظر مع أسرته وجبة ومياهاً وملابس شتوية.

وتزيد صدمات النزوح المتكرر وفقدان الأقارب والبيت والروتين اليومي من الأعباء النفسية، فيما يواجه نحو 200 ألف طفل، بحسب التقرير الأممي الصادر في أكتوبر، انقطاعاً عن التعليم المنظم.

وحتى حين تتاح مساحة للتعلّم، قد تعوقها الخيمة المكتظة، أو انقطاع الكهرباء والإنترنت، أو اضطرار الطفل إلى مساعدة أسرته في تدبير احتياجاتها.

ومع دخول الشتاء، تتشابك هذه الأزمات: البرد يفاقم معاناة المرضى، والرطوبة تهدد الخيام، والطرق المتضررة تصعّب وصول المساعدات، فيما تحتاج الأسر إلى فرش وأغطية وملابس ووسائل تدفئة آمنة.

لذلك لا تكفي الاستجابة الطارئة المحدودة، المطلوب دخول منتظم وكافٍ للمساعدات ومواد الإيواء والوقود، وإصلاح شبكات المياه والصرف الصحي، وضمان وصول الغذاء والرعاية الصحية، إلى جانب حماية المدنيين وتأمين الخدمات الأساسية.

فالمطر الذي يراه العالم مشهداً عابراً، قد يتحول في غزة إلى ماء يتسرّب إلى فراش طفل، أو خيمة تغرق، أو ليلة أخرى بلا نوم. وفي حياة تختصرها أسئلة البقاء، لا ينبغي أن يصبح الدفء والماء والوجبة الآمنة امتيازات.

إنها حقوق أساسية لا تحتمل التأجيل، واختبار يومي لقدرة العالم على تحويل التعهدات الإنسانية إلى حماية ومساعدة تصل إلى الناس قبل أن يشتد البرد.

المصادر
– المصدر الإحصائي: مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، التقرير الإنساني بشأن غزة، 15 أكتوبر/تشرين الأول 2026.
– المصدر الإحصائي: مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، التقرير الإنساني بشأن غزة، 22 أكتوبر/تشرين الأول 2026.

شارك المقال:

شاركنا برأيك