معصوم مرزوق يكتب: يوسف إدريس ياهوووه !
أنها مصر، مصر التي لو حركت فيها أي حجر، لوجدت خلفه موهبة، فلا تسحبوا عباءة عجزكم وشللكم علي الوادي، فهو الوادي الخصيب الولود المعطاء.

السفير معصوم مرزوق دبلوماسي وسياسي
فارقنا الكاتب العظيم يوسف إدريس في أغسطس 1991
كان لابد أن يموت يوسف إدريس يوماً ، ولكن يبدو أن بعض الحقائق تغيب عن الناس في زحام الحياة ، حتي إذا قابلتهم اندهشوا أو ادعوا الإندهاش ودقوا الأكف وهزوا الرؤوس متعجبين !
هكذا قرأنا لمن أبدي أسفه لموت الصديق، وبكي بدموع التماسيح رغم أنه كان أكثر الناس إفتراءاً وقسوة بالحق وبالباطل علي هذا الصديق الفقيد.
ثم من يتمسحون في رداء الراحل ويرددون في نسوك أنه تلاميذ له مخلصون، ومن يتذكر أن المرحوم قد سلم عليه ذات مرة وقال له : إزيك !
ومن يبكي الثقافة التي تيتمت والحضارة التي أعقمت، والأيام التي اسودت، وتمتلئ الصفحات بطقوس الدفن المرعية منذ عهد مينا موحد القطرين.
وهذه الطقوس كما نعرف تنتهي بمسح المسلات التي بها أي رائحة لذكر الراحل العزيز !
لا ياسادة !
معصوم مرزوق يكتب: البيت الأبيض المسكون!
معصوم مرزوق يكتب: مهرج السلطان !
أنها مصر
مصر التي لو حركت فيها أي حجر، لوجدت خلفه موهبة، فلا تسحبوا عباءة عجزكم وشللكم علي الوادي، فهو الوادي الخصيب الولود المعطاء.
اهدموا هذا السرادق الزائف فوراً، لأن يوسف لو كان موجوداً لسخر منكم وهزأ بكم وكتب عنكم بدلاً من ” أرخص الليالي ” قصة عن ” أرخص العزاء ”
لا أدري لماذا لا نحاول بدلاً من إضاعة الوقت في البكاء والندب واللطم أن نفعل شيئاً مفيداً ؟ ، لقد بكوا شجاعة يوسف إدريس دون أن يتمثلوها ، تباروا في ذكر مواقفه الصادقة مع رؤياه بينما يتسابقون كل يوم في مباريات التملق والنفاق .
ثم يتساءلون لماذا لم يحصل يوسف علي جائزة ؟
وأغلبهم كانوا يتجمعون خلف الأبواب لسد الطريق علي هذه الجائزة حسداً وطمعاً.
لقد أكلوه حياً ثم يتاجرون اليوم في تركته، لكننا نرفض أن يستخدموا في آلاعيبهم تلك الأرض الطيبة التي أنجبت الآلاف من المخلصين الصادقين.
فهذه الأرض لا زال في أحشائها نماذج لا تقل عن يوسف إدريس، بل وتتجاوزه، لأن هذه هي سنة التطور التي آمن بها يوسف نفسه ودافع عنها بكل ما يملك من قوة .
لنا أن نتخيل ماذا يمكن أن يحدث إذا عاد الكاتب يوسف إدريس إلي الحياة فجأة ، ولماذا نتخيل؟ ، لماذا لا نفعل مثله ؟
أعني أن نتقمصه ونتمثله أو نحاول التفكير بطريقته
لقد أكتشف المستشفي في لندن مثلاً أنه أرتكب خطأ بشعاً، فقد نقلوا أحد المرضي مكان يوسف، وأن مريضاً آخر هو الذي نقل جثمانه ويرقد حالياً في مقبرة بالشرقية.
وأن يوسف أرتد وعيه وسوف يعود إلي القاهرة خلال أيام
ستخرج كل الصحف الصباحية في اليوم التالي بمانشيتات عريضة بالخبر السعيد ، وصورة يوسف تتصدر الصفحات الأولي بإبتسامته المرحبة بالحياة.
وستجد ذلك الكاتب اللولبي يكتب في عاموده اليومي : ” هكذا ، مرة أخري يخدعنا يوسف إدريس ، يسخر منا في الحياة ثم يهبط علينا من الموت.
لا أستبعد أنه أتفق مع إدارة المستشفي الإنجليزي علي هذا المقلب لمجرد السخرية منا، وجلباً لمزيد من الشهرة والذيوع.
ولعلكم تذكرون ياقرائي الأعزاء أنني الوحيد الذي لم تنطلي عليه هذه المحاولة، فقد كتبت في هذا العامود أن يوسف إدريس لم يمت، وأنه لا يزال يعيش في وجدان كل من قرأ له.
اليوم أقول ليوسف العائد من الموت : إلعب غيرها ، كان غيرك أشطر ! “
بينما سيكتب ذلك الكاتب الحاقد أبداً حتي علي نفسه، أنه وإن كان قد كتب بعد خبر الوفاة الكاذب أن يوسف كان أكثر الناس إستحقاقاً للجوائز ، فأنني كتبت ذلك تحت تأثير الصدمة التي تفقد الإنسان الميزان الدقيق للأمور.
أنتم تعرفون أنني كنت أكثر المعارضين لسنوات طويلة في كل المجالس التي تناقش موضوع الجوائز، ورفضت إعطاء صوتي لمنحه الجائزة، لأنني أكتب أحسن منه مئة مرة، ولكن ماذا نقول للحظ وللمحظوظين ؟
أنني اليوم أعلنها بصوت لا خوف فيه أنه يجب سحب الجائزة التي تم تقريرها ليوسف إدريس ، خاصة بعد العملة السوداء التي عملها ! ”
ثم يعود يوسف إدريس لأرض الوطن ويكتب مقاله الأول، إلا أن رئيس التحرير لأسباب غير معروفة يرفض نشر المقال، فيشتاط الكاتب غضباً ويذكره بما كتبه عنه أيام وفاته !
ولكن رئيس التحرير يقول بلغة إعتذارية مقبولة : للضرورة والكرسي أحكام يا يوسف !
فيذهب الكاتب الثائر بمقاله إلي كلية الطب ويعلقه علي إحدي مجلات الحائط التي يصدرها الطلبة ، وتقول المقالة بالنص :
الموت أرحم يا ناس !!
نعم
الموت أرحم
لكن الحياة أحلي وألذ، فخلال فترة موتي وجدت فرصة طيبة للحوار مع نفسي بعيداً عن هذه الزيطة التي يسمونها أحياناً أدباً، أو سياسة، أو كلشنكان ( كل شئ كان بالعربي الفصيح )
وقد أتيحت لي الفرصة أن أقرأ كل ما كتب بعد موتي المزعوم ، لذلك قررت أن أواصل إختفائي في سرداب الموت كي أضحك علي مهازل الأحياء.
وكلما سألتني الممرضة الإنجليزية المنضبطة عن إسمي، كنت أقول لها بثبات : ” جون سميث ” وأضحك في كمي لأن هذا الرجل هو المدفون الآن في قريتي بالشرقية، وهو الذي كتبت فيه كل هذه المقالات الحدادية العصماء ، وسار في جنازته العظماء والكبراء.
بل وبدأت أتقصي حكاية هذا المريض الإنجليزي المحظوظ، فتبين لي أنه رجل نكرة كان يعالج من إدمان الخمر وفقدان مؤقت للذاكرة.
إلا أنني عرفت بالبحث الدقيق أن جد هذا الرجل كان ضمن الحملة الإنجليزية علي مصر وقتل في التل الكبير ودفن في مكان ما بمحافظة الشرقية، ربما لا يبعد كثيراً عن المكان الذي دفن فيه حفيده !
كان من الممكن أن أستمر في هذا المخبأ لفترة أطول ، إلا أنني لم أطق صبراً بعد أن وجدت أنهم زودوها حبتين في مسألة تأبيني، فأنا بالتأكيد لست هذا الرجل الذي كتبوا عنه هذه المعلقات ..
قلت لنفسي : ربما يكتبون عن الأخ جون سميث، فأنا لم أكن نبياً ولم أدع أنني فوق مستوي البشر، بل أنا إنسان تملأني الأخطاء من ساسي لراسي ، وخشيت أن تحاسبني الملائكة علي كلامهم الذي حاول أن يصل بي – حاشا لله – إلي مصاف الآلهة.
وحزنت وملأني الغضب الفلاحي الذي لم يفهموه في شخصيتي، فأنا لم أكتب يوماً من برج عاجي، وإنما كان مكاني المفضل هو المصطبة الشعبية التي يخرج فيها الكلام تلقائياً وطبيعياً بلا تكلف أو إصطناع.
في الحقيقة لم أجد فائدة لما كتبته، والدليل علي ذلك هو ما قرأته عن نفسي بعد موتي، لقد كتبوا بالطريقة التي كرهتها وقاومتها طول عمري ، بلا صدق أو حرارة أو حتي معني !
ربما كان أرحم لو قرأت نقداً عنيفاً من أولئك الذين اعتادوا إنتقادي في كل مجلس سري أو علني، لأنه في ذلك يكونون أكثر إتساقاً مع أنفسهم وأكثر صدقاً مع الآخرين.
وكنت سأعتبر ذلك أحسن تكريم لي بعد وفاتي، كذلك أذهلتني تلك الآراء قصيرة التيلة التي ادعت أنه بموتي ماتت الثقافة ومات الأدب في مصر، وكأنهم لا يعرفون أنهم بذلك يشتمونني لا يكرمونني.
فإذا كنت أنا واحداً من قيادات الفكر والثقافة في مصر لفترة تزيد علي ربع قرن كما ادعوا، ثم تموت الثقافة بموتي.
فأن معني ذلك هو أنني فشلت فشلاً ذريعاً في آداء أي دور، وأنني – وهم معي – عجزنا عن أن نبذر في أرضنا الخصيبة بذوراً تكبر معنا وتستمر بعدنا ، فما قالوه إتهام لي ولهم ، وليس تكريماً ولا تأبيناً ولا دياولو !!
لذلك كله ولأسباب عاطفية بحتة قررت أن أعود للحياة، رغم شعوري العميق بالقرف، فقد كنت أريد أن أنبه الناس للزيف والإدعاء الذي نعيش فيه.
والمستنقع الذي نتحرك فيه ونتبادل الأكاذيب والنفاق، فأنا لست أعظم الكتاب في تاريخ مصر لسبب بسيط وهو أنهم كتبوا قبل ذلك منذ ميلاد الحروف العربية وعند موت أي شاعر أو داعر أنه الأعظم والأكبر والأضخم.
وكل الصفات الحميدة علي وزن أفعل ، ثم دارت الأيام ، فإذا بهم يكتبون عن نفس الشاعر أو الداعر كل الصفات الخبيثة – أيضاً – علي وزن أفعل !
ياعالم تحشموا، ألا تريدون أن تتغيروا يوماً ؟
هذه الرومانسية العبيطة التي أودت بنا في مائة ألف داهية ولا زلتم تتعاطونها، ألم يكن ذلك الكاتب الحلزوني الذي كتب في عاموده كلمات تقطر حزناً بترولياً رثاء لي، هو نفسه الذي كتب في أعقاب وفاة عبد الناصر قصائد من التمجيد، ثم لم تمر شهور حتي بدأ يكشف مساوئ الرجل ولم يتوقف حتي الآن عن شتمه في كل صباح ؟
رفضت أن أستمر ميتاً في هذا الإطار الهزلي، قررت أن أعود إليكم كي ألطخ أناقتكم ولمعتكم الكاذبة بطين قريتي الصادق، وأفضح تهافتكم وخوءاكم، وأخرج لكم لساني كما اعتدت علي مر حياتي، لقد عدت للحياة فموتوا بغيظكم !
ظهرت الصحف اليومية في اليوم التالي وبها الخبر الآتي :
” مجنون يظهر في شوارع القاهرة ويدعي أنه يوسف إدريس، ويقوم بنشر مقال غير مقبول في إحدي صحف الحائط بكلية الطب.
من المؤسف أن بعض الناس قد صدقته، لذلك وجب التحذير، ولن نسمح لأي مغرض أن يشوه ذلك الإسم العظيم الذي نعتز به والذي لن تنجب مصر مثله في يوم من الإيام “
كما قلت ، ذلك ليس تأبيناً .
لذلك أختتم ما سبق بكلمة كان يوسف يرددها كثيراً :
” وإيه يعني ؟ … طــظ !!
هذا المقال كتب من 30 عاما






