علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
د. فاروق شرف
د. فاروق شرف

إستشاري وخبير ترميم الاثار والمنشآت التاريخية.

د. فاروق شرف يكتب: باحث سعودي اختار مصر ليطل على تاريخ الحضارة الإسلامية

ما أسعدنا أن نلتقي بأشقاء عرب يحملون لمصر هذا القدر من المحبة والتقدير، ويجدون في تاريخها جزءًا أصيلًا من تاريخهم الثقافي والحضاري.

مشاركة:
حجم الخط:

صدفة جميلة أن أرى الدكتور عصام بن علي بن أحمد وجهًا لوجه، لأول مرة، بعد أن اعتدت رؤيته ومتابعة ما ينشره على صفحات التواصل الاجتماعي.

وكان اللقاء في رحاب متحف مصطفى كامل، وعلى هامش محاضرة أستاذنا ومعلمنا الدكتور عصام صفي الدين.

جاءت الصدفة أجمل مما توقعنا

فقد تحولت لحظات التعارف الأولى إلى حديث ممتع جمعنا حب التاريخ وعشق الحضارة الإسلامية، والاهتمام بآثار مصر التي لا تنتهي حكاياتها.

وبعد المحاضرة امتد بنا الحديث في أجواء ودية جميلة مع الاصدقاء، وتعمقت المعرفة، وكأننا أصدقاء منذ زمن، يجمعنا شغف واحد واهتمام مشترك بقراءة التاريخ من خلال شواهده وآثاره.

فحقًا، ربما تكون صدفة خير من ألف ميعاد، وخاصة حين تجمعنا بإنسان يحمل لمصر وتاريخها وشعبها كل هذا الحب والتقدير.

لنا بإذن الله لقاءات أخرى في رحاب القاهرة التاريخية، وبين دروبها ومساجدها وآثارها الإسلامية، بصحبة الأصدقاء الأعزاء.

 الحضارة المملوكية مشروع رسالة علمية

الدكتور عصام بن علي بن أحمد باحث سعودي حمل في قلبه تاريخ مصر، وجعل من الحضارة المملوكية رسالة علمية تتجاوز حدود المكان.

 أن حب التاريخ والحضارة لا تعترف به الحدود، وأن الأوطان قد تتسع في وجدان الإنسان حتى يصبح له في أكثر من بلد وطن ثانٍ.

كان لقائي بالدكتور عصام المتخصص في التاريخ الإسلامي، فرصة طيبة للتعرف عن قرب إلى شخصية تجمع بين شغف البحث التاريخي وحب الآثار المصرية، والاهتمام بقراءة صفحات الحضارة الإسلامية من خلال مصادرها وشواهدها.

من البحث التاريخي إلى إحياء ذاكرة المماليك

من أبرز ما يستوقفنا في مسيرة الدكتور عصام اهتمامه بتاريخ سلطنة المماليك، تلك الحقبة التي تمثل واحدة من أهم مراحل التاريخ الإسلامي، والتي اتخذت من مصر مركزًا لحكمها، وامتد نفوذها إلى بلاد الشام والحجاز.

وقد أصدر مؤلفه «سلطنة المماليك»، في جزأين يتناول أولهما المماليك البحرية، وثانيهما المماليك البرجية، ومن عناوينه اللافتة: «سلطنة المماليك البحرية في بلاد مصر والشام وبلاد الحجاز.. الكنز المفقود بين رواية شهود وروعة المشهود»

ولعل اختيار كلمة «الكنز» في عنوان الكتاب يحمل دلالة مهمة،فالتاريخ ليس مجرد أحداث مضت، وإنما كنوز من التجارب الإنسانية والسياسية والعلمية والحضارية، لا تزال بحاجة إلى من يبحث عنها ويعيد قراءتها وتقديمها للأجيال الجديدة.

ويبدو من مشروعه البحثي أنه لا يكتفي بتتبع أسماء السلاطين والمعارك والتحولات السياسية، بل يهتم كذلك بالجوانب الاجتماعية والثقافية والعمرانية، وبسير العلماء ورجال الدولة، وما تركه ذلك العصر من شواهد معمارية وفنية لا تزال حاضرة في وجدان القاهرة.

وهنا تتجلى أهمية هذا التوجه؛ فالعصر المملوكي لم يترك لنا صفحات في كتب التاريخ وحدها، بل ترك مدينة كاملة تتحدث عن نفسها، بمساجدها ومدارسها وقبابها ومآذنها وأسبلتها ووكالاتها، وبما تحمله من فنون الحجر والرخام والخشب والزخارف والخط العربي.

إنها حضارة يمكن قراءتها بالكلمة، كما يمكن قراءتها بالنظر والتأمل ودراسة الأثر.

القاهرة التاريخية… موعد آخر مع الصداقة والحضارة

ولأن الحديث عن التاريخ لا تكتمل متعته داخل القاعات وحدها، فسوف يمتد لقاؤنا إلى جولة ميدانية بإذن الله في قلب القاهرة التاريخية، حيث يكون للمكان حديث آخر، وللآثار حكايات لا تنتهي.

بدأ الدكتور بزيارة منطقة الإمام الشافعي والإمام الليث، حيث تتجاور شواهد التاريخ الديني والعمارة الجنائزية، وتحمل الجبانة التاريخية صفحات متتابعة من ذاكرة القاهرة الإسلامية.

ثم كانت قلعة صلاح الدين الأيوبي، ذلك الصرح الذي يختصر جانبًا مهمًا من تاريخ مصر العسكري والسياسي والمعماري، ويقف شاهدًا على مرحلة فارقة ارتبطت باسم صلاح الدين يوسف بن أيوب.

 نتمني أن تتواصل هذه اللقاءات في رحاب القاهرة الفاطمية والمملوكية بشوارعها ودروبها، حيث لا يكون السير مجرد انتقال بين المواقع، وإنما رحلة في تاريخ الإنسان والمكان.

فما أجمل أن يجتمع البحث العلمي بالتجربة الميدانية، وأن تتحول زيارة الأثر إلى حوار مفتوح بين التاريخ والعمارة والإنسان.

 مصر… وطن في القلب قبل أن تكون مكانًا 

ما أسعدنا أن نلتقي بأشقاء عرب يحملون لمصر هذا القدر من المحبة والتقدير، ويجدون في تاريخها جزءًا أصيلًا من تاريخهم الثقافي والحضاري.

فالحضارة الإسلامية لم تكن يومًا ملكًا لحدود جغرافية ضيقة، وإنما كانت ثمرة تواصل الشعوب وتبادل العلم والخبرات، وكانت القاهرة واحدة من أهم منارات هذا التواصل عبر قرون طويلة.

 والدكتور عصام، بما يحمله من اهتمام بتاريخ المماليك وآثار مصر الإسلامية، يقدم نموذجًا جميلًا للباحث الذي لا يكتفي بقراءة التاريخ من صفحات الكتب، بل يسعى إلى الاقتراب من شواهده ومواقعه، ويبحث عن الإنسان الذي صنع ذلك التاريخ.

نأمل أن تتكرر اللقاءات في صحبة الأصدقاء الأعزاء، وأن تكون لنا جولات في دروب القاهرة التي لا تنفد كنوزها.
في النهاية، تبقى أجمل ما تمنحه لنا المعرفة أنها توسع دائرة الصداقة، وتجمع القلوب على محبة التاريخ والإنسان والحضارة.

 مصر لم تعد بالنسبة للدكتور عصام مجرد بلدٍ يزوره

 أصبحت مصر وطنًا ثانيًا يسكن وجدانه، فقد تعددت زياراته لها، وتكررت جولاته بين آثارها ومعالمها، حتى ألف شوارع القاهرة وأزقتها، وصارت له في «المحروسة» صولات وجولات بصحبة أصدقاء يعتزون بصداقته، ويبادلون محبته بمثلها.

وأقول له، من باب الأخوة والمودة والاعتزاز به: لم يبقَ لك، بعد كل هذه الرحلات والجولات، إلا أن تمنحنا مفاجأة جميلة بإتقان اللهجة المصرية!

عندها لن نعرف هل أنت ضيفنا العزيز القادم من المملكة، أم واحد من أبناء القاهرة الذين يعرفون دروبها وحكاياتها.

كل التحية والتقدير للدكتور عصام بن علي بن أحمد، الباحث السعودي العزيز، الذي نرجو له دوام التوفيق في رحلته العلمية، ونسعد بوجوده بيننا في مصر؛ بلد التاريخ والحضارة، وبلده الثاني الذي نأمل أن يظل دائمًا موضع محبته ولقاءاته.

فبعض اللقاءات لا تنتهي بانتهاء الزيارة، وإنما تبدأ منها صداقة جديدة، وتُكتب معها صفحة أخرى في ذاكرة المكان والإنسان. 

شارك المقال:

شاركنا برأيك