علي الأفريقي يكتب: أيامنا الحلوة مش حلوة أوي (12) منديل الحلو
كانت المناديل أنواعا وأشكالا منها القطني والحريري الفاخر، والملون والأبيض الناصع، ومنها المطرز بالورود، ومنها الانواع الجيدة والفاخرة والرديئة
للمناديل حكايات جميلة من الأسرة للفنانين للسينما لمرسال الحب
زمان، وقبل انتشار المناديل الورقية “الكلينكس”، كان المنديل القماش في جيوب وحقائب الجميع، كبارا وصغارا، رجالا ونساء، ويرافقنا في المدرسة والعمل والمشاوير، فلا يخرج احد من البيت دون المنديل القماش.
وكان هذا المنديل عمليا واقتصاديا يغسل ويستخدم مرات عديدة، فيوفر المال ويقلل المخلفات. لكنه كان يحتاج إلى عناية حيث كانت الأمهات يحرصن على غسل المناديل يوميا وكيها وطيها لتعود نظيفة وجاهزة للاستخدام.
كان المنديل القماش علامة على الذوق ورمزا للأناقة والوجاهة
فالرجل الأنيق كان لا يكتمل مظهره الا به حيث يضعه في الجيب العلوي للجاكت، تاركا طرفه ظاهرا ليزين بدلته، وكان يختار للمنديل لونا مناسبا لتكتمل الأناقة بتناسق الألوان بين البدلة والقميص وربطة العنق والحذاء والحزام، في زمن كانت للشياكة أصول.
أما النساء، فكانت لهن مناديل خاصة صغيرة الحجم رقيقة، مزينة برسوم صغيرة وبالوان هادئة، ولها أطراف مطرزة بالورود، وكانت الفتيات يحرصن على وضع منديل نظيف في جيب الفستان، أو يمسكنه في أيديهن، ليكتمل المظهر الأنيق من الرأس إلى الحذاء.
وكان المنديل القماش من الهدايا المحببة في المناسبات، ويحمل ذكريات الأفراح والأحزان، أما هدايا عيد الأم، فكان المنديل الأبيض الناصع، الذي تتوسطه وردة صغيرة، ومعه زجاجة عطر او كولونيا خمس خمسات.
قبل عصر الموبايل ورسائل الواتس
كان المنديل شاهدا على قصص الغرام، فمثلما حدثتكم في حلقة سابقة من حلقات “ايامنا الحلوة” عن الرسائل الورقية ودورها في الحب والغرام فكان المنديل القماش ايضا رسولا بين الحبيبين يعكس العلاقات العاطفية، من الحب إلى الفراق، ومن اللقاء إلى الوداع والاشتياق.
كان المنديل يعلن الحب ويمسح الدموع، تحمل الفتاة منديلها وتشير به إلى حبيبها، فيفهم رسالتها دون كلام، ويهدي الشاب حبيبته منديلا مطرزا بالحروف الأولى من اسميهما، أو تزين إحدى زواياه وردة أو قلب يخترقه سهم.
قيمة المنديل القماش في ذلك الزمان
تم صنع فيلم سينمائي جميل بعنوان “منديل الحلو” بطولة “تحية كاريوكا” و”اسماعيل ياسين” وغنى فيه المطرب “عبد العزيز محمود” الاغنية الشهيرة: “منديل الحلو يا منديله، على دقة قلبي بغني له” كما غني له ايضا: “يا أسمر يا جميل يا أبو الخلاخيل ياللي المنديل راح ياكل منك حتة”
كما تغني له المطربون حيث غني العندليب الاسمر “عبد الحليم حافظ”: “ميل وحدف منديله، كاتب على طرفه أجيله” بينما غني ماهر العطار: “افرش منديلك على الرملة، والحلوة تجيلك على الرملة”
كما غنت شهرزاد: “قالولي زمان عن المناديل”، وغنت فيروز: “يا مرسال المراسيل خدلي بدربك هالمنديل وأعطيه لحبيبي”
لا ننسى منديل “أم كلثوم” الذي كان مرصعا بالماس
وكانت تمسكه وتلوح به أثناء الغناء، فيرتفع مع الآهات ويهبط مع المعاني الرقيقة للاغنية، فأصبح علامة مميزة من صورتها على المسرح، وارتبط في أذهان جمهورها مع نظارتها السوداء، وصوتها الذي لا يشبهه صوت.
وكان الرئيس جمال عبد الناصر يضع في جيب بدلته منديلا بثلاثة رؤوس، إشارة إلى الأهرامات الثلاثة، ثم استخدم الرؤساء من بعده المناديل بأشكال مختلفة.
أما الموسيقار محمد عبد الوهاب، فكانت هوايته جمع المناديل الثمينة، وكان يحرص، كلما سافر إلى أوروبا، على العودة بمجموعة جديدة ينتقيها من أفخم المحلات والأسواق.
كانت المناديل أنواعا وأشكالا منها القطني والحريري الفاخر، والملون والأبيض الناصع، ومنها المطرز بالورود، ومنها الانواع الجيدة والفاخرة والرديئة.
كانت هناك مناديل للاستخدام اليومي، وأخرى للمناسبات، وثالثة للهدايا، وكانت خامات المناديل وألوانها تعكس الذوق الشخصي، والمستوى الاجتماعي.
لكن هذا كان لا يمنع الغش، فقد يعجبك شكل المنديل وألوانه الزاهية، وما إن تغسله للمرة الأولى حتى تبهت ألوانه، وتتهدل أطرافه، ويبدأ في التلف سريعا، وكأنك اشتريته منذ سنوات.
كنت في صباي خائبا في عمليات الشراء
أتذكر موقفا طريفا فقد ذهبت ذات مرة إلى “ميدان العتبة” لأشتري مجموعة من المناديل أهديها لاحدي زميلاتي في الكلية بمناسبة عيد ميلادها علي امل ان اتقرب منها وأكسب قلبها..
لكن لم أكن أعلم وقتها أن ميدان العتبة يعج بالسلع رديئة الجودة ويمتلئء بالباعة النصابين الذين يجيدون إغراء الزبائن ببضائع رخيصة، دون أن يكشفوا حقيقة ما يبيعون، حيث يشبه تماما احد الاسواق في منطقة “السلطان احمد” بمدينة اسطنبول عندما سافرت اليها عام 2008 وهذه حكاية اخري لا مجال لها هنا..
المهم بمجرد دخولي ميدان العتبة رأيت بائعا ينادي على بضاعته من المناديل بحماس وهو يرفعها امام المارة صائحا: “الدستة بجنيه واحد”
كانت المناديل زاهية الألوان
منقوشة بورود جميلة، ففرحت ووجدتها فرصة لا تعوض، فالمناديل جميلة والسعر مغريا فاشتريت أكثر من دستة، لأهدي بعضها إلى أمي وأختي الكبيرة، وأحتفظ بالباقي لزميلتي.
عندما عدت إلى البيت، وأهديت أختي بعض المناديل، تفحصتها بعينها الخبيرة، ثم قالت لي ساخرة: “برافو عليك.. شاطر طول عمرك.. إيه المناديل اللي جايبها دي؟ دي مش حتستحمل غسلة واحدة، وحتقولك أودعك”..
ولكي تثبت لي صحة كلامها، أخذت منديلا وغسلته أمامي، فإذا بألوانه تختفي، وأطرافه تتهدل.
وبالطبع استغلت اختي الفرصة ولم تفوتها، وراحت توبخني وتعايرني بسذاجتي وتذكرني بخيبتي الكبيرة.
ومع ذلك، شكرت أختي؛ فقد أنقذتني من موقف محرج، قبل أن أذهب إلى زميلتي وأهديها مناديل لا تصلح للاستعمال، فتسخر بينها وبين نفسها من هذا الفتي المسكين الذي أراد أن يعبر عن حبه بهدية رقيقة، فإذا به يفشل من أول محاولة، ويقدم لها هدية مغشوشة..
مع تغير إيقاع الحياة ظهرت المناديل الورقية “الكلينكس” سهلة الاستخدام، ولا تحتاج إلى غسيل أو مكوة، فاختفت المناديل القماشية ولم تعد تظهر إلا في مناسبات عقد القران، حين يغطي المأذون به يدي العريس ووكيل العروس، وبعد انتهاء المراسم، يتسابق الحاضرون للحصول عليه.
اختفت المناديل القماش واختفي معها عصر النعومة والذوق والاحساس، كما فقدنا مع اختفائها أناقة الماضي وذكرياته الدافئة، فقد كانت لها ذكريات، وليست مجرد ورق يرمى في صندوق القمامة.
انتشرت المناديل الورقية فافتقدنا شاهدا على زمن كانت فيه أبسط الأشياء تحمل أجمل المعاني. منديل المدرسة النظيف المكوي بعناية، ومنديل الأب الأنيق الذي يطل من جيب الجاكيت، ومنديل الأخت الناعم الرقيق، ومنديل هدية عيد الأم الذي يحمل مشاعر التقدير والامتنان، ومناديل الأحباب المطرزة بالأحرف الأولى من أسمائهم.
شاركنا برأيك