سارة سويلم تكتب: حين يُستهدف رجل الأمن: الإرهاب لا دين له، والأردن أقوى بوحدته
الأردنيون، مسلمين ومسيحيين، شركاء في الوطن والمصير، ولا يجوز أن تُستغل دماء الضحايا لتأجيج الكراهية أو التشكيك في ولاء جماعة بأكملها.
القبض على منفذي هجوم كنيسة الكرك
لم يكن استشهاد أحد مرتبات الأمن العام الأردني، اليوم الخميس، إثر اعتداء في العاصمة عمّان، حادثة أمنية عابرة يمكن أن تمرّ كخبر عاجل ثم تُطوى صفحته.
فخلف الخبر أسرة فقدت ابنها، ومؤسسة أمنية قدّمت أحد رجالها في سبيل أداء واجبه، ومجتمع أردني ما زال يحاول استيعاب الألم الذي خلّفته جريمة الكرك قبل أيام.
وفي لحظة كهذه، يحتاج الأردن إلى الحزم في مواجهة الإرهاب، وإلى الحكمة في قراءة أسبابه، وإلى خطاب وطني يحمي المجتمع من الخوف والانقسام معاً.
إن استهداف رجل أمن هو اعتداء على إنسان يؤدي واجبه، وعلى حق الأردنيين في الأمن والاستقرار، وهو فعل مدان بلا تحفظ. كما أن استهداف المدنيين ودور العبادة، كما حدث في الكرك، جريمة لا يمكن تبريرها تحت أي شعار أو تأويل.
نقف مع الدولة الأردنية ومؤسساتها الأمنية في حماية المواطنين ومحاسبة الجناة وفق القانون، ونرفض الإرهاب بكل أشكاله، أياً كانت الجهة التي ترتكبه أو الذريعة التي تحاول تسويقه بها.
لكن مواجهة الإرهاب لا تكتمل بالإدانة الأمنية وحدها، ولا يجوز أن تتحول الفاجعة إلى مناسبة لإطلاق تعميمات تمسّ دين المجتمع، أو معلميه، أو مساجده أو تراثه العلمي.
فقد أثارت تصريحات ونقاشات أعقبت أحداث الكرك أسئلة بشأن المناهج، والخطاب الديني، ودور المساجد، وبعض كتب الدين، ووصل الجدل إلى الدعوة لتقييد أنشطة دينية أو إغلاق المساجد بعد صلاة العشاء.
ومن حق المجتمع أن يناقش السياسات العامة وأن يراجع ما يحتاج إلى مراجعة، لكن من الضروري التمييز بين مراجعة مهنية قائمة على الأدلة وبين تحميل الإسلام أو التعليم الديني مسؤولية جرائم يرتكبها أفراد متطرفون.
مقتل 7 أشخاص وإصابة 34 في هجوم استهدف كنيسة بمحافظة الكرك الأردنية
الإسلام ليس مسؤولاً عن جرائم من يسيئون فهمه أو يتخذونه غطاءً لأفعالهم
إن اختزال الإرهاب في الإسلام أو في المناهج أو في المعلمين أو في كتابٍ لعالم من علماء الدين، لا يفسّر الظاهرة تفسيراً علمياً، وقد يفتح باباً للاستقطاب بدل إغلاقه.
فالكتب، ومنها مؤلفات ابن تيمية وابن قيم الجوزية وغيرهما، نتاج سياقات تاريخية وعلمية تحتاج إلى قراءة متأنية وفهم لمناهج الاستدلال والسياق، لا إلى اقتطاع عبارات منها ثم التعامل معها بوصفها سبباً مباشراً لكل تطرف معاصر.
ومن حق المؤسسات التعليمية والدينية مراجعة طرائق التدريس والتأويل، والتصدي لأي خطاب تحريضي أينما وُجد، لكن ذلك يختلف جذرياً عن وصم التراث الإسلامي كله أو التعامل مع المتدينين باعتبارهم موضع شبهة.
الإسلام، في أصوله الأخلاقية ومقاصده، لا يمنح أحداً تفويضاً لقتل الأبرياء أو الاعتداء على الناس أو استباحة دمائهم.
ولا يكتسب العنف شرعية لمجرد أن مرتكبه رفع شعاراً دينياً؛ فالشعارات لا تطهّر الجريمة، والانتساب المعلن إلى دين لا يجعل كل فعل يصدر عن صاحبه ممثلاً لذلك الدين.
لقد كان الإسلام عبر تاريخه ديناً يدعو إلى حفظ النفس والعدل والرحمة، ومن الخطأ أن نسمح للتنظيمات المتطرفة بأن تحتكر تفسيره أو أن نمنحها، من خلال خطابنا، فرصة تقديم جرائمها باعتبارها تعبيراً عن الدين.
المساجد ليست مصانع للإرهاب، والمعلمون ليسوا متهمين جماعياً، والتدين ليس دليلاً على التطرف
إن الدعوة إلى إغلاق المساجد فور صلاة العشاء، إن طُرحت بوصفها حلاً عاماً، تحتاج إلى نقاش واضح يوازن بين الضرورات الأمنية وحقوق المواطنين والحياة الدينية الطبيعية.
فالإجراء الأمني الفعّال ينبغي أن يستند إلى تقدير أخطار محددة ومعلومات موثوقة، وأن يكون متناسباً مع الخطر ومحدداً في نطاقه ومدته، و لا أن يُحمّل عموم المصلين تبعات أفعال متطرفين.
وكذلك فإن مراجعة المناهج يجب أن تكون عملية تربوية متخصصة، يشارك فيها خبراء التعليم والشريعة والاجتماع وعلم النفس، وتستهدف تعزيز التفكير النقدي والمواطنة وقبول الآخر، لا صناعة خصومة بين الدولة والدين أو بين المدرسة والمجتمع.
أمنياً، تفرض الحادثة مراجعة إجراءات حماية أفراد الأمن العام، وتقييم أنماط التهديد والاستجابة السريعة، وتحسين تبادل المعلومات بين الجهات المعنية، مع الإعلان عن الحقائق المؤكدة للرأي العام في الوقت المناسب.
ولا يعني ذلك القفز إلى استنتاجات قبل اكتمال التحقيق، بل إن الشفافية المنضبطة هي ما يحدّ من الشائعات ويعزز ثقة الناس.
كما أن حماية رجال الأمن لا تنفصل عن حماية المدنيين، وعن ضمان أن تكون الملاحقة والمحاسبة وفق القانون وبما يحفظ كرامة الإنسان وحقوقه.
سياسياً، يختبر الإرهاب قدرة الدولة على الجمع بين الحزم والعدل.
فالقوة الحقيقية لا تقاس فقط بسرعة القبض على المشتبه بهم، بل أيضاً بقدرة المؤسسات على تقديم رواية موثوقة، ومحاسبة المسؤولين عن أي تقصير إن ثبت، وتطوير سياسة مستدامة تمنع تكرار الجرائم.
أما الخطاب الذي يحمّل فئة اجتماعية أو دينية واسعة مسؤولية فعل فرد أو مجموعة، فقد يمنح المتطرفين ما يريدونه: إضعاف الثقة بين المواطنين، وتحويل الخوف إلى خصومة داخلية.
اجتماعياً، لا بد من حماية النسيج الأردني من الشك المتبادل
فالأردنيون، مسلمين ومسيحيين، شركاء في الوطن والمصير، ولا يجوز أن تُستغل دماء الضحايا لتأجيج الكراهية أو التشكيك في ولاء جماعة بأكملها.
إن التضامن مع أسر الشهداء والمصابين، واحترام دور العبادة، ورفض التحريض الطائفي، ومساندة الأجهزة الأمنية في إطار القانون، كلها مواقف تعزز مناعة المجتمع.
وفي المقابل، فإن الوصم الجماعي والتعميم والتشهير لا تصنع أمناً، بل تترك جروحاً اجتماعية يستفيد منها أصحاب الفكر المتطرف.
أما دينياً، فالمعركة ليست بين الدولة والإسلام، ولا بين الأمن والمساجد، بل بين دولة تريد حماية مواطنيها وبين فكر متطرف يوظف الدين أو الهوية لتبرير العنف.
ويقع على العلماء والخطباء والمؤسسات الدينية واجب توضيح حرمة الدماء، ورفض التكفير والتحريض، وإبراز تقاليد الاجتهاد والتعدد داخل المعرفة الإسلامية.
كما يقع على الإعلام واجب التحقق من التصريحات ونقلها في سياقها، وعدم تحويل كل رأي فردي إلى موقف رسمي، أو كل نقاش إلى معركة مع الدين.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال خطاب العرش الذي ألقاه جلالة الملك عبد الله الثاني أمام مجلس الأمة، وما حمله من رسائل تتعلق بأمن الأردن، واستقراره، وقوة دولته، ومجتمعه.
لقد أكد الملك في أكثر من مناسبة أن الإنسان الأردني هو أساس الدولة وغايتها، وأن المواطن، بمختلف مستوياته ومكوناته، يجب أن يبقى في مقدمة الأولويات.
وهذه الرسالة تضع المواطن الأردني في قلب المعادلة: أمنه وكرامته وحقوقه وثقته بمؤسساته ليست تفاصيل ثانوية، بل هي جوهر الاستقرار.
ومن هنا، فإن أي مراجعة للسياسات التعليمية أو الدينية أو الأمنية ينبغي أن تنطلق من حماية الإنسان الأردني، لا من تحميله ذنباً جماعياً، وأن تُبنى على الوقائع والتقييم العلمي والمساءلة الواضحة.
لقد دفع الأردن ثمناً موجعاً من دماء أبنائه، من ضحايا الكرك إلى رجل الأمن الذي استُشهد اليوم
والوفاء لهم لا يكون باستثمار الألم في إطلاق الاتهامات، بل بتعزيز العدالة، وتطوير أدوات الوقاية، ومكافحة التطرف حيثما ظهر، وحماية حرية العبادة، وترسيخ المواطنة الجامعة.
إننا مع الأردن الدولة والشعب، ومع حقه في الدفاع عن أمنه واستقراره، ومع مؤسساته الأمنية في مواجهة كل من يحاول العبث بأمن البلاد، وضد الإرهاب بكل أشكاله، وضد كل خطاب يحاول تحويل الجريمة إلى فتنة بين الأردنيين.
إن مواجهة التطرف تحتاج إلى دولة قوية، ومجتمع متماسك، وتعليم يفتح العقل، وخطاب ديني مسؤول، وإعلام يلتزم الدقة، وعدالة لا تعرف الانتقائية.
أما الإسلام فلا يُحاكم بجريمة من يسيء فهمه أو يتخذه ستاراً؛ بل تُدان الجريمة ويُحاسب مرتكبها، وتُفحص أسباب التطرف بجدية من دون تعميم أو استهداف.
فليس من الحكمة أن نواجه التطرف بصناعة خصومة مع الدين، ولا أن نحمي المجتمع من الإرهاب عبر إضعاف الثقة بين الدولة ومواطنيها.
إن الأردن اليوم بحاجة إلى خطاب يجمع ولا يفرق، ويعالج جذور التطرف دون أن يجرّم التدين، ويحاسب الإرهابي دون أن يضع مجتمعاً بأكمله في قفص الاتهام.
هذه هي المعادلة التي تحفظ أمن الأردن ووحدته، وتكرّم دماء الشهداء، وتؤكد أن المواطن الأردني، بكل مكوناته ومستوياته، هو الأهم.
شاركنا برأيك