ليبيا في قبضة الصفقة الكبرى.. والقاهرة تواجه معادلة المتوسط الجديدة
الدلالة أن القاهرة تتعامل مع الأزمة باعتبارها نزاعًا على الحقوق البحرية، لا سببًا كافيًا لهدم التقارب المصري التركي أو التخلي عن مصالحها الأمنية في ليبيا
ليبيا وتغييرات سياسية واقتصادية كبرى
ليس انقلابًا في التحالفات.. بل انقلاب في قواعد اللعبة
في ليبيا، لم يعد السؤال من يحكم الشرق ومن يسيطر على الغرب، بل من يستطيع أن يجمع مفاتيح الاثنين دون أن يتحمل مسؤولية توحيد الدولة، هذه هي الحقيقة التي تكشفها تطورات الساعات الثماني والأربعين الأخيرة.
فتركيا التي أنقذت طرابلس من هجوم قوات خليفة حفتر عام 2020، باتت تستضيف ممثلين عن المعسكرين لمناقشة توحيد المؤسسة العسكرية، فيما صادق البرلمان المرتبط بحفتر على اتفاق بحري مع أنقرة ظل يرفضه لسنوات.
وفي المقابل، وجدت القاهرة نفسها تعترض على قرار اتخذه أقرب حلفائها الليبيين، بينما تعرض عليها تركيا اتفاقًا بديلًا لإعادة رسم حدود النفوذ البحري.
ليست هذه مجرد أزمة دبلوماسية حول ترسيم المياه، وإنما انتقال في طبيعة الصراع الليبي من المواجهة بين معسكرين إلى مساومات متعددة الأطراف حول الشرعية والسلاح والطاقة والحدود.
والمفارقة أن الأطراف التي تتقارب خارجيًا ما زالت عاجزة عن الاتفاق داخليًا على شكل الدولة التي يفترض أنها تمثلها.
مفاجأة 28 أكتوبر.. أنقرة تفاوض على الجيش قبل الحكومة
التطور الأكثر دلالة لم يكن توقيع اتفاق جديد، وإنما ما كشفه مسؤول تركي لوكالة فرانس برس، الأربعاء 28 أكتوبر، عن استضافة أنقرة محادثات بين ممثلي السلطتين الليبيتين ركزت على توحيد المؤسسة العسكرية، دون التوصل إلى اتفاق.
وقال المسؤول إن البحث في التوحيد السياسي قد يأتي لاحقًا، بينما أشارت تقارير ليبية إلى استمرار الخلاف حول صلاحيات القيادة المشتركة وخضوعها للسلطة المدنية.
هنا تكمن عقدة المشهد: توحيد الجيش قبل حسم شرعية السلطة السياسية قد يحول المؤسسة العسكرية إلى إطار لتقاسم النفوذ، بدل أن يجعلها أداة للدولة الموحدة. فمن يعين القيادة؟
ومن يأمر القوات؟ ومن يملك قرار الحرب والسلم؟ تلك أسئلة أخطر من تشكيل حكومة جديدة؛ لأنها تتعلق باحتكار القوة نفسه.
القراءة الأعمق أن أنقرة تسعى، عبر احتفاظها بعلاقات مع الطرفين، إلى التحول من ضامن عسكري للغرب إلى وسيط لا يمكن تجاوزه في إعادة ترتيب ليبيا.
لكن فشل المباحثات حتى الآن يكشف حدود النفوذ الخارجي: يمكن جمع الخصوم حول الطاولة، ولا يمكن بالضرورة إقناعهم بالتنازل عن مصادر قوتهم.

حفتر وتركيا.. لماذا اعترف الشرق بما حاربه بالأمس؟
في 20 أكتوبر، اعتمد مجلس النواب الليبي مذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين أنقرة وحكومة الوفاق عام 2019، وألغى قراريه الصادرين في 2020 برفض الاتفاق وقطع العلاقات السياسية مع تركيا. وقد أشار نواب إلى المكاسب الاقتصادية والسياسية والأمنية المتوقعة من القرار.
لكن تفسير التحول بمجرد المصالح الاقتصادية يظل قاصرًا.
فالشرق الليبي يحتاج إلى توسيع اعترافه وعلاقاته الخارجية، بينما تحتاج تركيا إلى نزع الصفة الحزبية عن اتفاقها البحري، بحيث لا يبقى مرتبطًا بحكومة طرابلس وحدها. وبذلك يتبادل الطرفان منفعتين مختلفتين: الشرق يكتسب هامشًا أوسع للمناورة، وأنقرة تكتسب دعمًا مؤسسيًا ليبيًا أوسع لموقفها البحري.
وهذا لا يثبت وجود صفقة سرية مع حفتر، لكنه يكشف توافق مصالح يمكن قراءته من النتائج المعلنة، دون اختلاق تفاصيل عن تفاهمات خلف الأبواب المغلقة.
القاهرة.. أزمة ثقة لا قطيعة استراتيجية
التحول الأكثر حساسية بالنسبة إلى مصر أن الخلاف لم يعد مع حكومة طرابلس وحدها، بل امتد إلى المؤسسة التشريعية في الشرق الذي اعتادت القاهرة التعامل معه باعتباره شريكًا رئيسيًا في أمن الحدود.
ومع ذلك، فإن وصف الموقف بأنه انهيار للتحالف المصري مع حفتر يتجاوز الأدلة المتاحة؛ فالقاهرة تفصل بين رفض الاتفاق البحري والحفاظ على قنواتها الأمنية والسياسية.
في 26 أكتوبر، انضمت مصر إلى اليونان وقبرص والإمارات والبحرين والاتحاد الأوروبي في موقف أُعلن بالأمم المتحدة ضد الاتفاق.
وفي 28 أكتوبر، أكدت تقارير مصرية استمرار التحرك القانوني والدبلوماسي بالتوازي مع الاتصالات مع أنقرة.
والدلالة أن القاهرة تتعامل مع الأزمة باعتبارها نزاعًا على الحقوق البحرية، لا سببًا كافيًا لهدم التقارب المصري التركي أو التخلي عن مصالحها الأمنية في ليبيا.
إنها سياسة فصل المسارات: اعتراض قانوني حاسم، مع إبقاء التفاوض مفتوحًا.
عرض الـ15 ألف كيلومتر.. أنقرة تنقل المعركة إلى القاهرة
في 28 أكتوبر، أعلنت وزارة الدفاع التركية استعدادها لتوقيع اتفاق ترسيم بحري مع مصر، زاعمة أن القاهرة قد تكسب أكثر من 15 ألف كيلومتر مربع إضافية مقارنة باتفاق محتمل مع اليونان.
والرقم تقدير تركي غير متفق عليه، لكنه يكشف طبيعة الرسالة السياسية: أنقرة لا تكتفي بالدفاع عن اتفاقها الليبي، بل تعرض على القاهرة إعادة النظر في حسابات شرق المتوسط.
وهنا تنتقل المواجهة من سؤال مشروعية اتفاق 2019 إلى سؤال أكبر: هل تستطيع مصر الاستفادة من التقارب مع تركيا دون المساس بالتزاماتها البحرية القائمة وعلاقاتها باليونان وقبرص؟
والأهم أن الاعتراف البرلماني الليبي لا يلزم الدول الثالثة تلقائيًا بحدود الاتفاق؛ فالقانون الدولي للبحار لا يجعل اتفاقًا ثنائيًا حاسمًا لحقوق أطراف أخرى تعترض عليه.
طرابلس.. شريك أنقرة الذي يخشى تقاسم مكاسبها
بالنسبة إلى عبد الحميد الدبيبة، لا يحمل تقارب أنقرة مع الشرق مكاسب خالصة.
فتركيا كانت إحدى أهم ركائز التوازن العسكري الذي حمى طرابلس، لكن توسيع علاقاتها مع حفتر يقلص قدرة حكومة الغرب على التعامل معها كشريك حصري.
وفي الوقت نفسه، أعلن الدبيبة استعداد حكومته لمعالجة المخاوف البحرية المصرية، خلال اتصال برئيس المخابرات المصرية حسن رشاد في 24 أكتوبر.
هذه المفارقة تكشف تحولًا جوهريًا: لم يعد الصراع مجرد شرق مدعوم من القاهرة وغرب مدعوم من أنقرة.
الجميع بات يفتح قنوات مع الجميع، بينما يظل اتفاقهم على توزيع السلطة أصعب من اتفاقهم على تبادل المصالح.
الأسرار الحقيقية.. ما الذي تخفيه المساومات العلنية؟
ليس أخطر ما في المشهد وجود صفقة سرية لم تثبتها الوثائق، بل وجود منطق سياسي واضح: يستطيع الفرقاء التفاهم حول الحدود البحرية والتعاون الخارجي قبل الاتفاق على الانتخابات والدستور والقيادة العسكرية.
ويحذر محللون ليبيون من أن تفاهمًا بين النخب المتنافسة قد ينتج تقاسمًا للسلطة يستبعد قطاعات أوسع من المجتمع.
وهنا جوهر الأزمة الليبية: قد يتحول توحيد المؤسسات من مشروع لبناء الدولة إلى تفاوض بين أصحاب القوة على ضمان مواقعهم داخلها.
ليبيا إلى أين.. سلام بين الخصوم أم تقاسم جديد للدولة؟
حتى صباح 29 أكتوبر، لم تسفر محادثات أنقرة عن اتفاق لتوحيد الجيش، ولم تتراجع القاهرة عن اعتراضها القانوني، ولم يؤد التقارب التركي مع الشرق إلى إنهاء الانقسام الليبي، تلك هي الحقائق التي ينبغي أن تنطلق منها قراءة المرحلة.
أما الاحتمال الأكثر أهمية للتحليل، فهو أن يستمر التفاهم الاقتصادي والأمني بين المعسكرين مع بقاء الحسم السياسي مؤجلًا؛ وضع تستطيع فيه القوى الخارجية توسيع نفوذها، وتستطيع النخب المحلية الحفاظ على مواقعها، بينما تتراجع فرص قيام سلطة موحدة خاضعة للمساءلة.
المفارقة الكبرى أن شرق ليبيا وغربها وجدا مساحة للالتقاء عند مصالح تركيا، لكنهما لم يجدا بعد الصيغة التي تجمعهما تحت سلطة ليبية واحدة.
وبينما تتفاوض العواصم على خرائط البحر، يبقى السؤال الذي يحدد مستقبل البلاد معلقًا: هل تُستخدم التفاهمات الخارجية لإنهاء الانقسام، أم تصبح وسيلة جديدة لإدارته وإطالة عمره؟
شاركنا برأيك