منى شماخ تكتب: حين يصبح الإعلام صدى صوت: أزمة البوصلة المفقودة
فالإعلام الذي اعتاد التلقي يجد نفسه عاجزًا حين يُطلب منه أن يبدع أو يقنع أو ينقل ما يشعر به الناس لأنه فقد بوصلته التي تحدد اتجاهه نحو جمهوره، وتمنحه القدرة على فهمه والإنصات إليه
عندما يصبح الإعلام صدى صوت للسلطة
للإعلام بوصلة واحدة جديرة بأن يتبعها :الحرية والمقصود بها أن يكون مرآة صادقة لآلام الناس وهمومهم وتوقعاتهم، وصوتهم الذي يعبر عما يعيشونه فعلًا، لا عما يُراد لهم أن يروه. وأي بوصلة أخرى،مهما كان توجهها ستفقده القدرة على تحديد إتجاهه.
عندما تضيع البوصلة
حين يتخلى الإعلام عن الحرية، يفقد استقلاله ويصبح أسيرًا لاعتبارات تفرضها عليه أطراف ومصالح مختلفة.
وبدلًا من أن ينطلق من اهتمامات الناس ويتابع قضاياهم، تصبح أولوياته مرتبطة بحسابات لا صلة لها بما يشغل المجتمع، وتتغير مواقفه بتغير هذه الحسابات؛ عندها يفقد الإعلام صلته بقضايا الناس، فيفقد جمهوره أيضًا، الذي يبدأ في البحث عن مصادر ومنابر أخرى تعبر عنه.
أخطر الاتجاهات أن يتحول الإعلام إلى صدى لصوت السلطة، قد يبدو ذلك خيارًا آمنًا للطرفين فالسلطة تجد من يردد خطابها، والإعلام يحتمي بالقرب منها، لكن الصدى لا يضيف إلى الصوت شيئًا، ولا يكشف ما غاب عنه، ولا ينبه إلى ما قد يغفل عنه صاحبه.
وكلما اقتص الإعلام على ترديد ما يسمعه، فقد قدرته على الإضافة والتأثير، وأصبح صوته أضعف من أن يترك أثرًا.
وهنا تكمن المفارقة: فالسلطة نفسها قد تضيق بهذا الدور، إذ تحتاج إلى إعلام لا يكتفي بترديد خطابها، بل يستطيع إقناع الجمهور به.
لكن هذه المهمة تصبح شديدة الصعوبة حين يفقد الإعلام استقلاله وقدرته على المبادرة.
فالإعلام الذي اعتاد التلقي يجد نفسه عاجزًا حين يُطلب منه أن يبدع أو يقنع أو ينقل ما يشعر به الناس لأنه فقد بوصلته التي تحدد اتجاهه نحو جمهوره، وتمنحه القدرة على فهمه والإنصات إليه.
وهذه هي البداية التي لا غنى عنها لأي خطاب يريد أن يصل إلى الناس ويؤثر فيهم.
منى شماخ تكتب: حين يصبح الترند صوت المواطن
الوصول إلى التيه
هكذا يقع الإعلام في فخ مزدوج: يعجز عن أداء وظيفته الأصلية، كما يعجز عن أداء الدور الذي تريده السلطة منه.
فالجمهور حين يشعر بأن الخطاب لا يشبهه ينصرف عنه، وما لا يصل إلى الناس لا يخدم أحدًا، لا الجمهور ولا السلطة، والنتيجة أن الإعلام يخسر ثقة الناس من دون أن يكسب رضا من تخلى عنهم من أجله.
ويعيدنا هذا المأزق إلى البوصلة التي تخلى عنها الإعلام: الحرية، فهي التي تمنحه استقلاله، وتحمي قدرته على متابعة قضايا الناس، ومساءلة السلطة، ونقل ما يجري في المجتمع بصدق ودقة.
وحين يستند الإعلام إلى هذه البوصلة، لا تصبح مواقفه رهينة بتغير المصالح وموازين القوى، بل تستند إلى معايير مهنية تحافظ على استقلاله وتعزز مصداقيته.
عندما يفقد الإعلام صوته
حرية الإعلام تساعد صانعي القرارعلى فهم الواقع والتعامل مع مشكلاته.
فالإعلام الحر يستطيع أن ينقل إليهم ما قد لا يصل عبر الدوائر المحيطة بهم، وأن يكشف جوانب القصور، ويرصد ما يشغل الناس وما يتوقعونه، وينبّه إلى الأزمات قبل أن تتفاقم.
وهذه وظيفة لا يستطيع أن يؤديها إعلام يكتفي بترديد خطاب أُعدّ له سلفاً.
الإعلام الذي يحتفظ بحريته واستقلاله لا يحتاج إلى بوصلة غير بوصلة الحرية، فإذا اختار أن يكون صوتاً للناس، اكتسب معنى ودوراً وجمهوراً.
أما إذا فقد استقلاله وأصبح تابعاً لحسابات السلطة والمصالح، واختار أن يكون متلقياً للأوامر وناقلاً لها، فقد اختار أن يفقد صوته، ويفقد معه مصداقيته ومبرر وجوده.
شاركنا برأيك