محمود سيد محمد يكتب: هل تعيد الانتخابات الأمريكية رسم خرائط النفوذ في العالم؟
في أوروبا، ستتابع الحكومات نتائج الانتخابات بحسابات مختلفة، فالحرب الروسية الأوكرانية جعلت الأمن الأوروبي مرتبطًا بدرجة كبيرة بالموقف الأمريكي
هل تؤثر نتائج الانتخابات في سياسات أمريكا
لم تكن انتخابات التجديد النصفي الأمريكية التي جرت في الثالث من نوفمبر 2026 مجرد منافسة بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي على مقاعد الكونجرس، بل جاءت في لحظة تتقاطع فيها الحرب مع إيران، وأزمات الطاقة، والتوترات التجارية، والصراع الأمريكي الصيني، ومستقبل التحالفات الدولية.
ولذلك فإن ما حدث في واشنطن لا يمكن قراءته باعتباره تحولًا حزبيًا داخليًا فقط، بل باعتباره تطورًا ستكون له انعكاسات على طريقة إدارة الولايات المتحدة لعلاقاتها مع العالم.
النتائج التي أعلنتها وسائل الإعلام الأمريكية أكدت انتقال السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ إلى الديمقراطيين، بعد أن كان الجمهوريون يمتلكون الأغلبية فيهما.
ووفقًا لما أوردته وكالة رويترز في تقريرها المنشور في الرابع من نوفمبر، حقق الديمقراطيون مكاسب كبيرة في ولايات ظلت لسنوات محسوبة على الجمهوريين، ونجحوا في انتزاع أكثر من سبعة مقاعد في مجلس الشيوخ وأكثر من عشرين مقعدًا في مجلس النواب.
كما أشارت وكالة أسوشيتد برس إلى أن النتائج عكست تراجعًا واضحًا في شعبية سياسات إدارة ترامب، خصوصًا مع تصاعد القلق من الحرب مع إيران وارتفاع تكاليف المعيشة.
من المهم التمييز بين هذه الانتخابات والانتخابات الرئاسية
الأمريكيون لم يختاروا رئيسًا جديدًا، ولم يغادر ترامب البيت الأبيض، وإنما أعادوا توزيع القوة داخل المؤسسة التشريعية.
وسيبدأ الكونجرس الجديد ممارسة مهامه في يناير 2027، لتدخل واشنطن مرحلة من الحكم المنقسم، حيث يظل الجمهوريون في البيت الأبيض بينما يتولى الديمقراطيون قيادة المجلسين.
هذا التغيير يحمل دلالات مهمة؛ فالرئيس يستطيع استخدام صلاحياته التنفيذية، لكنه لن يجد أمامه الكونجرس نفسه الذي منحه خلال العامين الماضيين مساحة واسعة لتمرير أجندته.
الكونجرس يفتح جبهة سياسية أمام ترامب
أمام الديمقراطيين ثلاثة مسارات رئيسية خلال المرحلة المقبلة:
الرقابة على أداء الإدارة، والتفاوض بشأن التشريعات والإنفاق، واستخدام صلاحيات الكونجرس لمراجعة السياسات التي يرون أنها تحتاج إلى تعديل.
في مجلس النواب، يستطيع الديمقراطيون التحكم في رئاسة اللجان وجدول أعمالها، وفتح تحقيقات بشأن قرارات الإدارة، واستدعاء المسؤولين وطلب الوثائق والمعلومات.
أما مجلس الشيوخ، فيمتلك سلطة التصديق على التعيينات الرئاسية المهمة، وهو ما يمنح الأغلبية الجديدة قدرة على تعطيل بعض اختيارات البيت الأبيض أو فرض مفاوضات بشأنها.
لكن السيناريو الأهم هو احتمال دخول السلطتين في مواجهة مستمرة.
فإذا أقر الكونجرس مشروع قانون يرفضه ترامب، يستطيع الرئيس استخدام حق النقض الرئاسي، ولا يستطيع الكونجرس تجاوز هذا الفيتو إلا بأغلبية الثلثين في المجلسين.
وهناك ملف آخر قد يتحول إلى أزمة داخلية، وهو تمويل الحكومة وسقف الدين العام.
فإذا فشل الطرفان في الاتفاق على الموازنات أو التشريعات المالية، فقد تواجه الولايات المتحدة تعثرًا في إقرار التمويل، بما يفتح الباب أمام إغلاق بعض المؤسسات الحكومية أو الدخول في مواجهة بشأن الاقتراض والإنفاق.
وقد تجد إدارة ترامب نفسها أمام ثلاثة احتمالات: التفاوض مع الديمقراطيين لتمرير الموازنات، أو استخدام الفيتو ضد التشريعات التي لا تتفق مع برنامجها، أو الدخول في مواجهة سياسية قد تعطل بعض الملفات الحكومية.
وفي كل الحالات، سيكون على البيت الأبيض حساب موقف الكونجرس قبل اتخاذ خطوات تحتاج إلى غطاء تشريعي أو مالي.
إيران وإسرائيل.. هل تتغير حسابات الحرب؟
الشرق الأوسط من أكثر المناطق التي ستراقب نتائج الانتخابات الأمريكية عن كثب، خاصة مع استمرار المواجهة مع إيران وتزايد المخاوف من اتساع رقعة الحرب.
ووفقًا لما أوردته وكالة رويترز في تغطيتها للانتخابات، كانت الحرب مع إيران وارتفاع أسعار الوقود وتكاليف المعيشة من العوامل التي أثرت في اختيارات الناخبين، وأضعفت موقف الجمهوريين في عدد من الولايات.
وهذا يضع إدارة ترامب أمام ضغوط سياسية جديدة، خصوصًا أن استمرار العمليات العسكرية يحتاج إلى تمويل وتبرير سياسي أمام المؤسسات التشريعية والرأي العام.
وقد يستخدم الديمقراطيون لجان الكونجرس لمراجعة أهداف الحرب وتكاليفها ومدى تحقيقها للمصالح الأمريكية.
لكن لا ينبغي التعامل مع الديمقراطيين باعتبارهم حزبًا موحدًا في موقفه من إيران أو إسرائيل.
فداخل الحزب اتجاهات مختلفة؛ هناك من يركز على دعم أمن إسرائيل والتحالف معها، وهناك أصوات تطالب بمراجعة بعض أشكال الدعم العسكري، وتوسيع الرقابة على استخدام المساعدات الأمريكية، وإعطاء أولوية أكبر للحلول الدبلوماسية.
والجمهوريون بدورهم ليسوا كتلة واحدة في كل ما يتعلق بالحرب والإنفاق العسكري، وإن كانت إدارة ترامب قد تبنت نهجًا أكثر تشددًا تجاه طهران.
ما يتغير الآن هو مساحة المناورة السياسية أمام الرئيس.
فقد يواجه ضغوطًا أكبر لتوضيح أهداف الحرب وتكاليفها، كما قد يصبح تمرير تمويل إضافي للعمليات العسكرية أكثر صعوبة.
أما إيران، فقد تقرأ النتائج باعتبارها مؤشرًا على وجود ضغوط داخلية أمريكية لإنهاء الحرب، لكنها ستدرك في الوقت نفسه أن تغير الأغلبية البرلمانية لا يعني انتهاء القدرات العسكرية الأمريكية أو زوال المصالح الاستراتيجية لواشنطن في الخليج.
وبالنسبة إلى دول الخليج، فإن استمرار المواجهة أو التوصل إلى تسوية سيؤثر مباشرة على أمن الطاقة والملاحة البحرية، وعلى طبيعة العلاقة الأمنية مع الولايات المتحدة.
أما مصر، فستكون معنية بأي تطور يمس البحر الأحمر ومضيق هرمز وقناة السويس، لأن اضطراب هذه الممرات لا يبقى محصورًا في أطراف المواجهة.
الصين والهندوباسيفيك.. المعركة التي لا تتوقف
إذا كان الشرق الأوسط يمثل اختبارًا عسكريًا مباشرًا للسياسة الأمريكية، فإن منطقة الهندوباسيفيك تمثل الاختبار الأهم لمستقبل النفوذ الأمريكي في العقود المقبلة.
فالصراع بين واشنطن وبكين لم يعد مقتصرًا على الرسوم الجمركية أو حجم التبادل التجاري، بل امتد إلى أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي والصناعات الدفاعية والرقائق الإلكترونية وسلاسل الإمداد، فضلًا عن التنافس البحري في بحر الصين الجنوبي ومحيط تايوان.
وقد تشهد المرحلة المقبلة خلافات داخل الكونجرس بشأن حجم الإنفاق الدفاعي المخصص لمواجهة التوسع الصيني، وطبيعة الدعم العسكري لتايوان، والقيود المفروضة على الشركات الصينية، ومستقبل العلاقات التجارية بين البلدين.
انتقال الأغلبية إلى الديمقراطيين لا يعني تراجع المواجهة مع بكين.
فالتنافس الاستراتيجي مع الصين يحظى بدعم واسع داخل الحزبين، وإن اختلفت الوسائل بين من يفضل الضغط التجاري والتكنولوجي ومن يعطي الأولوية للتحالفات العسكرية والدبلوماسية.
وهنا تظهر أهمية الهند؛ فواشنطن تنظر إلى نيودلهي باعتبارها شريكًا مهمًا في موازنة النفوذ الصيني، خصوصًا في المحيطين الهندي والهادئ.
كما أن التعاون مع اليابان وأستراليا وكوريا الجنوبية يمثل جزءًا أساسيًا من استراتيجية الولايات المتحدة في المنطقة.
وبالتالي، فإن واشنطن قد تختلف داخليًا حول إيران وأوكرانيا والإنفاق، لكنها ستظل أمام تحدٍ استراتيجي طويل الأمد اسمه الصين.
ولن يكون من السهل على أي إدارة أمريكية التخلي عن هذا التنافس، لأنه يرتبط بمستقبل الاقتصاد والتكنولوجيا والتفوق العسكري.
أوروبا وأوكرانيا.. هل تدفع القارة ثمن الخلاف الأمريكي؟
في أوروبا، ستتابع الحكومات نتائج الانتخابات بحسابات مختلفة، فالحرب الروسية الأوكرانية جعلت الأمن الأوروبي مرتبطًا بدرجة كبيرة بالموقف الأمريكي، سواء فيما يتعلق بالمساعدات العسكرية أو تبادل المعلومات الاستخباراتية أو توفير أنظمة الدفاع.
وقد يمنح صعود الديمقراطيين إلى قيادة الكونجرس مساحة أكبر للمدافعين عن استمرار الدعم الأمريكي لأوكرانيا، لكن ذلك لا يعني أن الخلاف مع إدارة ترامب سينتهي.
فالرئيس لا يزال صاحب سلطة واسعة في إدارة السياسة الخارجية، كما أن توفير التمويل العسكري يحتاج إلى موافقات تشريعية.
أما الأوروبيون، فقد يجدون أنفسهم أمام ضرورة تسريع بناء قدراتهم الدفاعية، وعدم الاعتماد الكامل على تغير المزاج السياسي في واشنطن.
فالتجربة أثبتت أن التحالفات تحتاج إلى مصالح متبادلة وضمانات طويلة الأمد، لا إلى توافق مؤقت بين رئيسين.
والأمر نفسه ينطبق على حلف شمال الأطلسي، حيث ستظل مسألة الإنفاق الدفاعي وتقاسم الأعباء بين الولايات المتحدة وأوروبا أحد أهم مصادر الخلاف في المرحلة المقبلة.
أفريقيا.. مستقبل النفوذ الأمريكي على المحك
القارة الأفريقية واحدة من المناطق التي ستظهر فيها نتائج التحول الأمريكي بصورة اقتصادية واستراتيجية.
فالصراع على أفريقيا لم يعد مجرد تنافس على الموارد الطبيعية، وإنما أصبح صراعًا على الموانئ والممرات البحرية والمعادن النادرة والطاقة والأسواق ومواقع النفوذ العسكري.
الصين رسخت حضورها الاقتصادي من خلال مشروعات البنية التحتية والتجارة والاستثمارات، بينما وسعت روسيا علاقاتها الأمنية والعسكرية مع عدد من الحكومات الأفريقية، وتعمل تركيا على توسيع حضورها الاقتصادي والسياسي والدفاعي.
وفي المقابل، تحاول الولايات المتحدة الحفاظ على موقعها في القارة من خلال التجارة والاستثمار والتعاون الأمني.
ومن الملفات التي تستحق متابعة خاصة قانون النمو والفرص الأفريقية «أغوا»، الذي يمنح الدول الأفريقية المؤهلة امتيازات جمركية للوصول إلى السوق الأمريكية.
ووفقًا لتقرير خدمة أبحاث الكونجرس الأمريكي الصادر في أغسطس 2026، فقد أعاد الكونجرس العمل بالبرنامج في فبراير من العام نفسه، ومدد سريانه حتى 31 ديسمبر 2026، بعد انتهاء العمل به في سبتمبر 2025.
وأشار التقرير إلى وجود نقاش داخل الكونجرس وإدارة ترامب حول تعديل البرنامج أو تمديده لما بعد نهاية العام.
وهنا لا يتعلق الأمر بالتجارة وحدها، بل بشروط الاستفادة من الامتيازات الأمريكية، ومدى ارتباطها بالمصالح الاقتصادية والسياسية لواشنطن.
وقد يختلف الجمهوريون والديمقراطيون بشأن طبيعة الشروط التي ينبغي فرضها على الدول الأفريقية، وحجم الامتيازات التي تحصل عليها، ومدى الاستفادة الأمريكية من استمرار البرنامج.
وهذا الملف يفتح سؤالًا مهمًا: هل ستتعامل واشنطن مع أفريقيا باعتبارها شريكًا اقتصاديًا طويل الأمد، أم ستظل علاقاتها بالقارة مرتبطة بحسابات المنافسة مع الصين وروسيا؟
مصر.. قراءة ما وراء التغيير الأمريكي
بالنسبة إلى مصر، لا ينبغي أن تتوقف متابعة الانتخابات عند معرفة الحزب الذي سيقود الكونجرس، وإنما يجب النظر إلى الملفات التي يمكن أن تتأثر بهذا التحول.
السودان يأتي في مقدمة هذه الملفات، فاستمرار الحرب يهدد أمن الحدود الجنوبية لمصر، ويزيد الضغوط على دول الجوار، ويفتح المجال أمام تدخلات إقليمية ودولية متنافسة.
ومن ثم فإن أي تغير في السياسة الأمريكية تجاه السودان يجب أن يُقرأ من زاوية وحدة الدولة السودانية، ووقف الحرب، ومنع تحول البلاد إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الخارجية.
وفي ليبيا، تظل المصالح المصرية مرتبطة بأمن الحدود الغربية، واستقرار المؤسسات، ومنع انتشار الجماعات المسلحة.
أما في البحر الأحمر، فإن تأمين الملاحة يمثل مصلحة مصرية مباشرة، خصوصًا بعد التأثيرات التي تعرضت لها قناة السويس نتيجة الاضطرابات الأمنية في المنطقة.
ويضاف إلى ذلك ملف مياه النيل والقرن الأفريقي، حيث تتقاطع المصالح المصرية مع حسابات القوى الكبرى، ومع تنافس متزايد على الموانئ والقواعد العسكرية وممرات التجارة.
كما أن ملف الطاقة والغاز والاستثمار والتعاون الاقتصادي مع الولايات المتحدة يظل جزءًا من العلاقات التي تحتاج إلى تفاوض مستمر.
وهنا يجب على القاهرة أن تتعامل مع واشنطن من منطلق المصالح المصرية الثابتة، لا من منطلق التغيرات الحزبية داخل الولايات المتحدة.
فالعلاقات الدولية لا تُبنى على هوية الحزب الحاكم وحدها، وإنما على قدرة الدول على حماية مصالحها وتوسيع خياراتها وبناء علاقات متوازنة مع القوى المختلفة.
وأرى أن ما جرى في الانتخابات الأمريكية يحمل رسالة تتجاوز حدود الولايات المتحدة، فالرئيس قد يمتلك سلطات واسعة، وقد يسيطر حزبه على مؤسسات الحكم لفترة، لكن ذلك لا يمنحه ضمانة دائمة بأن تظل موازين القوة كما يريد.
وما حدث في واشنطن يوضح أن الناخب يستطيع إعادة ترتيب المشهد السياسي عندما يشعر أن السياسات القائمة لم تعد تعبر عن أولوياته.
وهذه ليست مسألة أمريكية فقط، بل درس لكل دولة ومجتمع: تجاهل صوت الناس لا يصنع استقرارًا دائمًا، وفقدان الأمل هو أخطر ما يمكن أن تصل إليه الشعوب.
لا أقول إن الانتخابات وحدها قادرة على إنهاء الاستبداد أو تحقيق العدالة، لكنني أؤمن بأن الوعي والمشاركة والتمسك بالحقوق تظل وسائل لا غنى عنها في مواجهة أي سلطة تتصور أن بقاءها أمر محسوم.
فلا تفقدوا الأمل مهما بلغت سطوة المستبدين؛ فالتاريخ لا يمنح أحدًا ضمانًا بالبقاء إلى الأبد، والشعوب لا تفقد حقها في التغيير مهما طال انتظارها.
التعليقات مغلقة على هذا المقال.