علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
د. محمد فؤاد
د. محمد فؤاد

الخبير الإعلامي المصري

من الذي روّض الجزيرة؟ استقالات هزّت غرف الأخبار.. ورحيل «حلّل يا دويري»

توقفت «الجزيرة مباشر مصر» عن البث من الدوحة، بالتزامن مع جهود مصالحة مصرية قطرية برعاية سعودية.

مشاركة:
حجم الخط:

كانت الجزيرة تُغضب الحكام بنشرة أخبار، وتفتح الهواء لأصوات تخشاها العواصم، وتحول الاستوديو إلى ساحة مواجهة. وبعد ثلاثين عاماً، وتصالح خصوم الأمس، ارتد السؤال إلى صاحبة الشاشة: هل بقي «الرأي والرأي الآخر» مبدأً لا يتغير، أم أصبحت المصالح بين العواصم تتحكم في حرارة الأخبار وبرودتها؟

في الحلقتين السابقتين، روينا كيف ولدت الجزيرة من رحم تجربة BBC العربية، وكيف أصبحت أزمة دبلوماسية بلغت حد المطالبة بإغلاقها ضمن شروط إنهاء حصار قطر.

لكن بعض أكثر الحكايات إثارة لم يقع أمام الكاميرات، وإنما خلف أبواب غرف الأخبار.

يسري فودة.. عندما تمرد أحد صناع الأسطورة!

في مايو 2009، فاجأ يسري فودة جمهور الجزيرة بمقاله «وداعاً قناة الجزيرة» بعد سنوات من تقديم «سري للغاية»، البرنامج الذي اقتحم ملفات ظلت محرمة على الإعلام العربي.

كشف أنه تقدم باستقالتين عامي 2003 و2007، وروى أن أمير قطر آنذاك تدخل لرفض الأولى.

وتحدث عن تحفظات إدارية ومهنية وسياسية، وعن ثلاثة تحقيقات لم تسمح الإدارة ببثها، بحسب شهادته.

كانت المفارقة قاسية: الصحفي الذي اشتهر بكشف أسرار الآخرين، وجد نفسه يتحدث عن أسرار مؤسسته!

والسؤال: هل تكفي حرية الصحفي أمام الكاميرا إذا بقي القرار النهائي لما يُعرض وما يُحجب بعيداً عنها؟

غسان بن جدو.. البحرين تكشف الوجه الآخر!

في ربيع 2011، كانت الجزيرة تعيش ذروة حضورها خلال الثورات العربية، عندما أعلن غسان بن جدو، أحد أبرز نجومها ومدير مكتب بيروت، استقالته.

نقلت تقارير اعتراضات منسوبة إليه على التفاوت بين التغطية المكثفة لاحتجاجات ليبيا وسوريا واليمن، والتعامل الأكثر تحفظاً مع أحداث البحرين.

لكن بن جدو وصف رحيله لاحقاً بأنه موقف شخصي، ولم يؤكد تلك الأسباب.

بقي السؤال: هل تتحدد أهمية الاحتجاج بحجمه وتداعياته، أم بحساسية الدولة التي يقع فيها لدى الدوحة؟

القاهرة.. والليلة التي أُطفئت فيها الشاشة!

بعد عزل الرئيس محمد مرسي في يوليو 2013، واجهت الجزيرة اتهامات بالانحياز السياسي، ووقعت استقالات واعتراضات داخلية، بينما تحدثت القناة عن ضغوط تعرض لها بعض العاملين.

وفي الوقت نفسه، واجه صحفيوها الاعتقال وإغلاق المكاتب، وهي إجراءات لا يبررها الخلاف على المعالجة التحريرية.

ثم جاءت المفاجأة في 22 ديسمبر 2014.

توقفت «الجزيرة مباشر مصر» عن البث من الدوحة، بالتزامن مع جهود مصالحة مصرية قطرية برعاية سعودية.

لم يثبت أن القرار صدر بأوامر سياسية، لكن توقيته ظل مثيراً للأسئلة: لماذا توقفت الشاشة التي كانت أحد رموز الخصومة عندما بدأت أبواب المصالحة تُفتح؟

وهل يمكن أن تتحول وسيلة إعلامية من أداة مواجهة إلى ورقة تهدئة مع تغير العلاقات بين العواصم؟

اليمن الآن.. 20 هجوماً على مطار واحد و19 قتيلاً و364 مصاباً!

هنا نصل إلى اختبار أكثر حساسية للمصداقية.

منذ تجدد التصعيد السعودي الحوثي منتصف 2026، لم تعد الحرب محصورة داخل اليمن؛ فقد امتدت الصواريخ والمسيّرات إلى المطارات والمنشآت النفطية والمدن السعودية.

وفي 15 أكتوبر، أعلن المتحدث باسم التحالف، تركي المالكي، تعرض مطار الملك خالد بالرياض لعشرين هجوماً منذ بداية الشهر، وأن هجمات الفترة من 7 إلى 11 أكتوبر أوقعت 17 قتيلاً و333 مصاباً.

وبلغت الحصيلة التي أعلنها التحالف للهجمات على المطارات السعودية 19 قتيلاً و364 مصاباً، بينهم ضحايا في الرياض وأبها وجازان.

وفي 30 أكتوبر، أعلن اعتراض مسيّرات جديدة، بينما شهد الثاني من نوفمبر إنذارات في أبها وخميس مشيط ونجران والطائف، وإعلاناً عن اعتراض صاروخ باليستي باتجاه جنوب المملكة.

هذه ليست أرقاماً من سنوات مضت؛ إنها وقائع مواجهة جارية.

واللافت أن الجزيرة نشرت بالفعل حصائل الضحايا والهجمات، فلا يصح اتهامها بإخفاء الأرقام.

لكن السؤال الأكثر دقة: هل عُرضت بالعمق الذي تستحقه؟ أين قصص الضحايا والمصابين؟ وأين التحقيقات في الأضرار وتعطل المطارات وتأثير الضربات على حياة المدنيين؟

فالتعتيم الإعلامي لا يعني دائماً إخفاء الخبر؛ قد يعني نشره دون المتابعة والتفسير والمساحة التي تكشف حجمه الحقيقي.

وهذا احتمال يحتاج إلى مقارنة منهجية بين نشرات الجزيرة وتغطيات المؤسسات الأخرى، لا إلى افتراض مسبق.

التحالف الجديد.. من يحارب مع السعودية؟

ثمة جانب لا يقل أهمية: خريطة القوى التي تواجه الحوثيين الآن.

فلم يعد التحالف هو التشكيل العربي الذي بدأ عملياته عام 2015؛ إذ خرجت قطر عام 2017، وتغيرت مشاركات دول أخرى، وانسحبت الإمارات بقواتها المتبقية مطلع 2026، مع استمرار نفوذ قوى يمنية كانت تدعمها.

اليوم، تقود السعودية الإسناد الجوي لقوات الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، وبينها تشكيلات «درع الوطن» و«ألوية العمالقة»، التي تشارك في عملية «فجر اليمن» على جبهات متعددة.

وفي أكتوبر، أعلن التحالف مشاركة مئة طائرة مقاتلة في العملية، مع إسناد بري وجوي وتنسيق عملياتي.

أما دولياً، فقد برز اتفاق الدفاع بين السعودية وتركيا وباكستان، مع تحركات لتعزيز الدفاع عن المملكة، لكنه لا يعني أن الدول الثلاث تشارك جميعها بالطريقة نفسها في القتال داخل اليمن.

كما أعلنت بريطانيا مهام دفاع جوي بطائرات «تايفون»، إلى جانب التزويد بالوقود والمستشارين العسكريين، مع التأكيد أن طائراتها لن تنفذ غارات هجومية على الحوثيين.

وأشارت تقارير إلى وجود مستشارين عسكريين أميركيين لدعم التنسيق والمعلومات.

فهل يحصل المشاهد على هذه الخريطة كاملة؟ من يقاتل على الأرض؟ من يوفر الغطاء الجوي؟ ومن يقدم المعلومات والسلاح والدفاعات؟

إن اختزال المواجهة في «السعودية ضد الحوثيين» يحجب تعقيدات التحالف الجديد، حتى عندما تكون الأخبار الجزئية منشورة.

حرب اليمن.. عندما تتغير لغة الخبر بتغير التحالفات!

والأخطر أن تغير نبرة تغطية الجزيرة لحرب اليمن ليس مجرد انطباع.

فدراسة أكاديمية نُشرت عام 2023، وحللت 32 مادة إخبارية، رصدت تحولاً من معالجة أكثر إيجابية للتحالف وأشد سلبية تجاه الحوثيين قبل أزمة الخليج عام 2017، إلى اتجاه معاكس بعدها.

كما رصدت دراسة ثانية شملت أكثر من ثلاثة آلاف مادة اختلافات في الأطر والأولويات الإعلامية بين الجزيرة والعربية.

لا تثبت هذه الدراسات تعتيماً في 2026، لكنها تجعل السؤال مشروعاً:

إذا تبدلت لغة التغطية بعد خصومة 2017، فهل تبدلت مجدداً بعد مصالحة 2021؟

وهل يُمنح ضحايا الصواريخ في السعودية الحضور الإنساني نفسه الذي يُمنح لضحايا الغارات داخل اليمن؟

«حلّل يا دويري».. لماذا رحل نجم الحرب؟

ثم جاءت مفاجأة سبتمبر 2026، أعلن اللواء الأردني المتقاعد فايز الدويري انتهاء ارتباطه الحصري بالجزيرة بعد ست سنوات.

كان الرجل قد تحول إلى ظاهرة جماهيرية خلال حرب غزة، خصوصاً بعد انتشار عبارة «حلّل يا دويري». وفجأة انتهت العلاقة.

هل كان القرار مهنياً؟ هل حدث خلاف تحريري؟ هل لعبت الظروف الصحية دوراً؟

قال الدويري إنه قد يظهر على شاشات يتوافق خطها التحريري مع مبادئه، وفق ما يسمح به وضعه الصحي.

لكن لا دليل موثوقاً على أن الجزيرة استبعدته بضغوط سياسية. وتبقى أسباب انتهاء العلاقة التفصيلية غير محسومة علناً.

الجزيرة بعد المصالحة.. ما الذي تبقى من التمرد؟

بعد اتفاق العلا عام 2021، عادت العلاقات بين قطر وجيرانها، وتراجع منسوب المواجهة الخليجية المباشرة.

لكن المصالحة بين الحكومات ليست في ذاتها خطيئة إعلامية، كما أن الصدام الدائم ليس شهادة استقلال.

والإنصاف يقتضي الاعتراف بأن الجزيرة ما زالت تغضب حكومات، وأن صحفييها تعرضوا للقتل والاعتقال والمنع أثناء أداء عملهم، خصوصاً في تغطية غزة. لذلك فإن إعلان موت استقلالها بالكامل حكم متعجل لا تسنده الوقائع.

إنما الخطر الحقيقي يكمن في معيار مزدوج: أن تصبح الجرأة حقاً محفوظاً في مواجهة الخصوم، بينما تُوزن الأسئلة بموازين أكثر حذراً عند الاقتراب من الحلفاء.

لقد انتهت رحلة الثلاثين عاماً بمفارقة لافتة

الجزيرة التي صنعت مجدها بطرح الأسئلة على الحكومات أصبحت مطالبة بالإجابة عن أسئلة جمهورها.

من الذي يحدد سقفها التحريري؟

لماذا تتغير نبرة التغطية أحياناً مع تغير العلاقات السياسية؟

وما الذي يحدث داخل غرف الأخبار عندما يتعارض حق المشاهد في المعرفة مع مصالح الدولة الممولة؟

فالجزيرة لم تصنع أسطورتها لأنها كانت أغنى الشاشات العربية، بل لأنها بدت أشجعها في مواجهة المحظورات.

وإذا أصبحت اليوم أكثر اهتماماً بحماية علاقاتها من حماية استقلال أسئلتها، فلن تكون المشكلة أنها بلغت الثلاثين.. بل أنها شاخت تحريرياً قبل أن تشيخ مؤسسياً.

والسؤال الأخير: هل دخلت الجزيرة بيت الطاعة، أم أنها تستطيع أن تثبت من جديد أن «الرأي والرأي الآخر» ليس شعاراً يرفع في زمن الخصومة ويُخفض في زمن المصالحة؟

شارك المقال:

شاركنا برأيك