علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
محمد سعد عبد اللطيف
محمد سعد عبد اللطيف

كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية

محمد سعد عبد اللطيف يكتب: إسرائيل على مفترق البقاء.. هل تقترب لحظة التحول الكبرى؟

إن إسرائيل تواجه اختبارًا حقيقيًا في تماسك مجتمعها وكلفة حروبها وعلاقتها بواشنطن، لكن الفارق كبير بين أزمة عميقة وانهيار وشيك.

مشاركة:
حجم الخط:

ليست أخطر الأزمات التي تواجه الدول تلك التي تأتي من خارج حدودها، بل تلك التي تتزامن فيها الضغوط الخارجية مع تصدعات الداخل.

إسرائيل التي بنت عقيدتها الأمنية على التفوق العسكري والردع والتحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، تواجه اليوم اختبارًا يتجاوز نتائج المعارك إلى سؤال أعمق يتعلق بقدرتها على الحفاظ على تماسك مجتمعها وتحويل القوة العسكرية إلى أمن مستدام.
لا يعني ذلك أن انهيار إسرائيل أصبح وشيكًا، لكن المؤشرات المتراكمة تفرض إعادة النظر في صورة الدولة التي لا تُهزم، خصوصًا مع استمرار تداعيات الحروب واتساع الخلافات السياسية والاجتماعية وارتفاع الأعباء الاقتصادية.

الجبهة الداخلية.. أزمة تتجاوز الخلافات السياسية

من أبرز مظاهر التصدع الداخلي الخلاف حول تجنيد اليهود المتشددين دينيًا في الجيش.

فبينما تتحمل قطاعات من المجتمع أعباء الخدمة العسكرية والاحتياط لفترات طويلة، يتمسك قادة التيار الحريدي باستثناءات أو ترتيبات خاصة تسمح لطلاب المعاهد الدينية بتجنب التجنيد.

قد تصاعد هذا الملف مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر 2026، وتحول إلى قضية سياسية واجتماعية تمس تماسك الائتلافات الحاكمة وعدالة توزيع الأعباء.

وتكشف الأزمة أن الخلاف لم يعد محصورًا في شكل الحكومة، بل امتد إلى تعريف المواطنة والمسؤولية المشتركة داخل الدولة.
وتزداد أهمية هذه المسألة مع طول فترات خدمة قوات الاحتياط وتعدد الجبهات.

فالجيوش لا تعتمد على السلاح والتكنولوجيا وحدهما، بل تحتاج إلى مجتمع قادر على تحمل التضحيات دون أن تتآكل ثقته في مؤسساته.

الاقتصاد.. الثمن الذي لا يظهر في بيانات المعارك

تكشف الأرقام الاقتصادية جانبًا آخر من الأزمة، فقد قدّر بنك إسرائيل التكلفة المالية للحرب التي بدأت في أكتوبر 2023 بنحو 350 مليار شيكل خلال الفترة من 2023 إلى 2026، دون احتساب القرارات الإضافية المرتبطة بالحملة العسكرية ضد إيران التي بدأت في فبراير 2026.

وهذا العبء يوضح أن استمرار الحروب لا يُقاس فقط بالخسائر العسكرية، وإنما بما يفرضه على الموازنة العامة والدين والإنفاق المدني.
ومع ذلك، لا تعني الضغوط المالية أن الاقتصاد الإسرائيلي عاجز عن الصمود، فالتقييم الموضوعي يقتضي النظر إلى قدرته على التمويل والتكيف، إلى جانب المخاطر التي يفرضها استمرار المواجهات.

لكن كل حرب طويلة ترفع كلفة الفرصة البديلة، وتطرح سؤالًا حول ما تخسره الدولة من استثمارات وتنمية واستقرار مقابل الإنفاق العسكري المتزايد.

واشنطن.. تحالف قوي لكنه ليس خارج حسابات المصالح

يمثل الدعم الأمريكي ركيزة أساسية في التفوق العسكري الإسرائيلي، بما يشمله من تسليح وتكنولوجيا وتعاون استخباراتي ودعم دبلوماسي.

والاتفاق الحالي للمساعدات العسكرية يمتد حتى عام 2028، فيما بدأت واشنطن وتل أبيب محادثات بشأن إطار جديد للتعاون الدفاعي.

لذلك فإن الحديث عن تخلي أمريكي وشيك عن إسرائيل لا يستند إلى ما يكفي من الأدلة، لكن العلاقة ستظل مرتبطة بالمصالح والتوازنات السياسية داخل الولايات المتحدة وخارجها.

إيران.. اختبار موازين القوة

تفتح المواجهة مع إيران احتمالات تتجاوز حدود البلدين، إذ يمكن أن تؤثر في أمن الخليج والبحر الأحمر والملاحة وأسواق الطاقة، كما قد تعيد ترتيب التحالفات الإقليمية.

غير أن نتائج الحروب لا تُحسم بالتوقعات وحدها، ولا يؤدي اتساعها بالضرورة إلى انهيار طرف أو انتصار نهائي لطرف آخر.

أما ما يُتداول عن تقارير استخباراتية سرية تتوقع انهيار إسرائيل، فلا يجوز التعامل معه كحقيقة مؤكدة من دون وثيقة أصلية يمكن التحقق منها.

فالتقديرات الاستخباراتية، حتى إن صحت، تظل سيناريوهات وليست أحكامًا نهائية على المستقبل.

وتبقى القضية الفلسطينية جوهر أي استقرار إقليمي حقيقي.

فالتهجير القسري وفرض الحلول بالقوة لن ينهيا الصراع، بل سيضاعفان مخاطره ويهددان أمن دول الجوار.

إن إسرائيل تواجه اختبارًا حقيقيًا في تماسك مجتمعها وكلفة حروبها وعلاقتها بواشنطن، لكن الفارق كبير بين أزمة عميقة وانهيار وشيك.

وما سيحدد مستقبلها ليس نتائج المعارك وحدها، بل قدرتها على معالجة تناقضاتها الداخلية والتعامل مع حقائق المنطقة السياسية.

فالقوة قد تفرض وقائع على الأرض، لكنها لا تضمن بقاءها إلى الأبد، والتفوق العسكري لا يستطيع أن يحل محل السياسة أو أن يصنع سلامًا مستدامًا.،،!!

شارك المقال:

شاركنا برأيك