الإبادة التعليمية في فلسطين.. تدمير المدارس وحرمان جيل كامل من حقه في المستقبل
لا تقتصر الأزمة على قطاع غزة، إذ يواجه الطلاب في الضفة الغربية والقدس الشرقية قيوداً أمنية وإدارية تؤثر في انتظام العملية التعليمية.
الإبادة التعليمية في فلسطين
يشهد قطاع التعليم في الأراضي الفلسطينية المحتلة واحدة من أشد أزمات التدمير والحرمان في تاريخه،
بعدما طالت الهجمات الإسرائيلية المدارس والجامعات والمرافق الثقافية، وأبعدت مئات الآلاف من الأطفال والطلاب عن مقاعد الدراسة،
في وقت تتجاوز فيه التداعيات خسارة المباني والمؤسسات لتطال مستقبل جيل كامل وحقه في التعلم وتكوين هويته.
وسلطت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالحق في التعليم، فريدة شهيد، الضوء على هذه التداعيات في إحاطة قدمتها أمام لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الشعب الفلسطيني، تحت عنوان «الكرامة الإنسانية تحت الضغط: العواقب الإنسانية والحقوقية في الأرض الفلسطينية المحتلة»،
مؤكدة أن ما يجري يمثل إبادة تعليمية، تقوم على المحو المنهجي والهيكلي للتعليم، وتتجاوز آثارها حدود الدمار المادي لتطال أسس المجتمع الفلسطيني وذاكرته الجماعية.
ووفقاً للإحاطة، دُمر نحو 98% من المدارس في قطاع غزة، إلى جانب الجامعات الثلاث عشرة، فيما قُتل قرابة 12 ألف طالب فلسطيني خلال الحرب، وأصيب نحو 170 ألفاً، فضلاً عن مقتل ما لا يقل عن 173 طالباً في الضفة الغربية.
ولم يقتصر استهداف القطاع التعليمي على الطلاب، إذ تجاوز عدد المعلمين والمحاضرين والموظفين الإداريين الذين قُتلوا في غزة والضفة الغربية ألف شخص،
بينهم أكثر من 800 من العاملين في المدارس و240 من موظفي الجامعات في غزة وحدها.
كما قُتل 394 موظفاً من وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا» في القطاع، كان 259 منهم يعملون في تقديم الخدمات التعليمية أو دعمها.
تدمير المؤسسات التعليمية ومحو الذاكرة الفلسطينية
يمثل تدمير المدارس والجامعات جانباً من استهداف أوسع للبنية الثقافية والمعرفية الفلسطينية، إذ امتدت الأضرار إلى 31 مكتبة عامة، والأرشيف المركزي في غزة،
الذي يحتفظ بنحو 150 عاماً من التاريخ، إضافة إلى 195 موقعاً تراثياً و227 مسجداً وثلاث كنائس على الأقل، فضلاً عن مواقع أخرى تحمل قيمة تاريخية ورمزية.
وترى شهيد أن استهداف هذه المؤسسات لا يمكن اختزاله في الخسائر المادية، نظراً إلى ارتباط التعليم بحماية الهوية وتنمية التفكير النقدي وتعزيز الشعور بالانتماء،
مشيرة إلى أن الإبادة التعليمية تستهدف تفكيك أسس المجتمع الفلسطيني ومحو تاريخه وإضعاف إحساسه بذاته الجماعية.
وفي هذا السياق، استندت المقررة الخاصة إلى نتائج لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة،
التي خلصت إلى أن الهجمات الإسرائيلية على المنشآت التعليمية والمواقع الدينية والثقافية ترقى إلى جرائم حرب، وإلى جريمة الإبادة بوصفها جريمة ضد الإنسانية.
وتنعكس هذه الخسائر بصورة مباشرة على قدرة المؤسسات التعليمية الفلسطينية على استئناف عملها، حتى بعد توقف العمليات العسكرية،
إذ يتطلب إعادة بناء المدارس والجامعات توفير البنية التحتية والكوادر التعليمية والموارد اللازمة، إلى جانب معالجة الآثار النفسية والاجتماعية التي خلفتها الحرب لدى الطلاب والمعلمين.
الضفة الغربية والقدس.. قيود تطارد الحق في التعليم
ولا تقتصر الأزمة على قطاع غزة، إذ يواجه الطلاب في الضفة الغربية والقدس الشرقية قيوداً أمنية وإدارية تؤثر في انتظام العملية التعليمية وإمكانية الوصول إلى المدارس.
وبحسب الإحاطة، عاد أكثر من 830 ألف طفل في الضفة الغربية والقدس الشرقية إلى المدارس وسط مخاوف أمنية وتهديدات متواصلة، فيما هُدمت عشرة مدارس من أصل 48 مدرسة في القدس الشرقية خلال أيلول/سبتمبر الماضي.
كما أُغلقت مؤسسات تعليمية أخرى أو اضطرت إلى تعليق عملها بسبب عدم حصولها على التراخيص اللازمة، في إجراءات قالت شهيد إنها ترتبط في بعض الحالات بما يسمى «تصحيح المناهج»، والذي يتضمن حذف إشارات إلى التاريخ والثقافة الفلسطينيين.
وتحدثت المقررة عن تعرض أطفال وأولياء أمور لغرامات بسبب حيازة كتب مدرسية فلسطينية، إلى جانب ممارسات تشمل فرض الإقامة الجبرية على بعض الطلاب، بما يضيف قيوداً جديدة على حقهم في التعلم.
أما في الضفة الغربية، فتؤدي الحواجز العسكرية والاقتحامات والوجود العسكري بالقرب من المدارس إلى تعطيل وصول الطلاب والمعلمين إلى المؤسسات التعليمية.
وسجلت الإحاطة 224 حادثة أمنية أثرت في 152 مدرسة ونحو 20 ألفاً و450 طالباً و859 من العاملين في التعليم خلال النصف الأول من العام، مشيرة إلى أن 21% من هذه الحوادث ارتبطت بعنف المستوطنين، الذي تسبب في نزوح أكثر من 1700 طفل فلسطيني.
كما أدت العمليات العسكرية المستمرة في شمال الضفة الغربية إلى منع طلاب من مخيمي جنين ونور شمس من العودة إلى مدارسهم النظامية،
في حين تعرض أطفال، بعضهم لم يتجاوز السادسة من العمر، للعنف والغاز المسيل للدموع والإصابات والصدمات النفسية خلال اقتحام المنشآت التعليمية.
جيل تحت وطأة الصدمات وغياب فرص التعافي
وتتجاوز تداعيات الانقطاع عن التعليم الجانب الأكاديمي، لتشمل الأضرار النفسية والجسدية التي قد تلازم الأطفال لسنوات طويلة، خصوصاً في قطاع غزة،
الذي يضم واحدة من أعلى نسب الأطفال مبتوري الأطراف مقارنة بعدد السكان في العالم، وفقاً للإحاطة.
وتحتاج هذه الفئة إلى برامج تأهيل بدني مستمرة، فضلاً عن الأطراف الاصطناعية التي تتطلب تعديلات متكررة مع نمو أجسام الأطفال.
كما يواجه الناجون آثاراً نفسية قاسية نتيجة فقدان أفراد أسرهم، ومشاهدة مشاهد القصف والدمار، والاضطرار إلى البحث عن الغذاء والماء ورعاية المصابين في سن مبكرة.
ونقلت شهيد عن طلاب فلسطينيين وصفهم لواقعهم بالقول: «لقد سُرقت طفولتنا»، مشيرة إلى أن بعض الأطفال اضطروا إلى تحمل مسؤوليات تفوق أعمارهم،
في ظل ظروف دفعت فتاة في الخامسة عشرة إلى الشعور وكأنها بلغت الأربعين، بعدما تولت رعاية المصابين وتأمين احتياجات أسرتها الأساسية.
وتضاف إلى ذلك صعوبات تواجه الطلاب الراغبين في استكمال تعليمهم خارج القطاع، إذ يخضع حصولهم على تصاريح المغادرة لإجراءات معقدة،
بينما تحول قيود التأشيرات دون سفر عدد منهم، رغم حصولهم على قبولات جامعية ومنح دراسية دولية. وأشارت الإحاطة إلى رفض منح تأشيرات لـ55 طالباً وباحثاً من غزة قُبلوا في جامعات إيرلندية.
وفي مواجهة هذه الظروف، تواصل الأونروا تقديم خدمات تعليمية ونفسية، إذ تصل خدماتها إلى أكثر من 105 آلاف طفل عبر مساحات التعلم المؤقتة، ونحو 275 ألفاً من خلال التعليم عن بُعد،
كما قدمت دعماً نفسياً واجتماعياً لأكثر من نصف مليون طفل، من أصل أكثر من 1.1 مليون طفل يحتاجون إلى هذه الخدمات في غزة.
وشددت شهيد على أن حماية الحق في التعليم تتطلب إنهاء الأعمال العدائية بصورة دائمة، وضمان إعادة بناء المؤسسات التعليمية، وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي للطلاب والمعلمين،
إلى جانب تأمين تمويل مستدام ومرن، والحفاظ على الدور الحيوي للأونروا وإزالة القيود المفروضة عليها.
كما دعت الدول إلى اتخاذ تدابير تضمن امتثال إسرائيل للقانون الدولي، مؤكدة أن استمرار انقطاع الأطفال عن الدراسة يزيد صعوبة تعويض ما فاتهم، ويرفع مخاطر عمالة الأطفال والزواج المبكر والتجنيد في الجماعات المسلحة.
وبذلك، لا تتوقف كلفة تدمير التعليم الفلسطيني عند الأجيال التي فقدت مدارسها ومقاعدها الدراسية، بل تمتد إلى قدرة المجتمع على إعادة بناء مؤسساته وحماية ذاكرته وصون مستقبله،
في ظل حاجة ملحة إلى استعادة حق الأطفال في التعلم والحياة الآمنة.
احسنت النشر هذه قضية لابد من تركيز الضوء عليها باستمرار وفضح ممارسات الاحتلال في حق أهلنا في غزة والضفة وكل الأراضي المحتلة