حسن مدبولي يكتب: نعم كان هناك سجناء رأي في عصر عبد الناصر (يا خالد)
إنكار وجود سجناء بسبب انتمائهم السياسي أو أفكارهم أو نشاطهم العام، فليس وجهة نظر؛ بل إنكار لوقائع ثابتة
بعد رحيل جمال عبد الناصر كانت معركة الخلافة
تحدّى المخرج الناصري خالد يوسف التاريخ، وطالب المصريين بأن يأتوه باسم شخص واحد سُجن في عهد جمال عبد الناصر بسبب رأيه أو انتمائه السياسي.
لم يقل إن التجربة الناصرية لم تكن مثالية، ولم يقل إن التجاوزات كانت محدودة، بل اختار صيغة أكثر حسمًا: «هاتوا لي اسم واحد»
وهي عبارة تبدو بسيطة، لكنها تضع صاحبها في مواجهة مباشرة مع التاريخ؛ لأن التاريخ لا يرد ولا يمكن تزييفه بالشعارات وألاعيب الكاميرات، وإنما الحقائق تظل حية فى ذاكرته بالأسماء والتواريخ والوقائع.
لذلك، فإن الرد هنا ليس دفاعًا عن خصوم عبد الناصر، ولا إنكارًا لما حققته المرحلة من إنجازات وطنية واجتماعية، وإنما تصحيح لمحاولة تجميل سجل لا يمكن فصل إيجابياته عن حقيقة القمع السياسي الذي مارسته السلطة آنذاك.
ويكفي أن نبدأ بشهدي عطية الشافعي، أحد قيادات الحركة الشيوعية المصرية «حدتو»، الذى اعتُقل في حملة 1959، وحوكم أمام محكمة عسكرية، ثم نُقل إلى معتقل أبو زعبل، حيث تعرض للتعذيب الشديد ،حتى استشهد في 15 يونيو 1960 متأثرًا بما تعرض له.
هذه ليست رواية سينمائية كتبها مخرج مناوئ لنظام عبد الناصر، لحساب خصوم النظام؛لكنها واقعة موثقة في تاريخ المعتقلات الناصرية.
ثم هناك الروائي الكبير صنع الله إبراهيم، الذي اعتُقل عام 1959 ضمن حملة السلطة على اليسار، وقضى نحو خمس سنوات في السجن حتى عام 1964 بسبب انتمائه إلى التنظيمات الشيوعية.
والشاعر الكبير دمث الاخلاق فؤاد حداد تعرض للاعتُقال مرتين بسبب نشاطه السياسي: من 1953 إلى 1956، ثم من 1959 إلى 1964.
وفي الحملة نفسها اعتُقل المفكر والفيلسوف الدكتور محمود أمين العالم وآخرون من رموز اليسار المصري.
ولم يكن الأمر حالة فردية أو خطأً عابرًا، بل كانت هناك حملة واسعة استهدفت تيارًا سياسيًا وفكريًا بأكمله.
ثم نصل إلى أكتوبر 1966، حين اعتُقل عدد من أبرز مثقفي جيل الستينيات، بينهم عبد الرحمن الأبنودي، وجمال الغيطاني، وسيد حجاب، وصلاح عيسى.
وقد تحدث سيد حجاب نفسه عن اعتقاله في تلك الحملة، مؤكدًا أن مجموعة كبيرة من المثقفين اعتُقلت آنذاك.
كما توثق الهيئة العامة للاستعلامات اعتقال الغيطاني في أكتوبر 1966 على خلفية سياسية.
أما صلاح عيسى، فحالته وحدها كافية لإسقاط ادعاء «هاتوا اسمًا واحدًا»
اعتُقل أول مرة عام 1966 بعد كتابته مقالات تنتقد التجربة الناصرية، ثم اعتُقل مرة أخرى عام 1968 على خلفية مشاركته في مظاهرات الطلبة، وبقي في السجن حتى عام 1971؛ أي أنه خرج بعد وفاة عبد الناصر.
كذلك الشاعر أحمد فؤاد نجم ورفيقه الفنان المطرب الشيخ إمام اعتُقلا معًا عام 1969 بسبب نشاطهما وأغنياتهما السياسية، وظلا في السجن حتى أكتوبر 1971، أي بعد وفاة عبد الناصر.
وفى هذا الاطار لا يمكن تجاهل حالة الكاتب والمفكر الشهيد سيد قطب، صحيح أن قضيته ارتبطت بالصدام السياسي والأمني بين نظام عبد الناصر والإخوان المسلمين، وأنها تضمنت اتهامات بالتآمر على النظام.
لكن هذا لا يغيّر الحقيقة الأساسية: فقد اعتُقل عام 1954، وحُكم عليه بالسجن خمسة عشر عامًا، لخلفيات سياسية، ثم أُعيد اعتقاله عام 1965 وحُكم عليه بالإعدام هذه المرة ونُفذ الحكم في أغسطس 1966، على الرغم من كونه كان أحد الداعمين لثورة 23 يوليو،
إذن، لسنا أمام «اسم واحد» يمكن الالتفاف حوله، وإنما أمام سلسلة من الأسماء والاعتقالات والحملات السياسية، امتدت من الشيوعيين واليساريين والاسلاميين، إلى المثقفين والكتاب والشعراء والفنانين، ووصلت في إحدى الحالات إلى الموت تحت التعذيب، وفي حالات أخرى إلى سنوات طويلة من السجن، بل إلى الإعدام.
وقد يختلف المصريون حول عبد الناصر: من يراه زعيمًا وطنيًا كبيرًا، ومن يراه مسؤولًا عن واحدة من أكثر مراحل الحكم السلطوي قسوة في تاريخ مصر الحديث.
هذا خلاف سياسي مشروع.
أما إنكار وجود سجناء بسبب انتمائهم السياسي أو أفكارهم أو نشاطهم العام، فليس وجهة نظر؛ بل إنكار لوقائع ثابتة.
وحين تقول لشعب عاش تلك المرحلة: «هاتوا اسم واحد» ثم يرد عليك التاريخ بشهدي عطية، وصنع الله إبراهيم، وفؤاد حداد، وعبد الرحمن الأبنودي، وجمال الغيطاني، وسيد حجاب، وصلاح عيسى، وأحمد فؤاد نجم، والشيخ إمام، وسيد قطب، وغيرهم، فإن المشكلة لم تعد في التاريخ.
بل فيمن يحاول إعادة كتابة التاريخ بشكل انتقائى، بعد أن تركت الوقائع أسماءها وتواريخها وشهاداتها.
لذا فالعُري ليس في الجونة وحدها، أحيانًا يكون في محاولة تجريد التاريخ من ملابسه ثم إقناع الناس بأنه كان يرتديها.
حسن مدبولي
شاركنا برأيك