علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
تقارير
ماريا أيمن خالد
ماريا أيمن خالد

صحفية وباحثة في العلاقات الدولية

ديب هالاند .. من السكان الأصليين إلى حكم نيو مكسيكو

تكتسب هوية هالاند السياسية أهمية إضافية؛ فهي تنتمي إلى لاغونا بويبلو، إحدى المجتمعات الأصلية في نيو مكسيكو، ما يجعل فوزها مرتبطاً مباشرة بتاريخ المكان وتركيبته الاجتماعية، وليس بمجرد تمثيل رمزي.

مشاركة:
حجم الخط:

لم يكن فوز الديمقراطية ديب هالاند بمنصب حاكمة ولاية نيو مكسيكو مجرد انتصار انتخابي جديد في خريطة الانتخابات الأميركية لعام 2026،

بل حمل دلالة تاريخية تتجاوز حدود الولاية، بعدما أصبحت أول امرأة من السكان الأصليين تنتخب حاكمة لولاية أميركية، في تطور يعيد تسليط الضوء على علاقة هذه الجماعات بتاريخ الولايات المتحدة، وموقعها داخل نظامها السياسي، ومسار مشاركتها في المؤسسات التي تأسست على الأراضي التي عاش عليها أسلافها قبل قيام الدولة الأميركية.

ففي انتخابات الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني، تقدمت هالاند، المنتمية إلى قبيلة لاغونا بويبلو، على منافسها الجمهوري غريغ هال، عمدة مدينة ريو رانشو السابق، محققة 412 ألفاً و834 صوتاً، مقابل 308 آلاف و315 صوتاً لمنافسها،

وفق النتائج المنشورة على الموقع الإلكتروني لوزيرة خارجية نيو مكسيكو، بعد فرز جميع الدوائر الانتخابية البالغ عددها 2204 دوائر.

وبلغت نسبة التصويت لهالاند 57.25%، مقابل 42.75% لهال، بفارق تجاوز 104 آلاف صوت.

ولا تقتصر أهمية النتيجة على حجم الفوز، بل تتصل بهوية الفائزة ومسارها السياسي؛ إذ انتقلت هالاند من العمل داخل المجتمعات القبلية إلى الكونغرس الأميركي، ثم إلى الحكومة الفيدرالية وزيرةً للداخلية في عهد الرئيس جو بايدن،

وصولاً إلى قيادة ولاية تتمتع بتركيبة سكانية وتاريخية وجغرافية تجعل قضية السكان الأصليين جزءاً أساسياً من هويتها السياسية. ومن المقرر أن تتولى منصبها في الأول من يناير/كانون الثاني 2027، خلفاً للحاكمة الديمقراطية ميشيل لوجان غريشام.

من الأرض الأصلية إلى المؤسسات الأميركية.. تاريخ طويل من الإقصاء السياسي

لفهم البعد التاريخي لفوز هالاند، لا بد من العودة إلى جذور العلاقة بين السكان الأصليين والدولة الأميركية.

فهذه الجماعات لم تكن مجرد مكونات سكانية ظهرت داخل الولايات المتحدة بعد تأسيسها،

بل كانت تعيش في القارة الأميركية قبل وصول الاستعمار الأوروبي وقيام الدولة الحديثة، وتمتلك مجتمعاتها أنظمة حكم وأراضي ولغات وتقاليد سياسية واجتماعية خاصة بها.

ومع توسع الولايات المتحدة غرباً خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، تعرضت المجتمعات الأصلية لعمليات انتزاع واسعة للأراضي والتهجير القسري،

وفرضت عليها سياسات حكومية استهدفت إخضاعها وإعادة تشكيل هويتها الثقافية والاجتماعية.

ولم ينته هذا التاريخ عند حدود فقدان الأراضي، بل امتد إلى حرمان قطاعات منها من المشاركة السياسية الفعلية، رغم التطورات الدستورية والتشريعية التي شهدتها البلاد.

ومن أبرز المحطات في هذا المسار قانون المواطنة الهندية الصادر عام 1924، الذي منح الجنسية الأميركية لجميع السكان الأصليين المولودين داخل الولايات المتحدة،

لكنه لم يضمن تلقائياً حق التصويت في جميع الولايات؛ إذ ظلت بعض التشريعات المحلية تقيد مشاركتهم الانتخابية.

وفي نيو مكسيكو تحديداً، شكلت قضية ميغيل تروخيو، المنتمي إلى قبيلة إيسليتا بويبلو والمحارب السابق في الحرب العالمية الثانية، محطة مفصلية.

ففي عام 1948، رُفض تسجيله للتصويت استناداً إلى قوانين الولاية، فلجأ إلى القضاء، وانتهت القضية في الثالث من أغسطس/آب من العام نفسه بحكم قضائي أقر بحقه في التصويت، لتصبح قضيته إحدى المحطات البارزة في تاريخ الحقوق المدنية للسكان الأصليين.

وبعد نحو 78 عاماً من تلك الواقعة، تصل امرأة من السكان الأصليين إلى منصب حاكمة الولاية نفسها، في مفارقة تاريخية تختصر مسافة طويلة بين الحرمان من صندوق الاقتراع والقدرة على الوصول إلى أعلى منصب تنفيذي محلي.

نيو مكسيكو.. جغرافيا الحدود والطاقة والتنوع السكاني

لا يمكن قراءة الانتصار بمعزل عن الجغرافيا السياسية والاقتصادية لنيو مكسيكو، الواقعة في جنوب غرب الولايات المتحدة، على الحدود مع المكسيك، وتجاور ولايات أريزونا وكولورادو وأوكلاهوما وتكساس ويوتا.

ويمنحها موقعها الجغرافي أهمية خاصة في ملفات الحدود والهجرة والتجارة والطاقة، فضلاً عن ارتباطها التاريخي بالامتداد الثقافي للمجتمعات الأصلية والإسبانية والمكسيكية في المنطقة.

وتتميز الولاية بتنوع جغرافي واضح، يجمع بين الهضاب والصحارى والجبال والوديان، فيما يشكل نهر ريو غراندي أحد أبرز محاورها الطبيعية والاستيطانية، ممتداً عبر مناطق مأهولة وزراعية وصولاً إلى الحدود المكسيكية.

كما أن موقعها ضمن منطقة الجنوب الغربي يجعلها جزءاً من المجال الاستراتيجي الأميركي المرتبط بإدارة الحدود الجنوبية، والتبادل التجاري مع المكسيك، وقضايا الأمن المائي.

اقتصادياً، تمتلك نيو مكسيكو موارد مهمة من النفط والغاز الطبيعي، إلى جانب قطاعات الزراعة والسياحة والبحث العلمي والصناعات المرتبطة بالفضاء والدفاع.

وتكتسب موارد الطاقة أهمية خاصة في ظل وجود حوض بيرميان الممتد بين جنوب شرق الولاية وغرب تكساس، وهو أحد أبرز مناطق إنتاج النفط في الولايات المتحدة.

أما ديموغرافياً، فتقدم الولاية نموذجاً مختلفاً عن الصورة التقليدية للتركيبة السكانية الأميركية؛ إذ تشير بيانات تعداد عام 2020، وفق إدارة شؤون الهنود في نيو مكسيكو، إلى وجود نحو 263 ألفاً و615 من السكان الأصليين، يمثلون قرابة 12.4% من إجمالي سكان الولاية.

وتضم نيو مكسيكو 19 بويبلو، إلى جانب أمم وقبائل أصلية أخرى، لكل منها تاريخها وهياكلها الحكومية وعلاقاتها الخاصة بالسلطات الفيدرالية وحكومة الولاية.

وهنا تكتسب هوية هالاند السياسية أهمية إضافية؛ فهي تنتمي إلى لاغونا بويبلو، إحدى المجتمعات الأصلية في نيو مكسيكو، ما يجعل فوزها مرتبطاً مباشرة بتاريخ المكان وتركيبته الاجتماعية، وليس بمجرد تمثيل رمزي لجماعة سكانية على المستوى الوطني.

من الكونغرس إلى وزارة الداخلية.. صعود سياسي أعاد تشكيل التمثيل الأصلي

لم تصل هالاند إلى منصب الحاكمة من خارج المؤسسات السياسية، بل جاءت نتيجة مسار امتد لسنوات داخل الحزب الديمقراطي والمؤسسات الحكومية الأميركية.

فقد بدأت نشاطها السياسي في نيو مكسيكو، وعملت في إدارة شؤون إحدى قبائل بويبلو،

كما تولت مسؤوليات في تنظيم مشاركة الناخبين من السكان الأصليين، قبل أن تتوسع تجربتها نحو العمل الحزبي والانتخابي على مستوى الولاية.

وفي عام 2018، حققت أول اختراق تاريخي كبير عندما فازت بمقعد في مجلس النواب الأميركي عن الدائرة الأولى في نيو مكسيكو،

بالتزامن مع فوز شاريس ديفيدز عن ولاية كانساس، لتصبحا أول امرأتين من السكان الأصليين تصلان إلى الكونغرس الأميركي.

ولم يتوقف صعودها عند السلطة التشريعية؛ ففي عام 2021، اختارها الرئيس جو بايدن لتولي وزارة الداخلية، لتصبح أول أميركية من السكان الأصليين تشغل منصباً وزارياً في الحكومة الفيدرالية.

وتكتسب هذه الوزارة أهمية خاصة في العلاقة بين الحكومة الأميركية والأمم القبلية، نظراً إلى مسؤولياتها المتعلقة بالأراضي الفيدرالية، وإدارة الموارد الطبيعية، وشؤون المجتمعات الأصلية.

وخلال وجودها في الوزارة، ارتبط اسمها بملفات حماية الأراضي والمواقع الثقافية الأصلية، ومراجعة السياسات الحكومية المتعلقة بالمجتمعات القبلية، إضافة إلى قضايا البيئة والطاقة وإدارة الموارد.

ولذلك فإن انتقالها إلى منصب حاكمة نيو مكسيكو يضع أمامها تجربة سابقة في التعامل مع المؤسسات الفيدرالية، لكنه ينقل مسؤولياتها إلى مستوى تنفيذي مختلف، يرتبط مباشرة بالاقتصاد المحلي والخدمات العامة والميزانية والتشريعات داخل الولاية.

وتحمل هذه المحطة أيضاً دلالة سياسية تتجاوز تمثيل النساء والسكان الأصليين؛ إذ تعكس انتقال شخصيات من جماعات ظلت تاريخياً على هامش صناعة القرار إلى مواقع قادرة على التأثير في السياسات العامة، والمشاركة في تحديد أولويات الحكم.

صناديق الاقتراع والرسائل السياسية.. ماذا تعني نتيجة 2026؟

على المستوى الانتخابي، لا يمكن فصل فوز هالاند عن طبيعة نيو مكسيكو السياسية، التي تميل في السنوات الأخيرة إلى الحزب الديمقراطي في الانتخابات الرئاسية وعلى مستوى المناصب التنفيذية الرئيسية،

رغم استمرار المنافسة الجمهورية في عدد من المناطق الريفية والمحافظات ذات القواعد المحافظة.

وأظهرت النتائج غير الرسمية لانتخابات 2026 حصول هالاند على 57.25% من الأصوات، مقابل 42.75% لمنافسها الجمهوري، مع مشاركة بلغت 49.65% من الناخبين المؤهلين، وفق مكتب وزيرة خارجية الولاية.

وتوزعت المنافسة جغرافياً بصورة تعكس التباين بين المراكز الحضرية ذات الكثافة السكانية الأعلى، والمناطق الريفية التي تتمتع فيها القاعدة الجمهورية بحضور انتخابي قوي.

وكانت مدينة ألباكركي، الواقعة في مقاطعة بيرناليلو، إلى جانب العاصمة سانتا فيه، من المراكز الحضرية المهمة في الخريطة الانتخابية للديمقراطيين،

بينما احتفظ الجمهوريون بقوة نسبية في عدد من المقاطعات الريفية، خصوصاً في المناطق الشرقية من الولاية.

ويعكس هذا التباين تأثير الكثافة السكانية والهوية السياسية والاقتصادية للمناطق المختلفة في تحديد النتائج النهائية.

ولم يكن برنامج هالاند الانتخابي قائماً على الرمزية التاريخية وحدها؛ فقد ركزت حملتها على قضايا تمس الحياة اليومية للناخبين، من بينها تكاليف المعيشة، والرعاية الصحية، وإصلاح منظومة رعاية الأطفال، إلى جانب طرحها العمل على توفير خيار عام للرعاية الصحية.

كما سعت إلى تقديم نفسها باعتبارها شخصية قادرة على الربط بين خبرتها في الحكومة الفيدرالية والتحديات الاقتصادية والاجتماعية داخل الولاية.

وتأتي هذه النتيجة في سياق انتخابات التجديد النصفي لعام 2026، التي شهدت منافسة واسعة على مناصب حكام الولايات ومقاعد الكونغرس،

في وقت تتجه فيه الأنظار إلى تأثير النتائج المحلية في موازين القوى الوطنية خلال النصف الأخير من ولاية الرئيس دونالد ترامب.

ومن هنا، لا يمثل فوز هالاند مجرد انتصار للديمقراطيين في ولاية تميل تقليدياً إلى الحزب، بل يضيف إلى المشهد السياسي الأميركي تحولاً في طبيعة الشخصيات التي تتمكن من الوصول إلى مواقع السلطة التنفيذية.

من الاعتراف بالحقوق إلى المشاركة في صناعة القرار

يمثل فوز ديب هالاند محطة تتجاوز حدود نيو مكسيكو، لأنه يفتح نقاشاً أوسع بشأن تطور الديمقراطية الأميركية وقدرتها على توسيع قاعدة المشاركة السياسية أمام جماعات ارتبط تاريخها بتجارب طويلة من التهميش والإقصاء.

فالمسألة لا تتعلق فقط بوصول امرأة من السكان الأصليين إلى منصب حاكمة، بل بالتحول الذي شهدته علاقة هذه المجتمعات بالمؤسسات الأميركية، من المطالبة بحق التصويت والاعتراف بالهوية والخصوصية القبلية، إلى المشاركة في إدارة الموارد وصناعة السياسات العامة.

ومن منظور العلاقات الدولية، تكتسب هذه التجربة أهمية إضافية عند النظر إلى التناقض بين الصورة التي تقدمها الولايات المتحدة عن نفسها بوصفها نموذجاً للديمقراطية والتعددية،

والتحديات التاريخية التي واجهتها في التعامل مع الشعوب الأصلية داخل حدودها.

كما تطرح تجربة هالاند سؤالاً بشأن مدى قدرة التمثيل السياسي على التحول من إنجاز رمزي إلى تغيير ملموس في السياسات المتعلقة بالأرض والموارد والحقوق الاجتماعية والاقتصادية.

فالوصول إلى السلطة يكتب فصلاً جديداً في التاريخ، لكن اختبار هذا الفصل يبدأ عندما تتحول الوعود الانتخابية إلى قرارات وسياسات تمس حياة المواطنين.

شارك المقال:

شاركنا برأيك