محمود إبراهيم عبداللطيف يكتب: الكونجرس عقبة .. هل تتجه أمريكا إلى حكم الرجل الواحد؟
السؤال الذي يفرض نفسه الآن ليس هل سيخسر ترامب أغلبيته في الكونجرس أم لا، بل هل سيقبل بنتيجة الخسارة كجزء من اللعبة الديمقراطية
لوحة نتائج الانتخابات الأمريكية
في السياسة الأمريكية، لا تكون الأخطر دائما المعارك العلنية بين الحزبين، بل اللحظات التي يبدأ فيها أحد طرفي الحكم في البحث عن طريقة للتحرر من القيود المؤسسية.
والتقارير المتداولة حول استعدادات البيت الأبيض لاحتمال فقدان أغلبيته في الكونجرس تفتح بابا على هذا السؤال بالتحديد: هل يمكن أن تتحول الرئاسة الأمريكية إلى سلطة تعمل بمعزل عن ممثلي الناخبين؟
الرقابة لم تعد شريكا
الكونجرس ليس مجرد مجلس تشريعي، بل هو الوجه المؤسسي لإرادة الناخبين الأمريكيين.
فهو الذي يقرر الموازنات، ويراقب الإنفاق، ويستجوب المسؤولين، ويضع حدودا لسلطة الرئيس.
لذلك فإن أي خطة تهدف إلى تقليل دوره لا تمس الحزب الديمقراطي وحده، بل تمس فكرة التمثيل ذاتها.
المشكلة أن الاستعداد المسبق لاحتمال خسارة البرلمان لم يأتِ في صورة بحث عن توافق أو تفاهم، بل في صورة سؤال مباشر: كيف نحكم إذا لم يكن معنا الكونجرس؟
وهذا السؤال نفسه يحمل رسالة خطيرة، لأنه يتعامل مع الرقابة التشريعية كعائق يجب تجاوزه، لا كركن أساسي في النظام.
صلاحيات الرئاسة بين الأصل والانحراف
من الطبيعي أن يملك الرئيس الأمريكي أدوات لاتخاذ قرارات تنفيذية، خصوصًا في إدارة الجهاز الحكومي والسياسات اليومية. لكن هذه الأدوات تختلف جوهريا عن سلطة سن القوانين وفرض سياسات على الدولة بأكملها.
الخطر يبدأ عندما تتحول الأداة الاستثنائية إلى قاعدة دائمة.
فإذا صار الرئيس يعتمد على قرارات فردية كلما عجز عن كسب تأييد البرلمان، فإن المعادلة الدستورية تنقلب: لا يصبح البرلمان مصدر التشريع، بل يصبح مجرد متلقي لقرارات جاهزة اتخذها شخص واحد.
معركة المؤسسات قبل معركة الأحزاب
ما يبدو أنه صراع بين ترامب والديمقراطيين هو، في جوهره، صراع بين فهمين للحكم.
الأول يرى الرئيس قائدا قويا يملك حق التحرك السريع، والثاني يرى السلطة مقيدة بمؤسسات مستقلة تمنع انفراد أي فرد بالقرار.
وإذا ساد الفهم الأول، فلن تكون النتيجة مجرد خلاف سياسي، بل إضعاف تدريجي لقدرة الدولة على المساءلة.
فالكونجرس قد يقرر، والرئيس قد يرفض، والقضاء قد يوقف، ثم تعود الدائرة لتدور من جديد، في ظل شلل مؤسسي لا يخدم أحدا سوى من يريد تأجيل الحساب.
الناخب هو الضحية الأولى
بينما يتنازع البيت الأبيض والكونجرس على السلطة، يبقى المواطن الأمريكي بعيدًا عن دائرة القرار.
فالقضايا التي تؤثر في حياته، من الأسعار إلى التمويل العام إلى القرارات الأمنية، قد تتحول إلى رهائن لصراع شخصي بين السلطة التنفيذية والتشريعية.
وهنا تكمن مفارقة الديمقراطية: الناخب يذهب إلى صناديق الاقتراع لاختيار ممثليه، لكن قد يجد هؤلاء الممثلين عاجزين عن التأثير في القرار إذا قررت السلطة التنفيذية الالتفاف عليهم.
وعندها لا يبقى للانتخابات معنى كامل، بل تتحول إلى طقس دوري لا يغير موازين الحكم.
اختبار حقيقي للدستور
النظام الأمريكي لم يبنى على ثقة مطلقة في الرئيس، بل على الشك المنظم في السلطة. ولهذا وضعت بين يدي الكونجرس والقضاء أدوات لردع أي تجاوز.
غير أن هذه الأدوات تفقد قيمتها إذا تحولت المؤسسات نفسها إلى ساحة للاستنزاف والعرقلة.
السؤال الذي يفرض نفسه الآن ليس هل سيخسر ترامب أغلبيته في الكونجرس أم لا، بل هل سيقبل بنتيجة الخسارة كجزء من اللعبة الديمقراطية، أم سيحاول تحويلها إلى ذريعة لإعادة تعريف علاقته بالمؤسسات؟
الخلاصة
أمريكا تقف اليوم أمام اختبار لا يقل خطرا عن أي انتخابات: اختبار قدرة المؤسسات على البقاء أمام رغبة السلطة في التحرر منها.
وإذا نجحت فكرة الحكم بالتجاوز، فلن يكون الفائز ترامب ولا الجمهوريون، بل نموذج جديد يقول للعالم إن الديمقراطية يمكن أن تدار من مكتب واحد، وأن البرلمان مجرد تفصيل يمكن تجاوزه.
شاركنا برأيك