معتز منصور يكتب: شركاء السلطة.. حين يُختطف معنى الدولة لصالح الرئيس
هل الدولة كيان له قواعد ومؤسسات ومرجعيات تستمر بصرف النظر عمن يحكم، أم أنها في وعيهم امتداد للحاكم، وما يراه الحاكم هو بالضرورة ما تقتضيه مصلحة الوطن؟
تجمع اصحاب المصالح في ما اطلق عليه منتدى مصر
أخطر ما يمكن أن تفعله السلطة بالدولة أن تقنع قطاعات من المجتمع بأن بقاءها هو شرط بقاء الوطن، ثم تنجح في تحويل بعض أصحاب النفوذ والمصالح إلى حراس لهذه المعادلة. عندها لا يعود الدفاع عن الحاكم مجرد موقف سياسي، وإنما يتحول إلى وظيفة تتولاها شبكة من الشركاء، لكل طرف فيها نصيبه من النفوذ أو المكانة أو المصلحة، ويصبح الاعتراض على السلطة في خطابهم اعتراضاً على الدولة نفسها.
هذا هو المعنى السياسي الأعمق الذي استوقفني في مشهد أحمد موسى مع حسام بدراوي. فالارتباك الذي ظهر في التعامل مع مسألة الدستور والمبادئ فوق الدستورية يفتح باباً يتجاوز حدود المعرفة القانونية إلى سؤال عن طبيعة التصور الذي يحكم علاقة بعض شركاء السلطة بالدولة: هل الدولة كيان له قواعد ومؤسسات ومرجعيات تستمر بصرف النظر عمن يحكم، أم أنها في وعيهم امتداد للحاكم، وما يراه الحاكم هو بالضرورة ما تقتضيه مصلحة الوطن؟
الفارق هنا ليس تفصيلاً دستورياً. إنه الفارق بين دولة تحكم السلطة بقواعدها، وسلطة تعيد تشكيل معنى الدولة وفق احتياجاتها.
فالدستور ليس وثيقة تمنح الحاكم شرعية مفتوحة، ولا ورقة يجري استدعاؤها لتبرير قراراته. وظيفته الأساسية أن ينظم السلطة ويحدد اختصاصاتها ويضع القيود على ممارستها، وأن يحمي فكرة الدولة من التحول إلى ملكية سياسية مؤقتة لمن يتولون الحكم. أما المبادئ فوق الدستورية، في سياق النقاش الدستوري، فتتصل بالمرجعيات والقواعد التأسيسية التي لا ينبغي أن تصبح رهينة لموازين القوة العابرة أو لمصلحة فريق سياسي بعينه.
لكن المشكلة التي يكشفها المشهد أعمق من الخلط بين المصطلحات. إنها في تصور يجعل استقرار السلطة مرادفاً لاستقرار الدولة، ويعامل أي نقاش حول حدود الحكم أو طبيعة النظام باعتباره باباً للفوضى. وكأن الدولة المصرية، بتاريخها ومؤسساتها ومجتمعها، لا تستطيع أن تستمر إلا إذا بقيت المعادلة السياسية القائمة كما هي، وكأن تغيير الأشخاص أو مراجعة السياسات أو إعادة ضبط العلاقة بين السلطات مغامرة بمصير الوطن.
أحمد موسى لا يمكن اختزاله في صورة إعلامي يخشى التغيير أو يبالغ في تقدير مخاطر الفوضى. نحن أمام نموذج لشريك السلطة من الزاوية الإعلامية، شريك لا يصدر القرار ولا يجلس بالضرورة إلى طاولة صنعه، لكنه يشارك في صناعة المناخ الذي يُسوَّق فيه القرار، وفي تشكيل الوعي الذي يتلقاه، وفي رسم الحدود التي يُسمح للنقاش العام ألا يتجاوزها.
وهذه وظيفة سياسية لا تقل أهمية عن وظيفة صاحب القرار نفسه في بعض اللحظات. فالسلطة تحتاج إلى من يدير خطابها، ويمنح سياساتها تفسيرات جاهزة، ويعيد تقديم إخفاقاتها باعتبارها أثماناً ضرورية، ويحوّل مساءلتها إلى سلوك مشبوه. وحين تتكرر هذه الوظيفة وتتداخل مع الموقع المهني والنفوذ والمصالح، لا يعود الحديث عن مجرد اختلاف في وجهات النظر، وإنما عن علاقة شراكة تتغذى من استمرار الوضع القائم.
ولا يعني ذلك أن كل موقف يصدر عن هذا النموذج يمكن رده إلى مصلحة مادية مباشرة، أو أن القناعات الشخصية والخوف من الفوضى لا وجود لهما. لكن الخطأ هو استخدام هذه الدوافع لتجاهل موقع صاحبها داخل المعادلة. فالمصلحة قد تتداخل مع القناعة، والخوف قد يتحول إلى امتداد للمصلحة، والاعتياد على موقع النفوذ قد يجعل صاحبه يرى أي تغيير تهديداً يتجاوز خسارته الشخصية إلى تهديد الدولة كلها.
هنا تحديداً تنكشف وظيفة خطاب التخويف. لا يجري نقاش السياسات ونتائجها، وإنما يجري استدعاء الفوضى كلما اقترب النقاش من مساءلة السلطة. لا يُسأل المسؤول عن حصيلة قراراته بقدر ما يُطالب المواطن بإثبات أنه لا يريد انهيار الدولة. تتحول المحاسبة إلى تهديد، والاختلاف إلى مؤامرة، والمطالبة بتغيير المسار إلى ترف لا يسمح به الظرف. وبذلك تنتقل المسؤولية من صاحب القرار إلى المجتمع، ويصبح المواطن مطالباً بالدفاع عن خيارات لم يشارك في صنعها، وتحمل أعباء لم يقرر توزيعها.
هذه ليست مجرد مبالغة إعلامية؛ إنها إعادة ترتيب للعلاقة بين الحاكم والمحكوم. فبدلاً من أن تكون السلطة مسؤولة أمام المجتمع، يصبح المجتمع مسؤولاً عن حماية السلطة من غضبه وأسئلته.
أما مشهد مصطفى بكري مع عمرو أديب، فقد أثار لدي سؤالاً مختلفاً، لا يصح دمجه في الحالة الأولى أو الاكتفاء بتفسيره بالمصلحة والخوف. فثمة لحظة يصبح فيها التفسير السياسي، مهما بلغت قدرته على كشف المصالح وموازين القوة، عاجزاً عن استيعاب كل شيء إذا تجاهل المسؤولية الأخلاقية للأفراد.
أنا أميل إلى تفسير السلوك السياسي من خلال المصالح والبيئة التي تنتجه، وأرفض الاكتفاء بتصنيف الأشخاص بين أشرار وأخيار، لأن هذا التصنيف لا يفسر شيئاً. لكن ثمة فارقاً بين فهم دوافع الإنسان وبين تبرئة اختياراته. ليس كل من يخضع لموازين القوة مضطراً إلى الذهاب إلى أقصى حدود التبرير، وليس كل من يختار موقعاً قريباً من السلطة يفقد حقه في التمييز بين ما يمكن الدفاع عنه وما ينبغي رفضه.
المسؤولية تبدأ من اللحظة التي يصبح فيها الإنسان مدركاً لما يبرره، وللأثر الذي يتركه كلامه وموقفه، ثم يواصل اختياره. وقد تفسر المصلحة دوافعه، لكنها لا تمحو مسؤوليته. وهذا ما يجعل بعض المشاهد الإعلامية صادمة، ليس لأنها تكشف اختلافاً سياسياً، وإنما لأنها تطرح سؤالاً عن الحدود التي يمكن أن يتجاوزها الإنسان وهو يدافع عن موقعه أو اصطفافه.
المشكلة الأكبر أن الإعلام الذي يتخلى عن وظيفته في مراقبة السلطة لا يكتفي بتضليل الجمهور بشأن واقعة أو قرار، وإنما يشارك في إضعاف إحدى أهم أدوات المجتمع لمحاسبة الحكم. وحين يصبح الإعلام شريكاً في حماية السلطة من النقد، فإن المواطن يفقد جزءاً من قدرته على معرفة ما يجري، وتتحول المساحة العامة إلى ساحة لتوزيع الاتهامات على المعترضين بدلاً من مساءلة أصحاب القرار.
والنتيجة أن الدولة نفسها تدفع الثمن. فالمؤسسات التي لا تستطيع ممارسة استقلالها، والقواعد التي تتبدل وفق احتياجات الحكم، والمجتمع الذي يُطلب منه الصمت باسم الاستقرار، لا تصنع دولة قوية. إنها تصنع سلطة تحيط نفسها بحواجز من الخوف والتبرير، ثم تخلط بين قدرتها على البقاء وقدرة الدولة على الاستمرار.
مصر أكبر من أي رئيس، وأبقى من أي حكومة، وأوسع من مصالح كل الذين راكموا مواقعهم ونفوذهم بالقرب من السلطة. ومن حق المصريين أن يختلفوا، وأن يسألوا، وأن يحاسبوا، وأن يناقشوا شكل الدولة التي يريدونها، دون أن يتحول كل ذلك إلى اتهام في وطنيتهم.
أما الذين يخلطون بين الدولة والسلطة، ويطالبون الناس بحماية الحاكم باعتبارها واجباً وطنياً، فعليهم أن يجيبوا عن سؤال بسيط: إذا كانت الدولة قوية حقاً، فلماذا تحتاج إلى كل هذا الخوف من المساءلة؟
الوطن لا يحتاج إلى شركاء يحرسون السلطة من مواطنيه، وإنما يحتاج إلى سلطة تعرف أنها عابرة، ودولة لا يملك أحد مصادرتها، وإعلام لا يتحول إلى محامٍ عن أصحاب القرار. ومن يطلب من المصريين أن يضحوا بحقهم في المحاسبة كي تبقى السلطة، عليه أن يشرح لهم متى أصبحت السلطة أغلى من الدولة، ومتى صار الوطن ملكاً لمن يحكمونه ومن ينتفعون ببقائهم.
شاركنا برأيك