زلزال الكونغرس يطوّق ترامب.. الديمقراطيون ينتزعون الغرفتين
مع انعقاد الكونغرس الجديد في يناير، يستطيع الديمقراطيون فتح التحقيقات ومراجعة الموازنة وتعطيل التعيينات، لكن الرئيس يحتفظ بالفيتو والصلاحيات التنفيذية
الديمقراطيون يستحوذون على أغلبية الكونغرس
ارتدادات واشنطن تهز أوروبا والشرق الأوسط!
لم تكن انتخابات التجديد النصفي الأمريكية مجرد خسارة للحزب الجمهوري، بل تحولت إلى انقلاب في موازين القوة داخل واشنطن، بعدما انتزع الديمقراطيون السيطرة على مجلسي الكونغرس، موجهين ضربة سياسية إلى دونالد ترامب في منتصف ولايته الثانية.
والأخطر أن نتائج الصناديق لم تسحب من ترامب الأغلبية التشريعية فحسب، بل وضعت سياساته الاقتصادية والعسكرية تحت رقابة معارضة تمتلك أدوات التحقيق والتمويل والتعطيل.
وبينما يستعد الداخل الأمريكي لمواجهات حول الضرائب والهجرة والأسعار والإنفاق العسكري، تمتد التداعيات إلى الحرب الأوكرانية والمواجهة مع إيران وأمن الخليج والعلاقات مع إسرائيل ومصر.
انقلاب المقاعد.. ترامب يفقد حصونه التشريعية
وفق تحديثات صباح الرابع من نوفمبر، حسم الديمقراطيون 263 مقعدًا في مجلس النواب مقابل 173 للجمهوريين، بينما بلغت الكتلة الديمقراطية في الشيوخ 54 مقعدًا مقابل 44 للجمهوريين، مع أربعة مقاعد معلقة.
تجاوز الديمقراطيون بذلك عتبة الأغلبية في الغرفتين، بعدما اخترقوا معاقل جمهورية تاريخية، بينها تكساس وكانساس وكارولاينا الجنوبية.
وتعكس النتائج استياء الناخبين من تكاليف المعيشة والرسوم الجمركية والحرب الإيرانية، بما يجعلها اختبارًا مباشرًا لسياسات ترامب.
ومع انعقاد الكونغرس الجديد في يناير، يستطيع الديمقراطيون فتح التحقيقات ومراجعة الموازنة وتعطيل التعيينات، لكن الرئيس يحتفظ بالفيتو والصلاحيات التنفيذية؛ ما يؤسس لحكم منقسم قد تتصاعد داخله المواجهات السياسية.
عبدول السيد.. انتصار تاريخي يكشف انقسام الديمقراطيين
في ميشيغان، حقق عبدول السيد، الأمريكي من أصول مصرية، فوزًا تاريخيًا على الجمهوري مايك روجرز، ليصبح أول مسلم ينتخب لعضوية مجلس الشيوخ الأمريكي.
لكن أهمية انتصاره لا تقتصر على دلالته الدينية؛ فقد كشف صراعًا داخل الحزب الديمقراطي بين جناحه التقدمي والمؤسسة الحزبية التقليدية.
فالسيد، الذي رفع شعارات العدالة الاقتصادية وتوسيع التأمين الصحي ورفض المساعدات العسكرية غير المشروطة لإسرائيل، هزم هالي ستيفنز في الانتخابات التمهيدية، رغم دعم قيادات ديمقراطية لها.
وتفاقمت الأزمة عندما أعلنت ستيفنز، قبل الاقتراع النهائي، تأييد روجرز الجمهوري، في خطوة جسدت عمق الخلافات السياسية والشخصية داخل الحزب.
ورغم الهجمات التي استهدفت هويته الإسلامية ومواقفه من غزة، نجح السيد في ربط خطابه الرافض للحروب بقضايا معيشية تمس الناخب الأمريكي.
وهنا تكمن دلالة الفوز: قدرة التيار التقدمي على المنافسة خارج قواعده التقليدية، مع تزايد الجدل داخل الحزب حول العلاقة الأمريكية الإسرائيلية.
أوكرانيا وأوروبا.. هل تتغير حسابات الحرب؟
تتابع كييف والعواصم الأوروبية التحول الأمريكي باهتمام، خشية استمرار الغموض بشأن التزامات واشنطن الدفاعية.
فالأغلبية الديمقراطية تستطيع تعزيز الرقابة على أي تسوية مع روسيا، والمطالبة باستمرار دعم أوكرانيا وتشديد العقوبات على موسكو.
لكن ترامب يظل ممسكًا بالدبلوماسية الرئاسية، ما قد ينتج خلافًا بين البيت الأبيض والكونغرس بشأن شروط السلام ومستقبل الناتو.
إيران والسعودية.. الحرب تدخل الحسابات الانتخابية
كانت الحرب الإيرانية وتداعياتها الاقتصادية أحد الملفات المؤثرة في المزاج الانتخابي الأمريكي.
وقد يطالب الديمقراطيون بكشف التكلفة الفعلية للعمليات العسكرية، ومراجعة التمويل، وتحديد أهداف الحرب وآفاق التفاوض.
وفي المقابل، تراقب السعودية ودول الخليج مستقبل الضمانات الأمنية الأمريكية، خصوصًا مع تهديدات الملاحة والمنشآت النفطية.
وقد يعيد الكونغرس بحث صفقات التسليح والتعاون النووي والاعتبارات الحقوقية، فيما تسعى الرياض إلى المحافظة على شراكتها الأمنية مع واشنطن وتجنب اتساع المواجهة مع طهران.
إسرائيل وغزة.. التحالف أمام اختبار المساعدات
شهد يوم الانتخابات تطورًا لافتًا بإعلان ترامب اعتزام وقف المساعدات الأمريكية السنوية لإسرائيل، التي تقارب أربعة مليارات دولار، اعتبارًا من العام المقبل، مع استمرار مبيعات السلاح.
غير أن الاتفاق القائم يمتد حتى 2028، ويتطلب أي تعديل في الاعتمادات دورًا تشريعيًا للكونغرس.
ويمنح الفوز الديمقراطي مساحة أوسع لمناقشة شروط المساعدات وحماية المدنيين الفلسطينيين، دون أن يعني انتهاء التحالف الاستراتيجي بين البلدين.
كما أن الخلاف بشأن إسرائيل لم يعد حكرًا على الديمقراطيين، بعدما ظهرت انتقادات داخل المعسكر الجمهوري لتكاليف الحروب الخارجية.
مصر وحقوق الإنسان.. هل تعود شروط المساعدات؟
قد تعيد الأغلبية الديمقراطية فتح ملف المساعدات العسكرية لمصر والاشتراطات المتعلقة بحقوق الإنسان.
فقد أعفت إدارة ترامب في أكتوبر 320 مليون دولار من التمويل العسكري للسنة المالية السابقة من قيود حقوقية، استنادًا إلى اعتبارات الأمن القومي والدور المصري خلال الحرب الإيرانية.
وقد يطالب الكونغرس الجديد بتدقيق أكبر في الإعفاءات المقبلة، فيما تحتفظ القاهرة بأهمية استراتيجية مرتبطة بقناة السويس والوساطة في غزة والتعاون الأمني.
سد النهضة.. اختبار الوساطة الأمريكية
يبقى أمن مصر المائي ملفًا بالغ الحساسية في العلاقات مع واشنطن.
فبعد افتتاح سد النهضة، يتمحور الخلاف حول قواعد التشغيل وتبادل البيانات والتعامل مع الجفاف.
ورغم دعوات ترامب المتكررة للوساطة، فإن نجاح أي تحرك أمريكي يحتاج إلى تفاهم فعلي بين مصر والسودان وإثيوبيا.
ويستطيع الكونغرس دعم الجهود الدبلوماسية ومساءلة الإدارة بشأنها، لكنه لا يملك فرض اتفاق على الأطراف.
جبهات مشتعلة.. لبنان وسوريا واليمن والسودان
ستظل تطورات لبنان وسوريا مرتبطة بالمواجهة الإيرانية الإسرائيلية، بينما يؤثر أمن اليمن والبحر الأحمر مباشرة في التجارة الدولية وقناة السويس.
أما السودان، فتستدعي أزمته الإنسانية والأمنية تحركًا دبلوماسيًا أوسع، خصوصًا لارتباط استقراره بالأمن المصري والبحر الأحمر.
والخلاصة أن الديمقراطيين انتزعوا الكونغرس، لكنهم لم ينتزعوا القرار الرئاسي من ترامب.
وبين سلطة تنفيذية تحتفظ بأدوات القوة وأغلبية تشريعية تمتلك الرقابة والتمويل، تبدأ معركة قد تعيد تشكيل السياسة الأمريكية داخليًا وخارجيًا.
لقد انتهت الهيمنة الجمهورية على الكونغرس، لكن السؤال الأخطر لا يزال مفتوحًا: هل تقيّد الأغلبية الجديدة اندفاع ترامب نحو المواجهات، أم تدخل واشنطن في صراع مؤسسي تنعكس تكلفته على العالم من أوكرانيا إلى ضفاف النيل؟
شاركنا برأيك