د. أيمن خالد يكتب: من فيتنام إلى إيران: حين يتحول فائض القوة إلى مأزق إمبراطوري
وهنا يصبح الزمن عاملًا استراتيجيًا مستقلًا: لا لأنه ينتصر لإيران بالضرورة، بل لأنه يفرض على الولايات المتحدة دفع ثمن متزايد لإبقاء أهدافها العسكرية والسياسية ضمن مدى التنفيذ.
د. أيمن خالد يكتب: من فيتنام إلى إيران: حين يتحول فائض القوة إلى مأزق إمبراطوري
قد تبدأ الحرب بقرار أمريكي، لكن نهايتها لا تبقى بالضرورة تحت السيطرة الأمريكية.
ليست كل الحروب التي تبدأها القوى الكبرى دليلًا على قدرتها على إعادة تشكيل العالم، كما أن التفوق العسكري لا يضمن بالضرورة القدرة على فرض الإرادة السياسية.
فبين امتلاك القوة وتحقيق الغاية مسافة قد تتسع كلما بالغت الدولة في تقدير قدراتها، واستهانت بخصومها، واعتقدت أن إرادة الهيمنة تكفي لإخضاع الوقائع.
هذه هي المفارقة التي تضع الولايات المتحدة أمام اختبار استراتيجي بالغ التعقيد في مواجهتها مع إيران:
واشنطن تمتلك تفوقًا عسكريًا وتكنولوجيًا وماليًا واسعًا، وقد أظهرت قدرتها على توجيه ضربات شديدة وإلحاق أضرار كبيرة بالقدرات الإيرانية؛ لكن القدرة على إيقاع الضرر ليست هي القدرة على حسم الحرب، والحسم العسكري ليس هو نفسه إنتاج نظام إقليمي مستقر يخدم المصالح الأمريكية.
من هنا، لا تتعلق المسألة بقوة إيران وحدها، ولا بقدرتها على مجاراة الولايات المتحدة في ميزان القوة التقليدي.
إنها تتعلق، قبل ذلك، بطبيعة الأهداف الأمريكية، وبالفارق بين ما تستطيع واشنطن تدميره وما تستطيع التحكم فيه، وبين ما يمكن تحقيقه بالقوة وما يستحيل ضمانه من دون تسوية سياسية قابلة للاستمرار.
أولًا: معضلة الحسم… حين لا تكفي الضربة العسكرية لصناعة النتيجة السياسية
دخلت المواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع إيران مرحلة مفتوحة منذ 28 فبراير/شباط 2026، ثم تعثرت محاولات تثبيت تسوية أوسع، لتتداخل العمليات العسكرية مع الضغوط الاقتصادية والبحرية والدبلوماسية.
وأشار تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي المحدّث في سبتمبر/أيلول إلى أن العمليات العسكرية استهلكت موارد كبيرة، وأن الإنفاق على الحرب رافقته تحديات في مخزونات الذخائر وقدرات تعويض بعضها.
كما قدّر مكتب الميزانية في الكونغرس كلفة العمليات العسكرية الأمريكية بنحو 38 مليار دولار حتى الأول من أغسطس/آب 2026، وهو تقدير مؤرخ لا يمثل الكلفة النهائية للحرب.
تكشف هذه المعطيات عن مشكلة تتجاوز حجم الخسائر المادية. فالاستراتيجية العسكرية لا تُقاس بعدد الأهداف التي تُصاب، بل بمدى اقترابها من تحقيق الغاية السياسية التي شُنّت الحرب من أجلها.
إذا كان الهدف هو تدمير منشآت أو إضعاف قدرات محددة، فقد تحقق العمليات نتائج ملموسة. أما إذا اتسع الهدف ليشمل تغيير السلوك الاستراتيجي الإيراني، وإنهاء قدرتها على التأثير في محيطها، وفرض ترتيبات أمنية إقليمية جديدة، فإن المسألة تصبح أكثر تعقيدًا بكثير.
إيران ليست مجرد مجموعة منشآت يمكن تدميرها؛ إنها دولة ذات جغرافيا واسعة، ومؤسسات وأجهزة، وشبكات إقليمية، وقدرات عسكرية متفاوتة، ومصالح أمنية متجذرة.
وهذا لا يجعلها منيعة، ولا يعني أنها قادرة على الانتصار على الولايات المتحدة، لكنه يجعل افتراض إخضاعها الكامل بمجرد التفوق الناري افتراضًا يحتاج إلى مراجعة.
إن الخطر الاستراتيجي هنا أن تتحول الأهداف من مهمة محددة قابلة للقياس إلى قائمة متحركة من الشروط.
كلما تحقق هدف، ظهر هدف آخر بوصفه شرطًا للنجاح النهائي؛ وكلما طال الزمن، ازدادت صعوبة تعريف النصر نفسه.
وهكذا قد تجد القوة العظمى نفسها أمام مفارقة: إنها قادرة على مواصلة الحرب، لكنها لا تستطيع ضمان أن كل يوم إضافي يقربها من النتيجة التي تريدها.
ثانيًا: الزمن ليس تفصيلًا في الحرب… بل جزء من ميزان القوة
تملك الولايات المتحدة تفوقًا كبيرًا في القدرات التقليدية، لكنها لا تحتكر الزمن. فإطالة أمد المواجهة تعيد توزيع الكلفة، وتفرض على كل طرف اختبارًا مختلفًا للتحمل، وتمنح أطرافًا أخرى فرصًا لاستثمار انشغال واشنطن.
كلما طال الصراع، ارتفعت كلفة الذخائر والاعتراضات الجوية وحماية القوات والمنشآت والممرات البحرية، وتزايدت الحاجة إلى تعويض المخزونات وإدامة الانتشار العسكري.
وفي الوقت نفسه، تواجه إيران ضغطًا اقتصاديًا شديدًا، وتضررًا في قدراتها وبنيتها، ومخاطر على مؤسساتها ومجتمعها. لذلك لا يصح افتراض أن الزمن يعمل لمصلحة طرف واحد بصورة آلية.
لكن الفارق المهم أن الولايات المتحدة لا تدير مواجهة ثنائية معزولة، إنها تديرها من داخل نظام دولي واسع، ولديها التزامات في أوروبا وآسيا، ومصالح في الطاقة والتجارة والملاحة، وحسابات سياسية داخلية. وكلما طال انشغالها بالخليج، أصبح عليها أن توازن بين متطلبات الحرب ومتطلبات الردع في مسارح أخرى.
في المقابل، لا تحتاج إيران إلى هزيمة الجيش الأمريكي ميدانيًا كي تمنع واشنطن من إعلان حسم استراتيجي كامل.
يكفي أن تبقى بعض الأهداف السياسية بعيدة المنال، وأن يستمر اضطراب الملاحة والطاقة، وأن تظل كلفة حماية المصالح الأمريكية والإقليمية مرتفعة، حتى تتسع الفجوة بين التفوق العسكري والنتيجة السياسية.
هذا لا يعني أن الاستنزاف يضمن لإيران مكسبًا نهائيًا؛ فقد تتراكم عليها الخسائر الاقتصادية والعسكرية إلى مستوى يهدد قدرتها على الاستمرار. لكنه يعني أن الحرب الطويلة لا تُحسم بحساب القوة عند بدايتها فقط، بل بمقارنة القدرة على تحمل الكلفة مع القدرة على تحقيق الأهداف عند نهايتها.
وقد أظهرت الاضطرابات في أسواق الطاقة والملاحة أن آثار الحرب لا تتوقف عند حدود الدول المتحاربة. ففي تقرير نشرته رويترز في 15 أكتوبر/تشرين الأول 2026، تناولت الوكالة الارتفاع الحاد في تكاليف الشحن البحري وتأثير المخاطر الجيوسياسية في أسعار الوقود والنقل والتجارة العالمية.
وهنا يصبح الزمن عاملًا استراتيجيًا مستقلًا: لا لأنه ينتصر لإيران بالضرورة، بل لأنه يفرض على الولايات المتحدة دفع ثمن متزايد لإبقاء أهدافها العسكرية والسياسية ضمن مدى التنفيذ.
ثالثًا: اتساع الجبهات… الخطر الثاني على القدرة الأمريكية على الحسم
إذا كان الزمن يرفع الكلفة، فإن اتساع رقعة المواجهة يضاعفها.
فالحرب التي يمكن احتواؤها في مسرح واحد تختلف جذريًا عن مواجهة تتشابك فيها الخليج والبحر الأحمر والممرات البحرية والمنشآت النفطية والقواعد العسكرية وشبكات التحالف.
المعضلة الأمريكية ليست أن كل جبهة جديدة تفرض بالضرورة هزيمة عسكرية، بل أنها تخلق متطلبات إضافية للحماية والردع والانتشار، وتزيد عدد الأطراف القادرة على التأثير في مسار الحرب، حتى إن لم تكن أطرافًا متكافئة في القوة.
وقد كشفت تحقيقات صحفية نُشرت في أكتوبر/تشرين الأول عن اتساع نطاق الهجمات الإيرانية على منشآت حيوية في عدد من دول الخليج، وعن أضرار طالت مرافق للطاقة والنقل والبنية التحتية.
ولا يعني ذلك أن كل جبهة باتت خاضعة لقيادة واحدة، لكنه يوضح كيف يمكن لتعدد الفاعلين أن يوسّع نطاق المخاطر ويزيد صعوبة حماية المصالح المتشابكة.
وهنا ينبغي التوقف عند حقيقة جيوسياسية أساسية: الخليج ليس مساحة مائية منفصلة عن الاقتصاد العالمي، والبحر الأحمر ليس ممرًا محليًا يمكن تعطيله دون تداعيات دولية.
إنهما جزء من شبكة مترابطة تشمل الطاقة والتجارة والتأمين البحري والموانئ وقنوات الإمداد والأسواق.
عندما تضطرب الملاحة في مضيق هرمز، لا تبقى آثارها داخل الخليج. وعندما تتزايد المخاطر في البحر الأحمر وباب المندب، فإنها تمس طرق التجارة التي تربط آسيا بأوروبا، وتعيد حسابات شركات النقل والتأمين والدول المستوردة للطاقة.
وهكذا لا يعود السؤال: هل تستطيع الولايات المتحدة حماية ممر بحري بعينه؟
بل يصبح: هل تستطيع ضمان أمن شبكة واسعة من الممرات والمنشآت والقواعد، في وقت تتعدد فيه مصادر التهديد وتتفاوت فيها أدوات الردع؟
إن انتشار القوات الأمريكية قد يتيح حماية مصالح محددة، لكنه لا يضمن السيطرة السياسية الكاملة على البيئة المحيطة بها.
وكلما توسعت دائرة المواجهة، ازدادت احتمالات أن تنتقل واشنطن من تنفيذ استراتيجية هجومية ذات أهداف معلنة إلى إدارة أزمات متلاحقة تفرضها تطورات الميدان.
وهذا أحد أخطر أشكال الاستنزاف: أن تتحول القوة من أداة لتحقيق غاية محددة إلى أداة لمنع تدهور وضع لم تعد قادرة على ضبط جميع متغيراته.
رابعًا: الأطماع وفائض القوة… حين تتحول الوسيلة إلى غاية
هنا أصل إلى الفكرة الأكثر حساسية في هذه المواجهة:
هل تكمن المشكلة في قوة إيران، أم في تقدير الولايات المتحدة لحدود قوتها وأهدافها؟
في تقديري، لا يمكن تفسير المسار الأمريكي من خلال التهديد الإيراني وحده.
فهناك أيضًا سؤال عن اتساع الأهداف الأمريكية، وعن الرغبة في إعادة ترتيب البيئة الإقليمية بما يضمن لواشنطن حرية الحركة ويحافظ على تفوقها وقدرتها على التأثير في أمن الطاقة والممرات البحرية وتوازنات المنطقة.
إن وصف هذا السلوك بأنه «أطماع» هو تفسير سياسي يحتاج إلى ربطه بالأهداف والقرارات والنتائج، لا التعامل معه بوصفه حقيقة مكتملة بذاتها.
لكن الوقائع تتيح طرح سؤال مشروع: هل بقيت الغايات العسكرية محصورة في إزالة تهديدات محددة، أم اتسعت لتشمل إعادة تشكيل التوازن الإقليمي وفرض قواعد جديدة على سلوك الخصوم؟
المشكلة أن القوة العظمى قد تبدأ من تقدير واقعي لبعض المخاطر، ثم تنتقل تدريجيًا إلى الاعتقاد بأن معالجة تلك المخاطر تستوجب إخضاع البيئة المحيطة كلها لإرادتها.
عندها يصبح كل استقلال في القرار تهديدًا، وكل مقاومة للضغط دليلًا على ضرورة زيادة الضغط، وكل إخفاق في فرض الشروط مبررًا لتوسيع الأهداف.
هذه هي اللحظة التي يتحول فيها فائض القوة من ميزة استراتيجية إلى مصدر للخطأ في التقدير.
فالغرور لا يعني أن القوة غير حقيقية، بل يعني أن الدولة قد تبالغ في تقدير ما تستطيع القوة تحقيقه، وتقلل من وزن العوامل التي لا تستطيع السيطرة عليها:
إرادة الخصم، والجغرافيا، والتحالفات، والاقتصاد العالمي، والرأي العام، والوقت.
وإذا كانت واشنطن قد امتلكت القدرة على المبادرة والتقدم العسكري، فإن السؤال الذي يواجهها الآن هو ما إذا كانت قد حسبت بما يكفي كلفة تحويل المبادرة إلى سيطرة طويلة الأمد، وكلفة فرض تسوية على خصم يرى أن بقاءه السياسي والأمني على المحك.
لا تحتاج القوة الكبرى إلى أن تكون ضعيفة كي تقع في الخطأ، فقد يكون الخطأ نفسه ناتجًا عن ثقتها المفرطة بقدرتها على معالجة كل مشكلة بالأدوات التي نجحت معها في الماضي.
ومن هنا، فإن الخطر ليس في امتلاك القوة، بل في الاعتقاد أن امتلاكها يمنح صاحبها القدرة على تحديد النتائج النهائية بمعزل عن بقية الأطراف.
خامسًا: روسيا والصين وأوروبا… العالم الذي لا ينتظر في مكانه
لا تدور المواجهة الأمريكية الإيرانية في فراغ دولي.
فالولايات المتحدة، بينما تركز مواردها واهتمامها على الخليج والشرق الأوسط، تظل مطالبة بإدارة علاقاتها مع روسيا والصين وأوروبا، وبالحفاظ على موقعها في التنافس العالمي.
وقد أكدت المباحثات التي أجراها وزيرا خارجية الصين وروسيا في أكتوبر/تشرين الأول، بحسب رويترز، استمرار التنسيق بين البلدين بشأن إيران وأوكرانيا والقضايا الأمنية الدولية.
ولا يكفي ذلك لإثبات وجود خطة موحدة لاستنزاف الولايات المتحدة، لكنه يشير إلى أن القوى المنافسة تتابع الحرب ضمن حساباتها الاستراتيجية الأوسع.
بالنسبة إلى روسيا، قد تتيح اضطرابات الطاقة بعض المكاسب الاقتصادية، كما قد يخفف انشغال واشنطن بالشرق الأوسط من التركيز على ملفات أخرى.
لكن هذه المكاسب تظل مشروطة بتطورات الحرب، ولا تعني أن موسكو أصبحت قادرة على تعويض جميع قيودها أو تحويل الأزمة تلقائيًا إلى تفوق استراتيجي.
أما الصين، فليست مضطرة إلى الانخراط عسكريًا في المواجهة كي تراقب آثارها.
يكفي أن تتابع الكلفة الأمريكية، واضطراب أسواق الطاقة، وتأثير الحرب في العلاقات مع الحلفاء، ومدى انشغال واشنطن عن شرق آسيا.
الصين لا تحتاج إلى أن تتحكم بكل تطور في الخليج كي تستفيد من بعض نتائجه النسبية، لكنها تواجه أيضًا مخاطر ارتفاع كلفة الطاقة وتعطل التجارة واضطراب الاقتصاد العالمي.
ولذلك فإن مصلحتها لا تختزل في إطالة الحرب؛ بل تتشكل من موازنة بين فرص المنافسة ومخاطر الفوضى.
أما أوروبا، فتواجه معادلة أكثر تعقيدًا: الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية من جهة، والتأثر المباشر بتكاليف الطاقة والتجارة من جهة أخرى، فضلًا عن خلافاتها مع واشنطن بشأن تقاسم الأعباء وأولويات السياسة الخارجية.
ولا يمكن اختزال الموقف الأوروبي في صورة واحدة، لأن دوله ومؤسساته لا تتطابق دائمًا في حساباتها.
إن الخلاصة أن العالم لا ينتظر انتهاء الحرب حتى يعيد ترتيب أولوياته. فكل أزمة تعيد توزيع الاهتمام والموارد والفرص، وتدفع الدول إلى مراجعة اعتمادها على الآخرين، وتنويع مصادر الطاقة والتجارة والتسليح.
وهنا يكمن أحد الاحتمالات الأبعد أثرًا: قد تنتهي المواجهة من دون انتصار حاسم لطرف، لكنها تترك وراءها عالمًا أكثر ميلًا إلى التحوط من الولايات المتحدة، وأكثر استعدادًا لبناء مسارات بديلة لتقليل الاعتماد على قراراتها.
ذلك لا يعني أن نظامًا عالميًا جديدًا قد اكتمل بالفعل، بل أن الحرب قد تسرّع اتجاهات قائمة نحو تعدد مراكز القوة، إذا استمرت آثارها في الاقتصاد والتحالفات والثقة السياسية.
سادسًا: من فيتنام إلى إيران… هل تتكرر معضلة الإمبراطوريات؟
استدعاء فيتنام لا يعني أن الحرب الحالية نسخة من حرب فيتنام، فاختلاف الظروف العسكرية والجغرافية والسياسية كبير. لكنه يتيح استحضار درس تاريخي مهم:
التفوق في الموارد والقدرة على إيقاع الخسائر لا يضمنان تحقيق الغايات السياسية، خصوصًا عندما تتسع الفجوة بين الأهداف المعلنة والنتائج الممكنة.
في فيتنام، امتلكت الولايات المتحدة تفوقًا ناريًا هائلًا، لكنها لم تتمكن من تحويله إلى النتيجة السياسية التي أرادتها.
ولم يكن انسحابها دليلًا على زوال قوتها العالمية، بل على أن قوة الدولة لا تعني قدرتها على فرض كل إرادة في كل ساحة.
وفي العراق وأفغانستان، ظهرت بصور مختلفة مشكلة أخرى: القدرة على إسقاط نظام أو تفكيك بنية قائمة ليست هي القدرة على بناء نظام سياسي مستقر وفق التصور الأمريكي.
فالحروب لا تنتهي بالضرورة عندما تتوقف الضربات أو تسقط المؤسسات؛ أحيانًا تبدأ بعدها مرحلة أكثر تعقيدًا، تتعلق بإدارة الفراغ والشرعية والمقاومة والتنافس بين القوى المحلية والإقليمية.
من هنا، لا أرى أن إيران قادرة على إسقاط الولايات المتحدة، ولا أن مجرد استمرارها في المواجهة يعني أنها انتصرت.
لكن من الممكن أن تصبح الحرب معها محطة أخرى في مراجعة حدود القوة الأمريكية، إذا عجزت واشنطن عن تحقيق أهدافها السياسية، ودفعت كلفة متزايدة، وخرجت من المواجهة ببيئة إقليمية أشد اضطرابًا وبثقة أقل من بعض حلفائها.
وهذا هو المعنى الذي أقصده بعبارة «من فيتنام إلى إيران»: ليس خطًا حتميًا لسقوط أمريكي، بل سلسلة من الاختبارات التاريخية التي تكشف الفارق بين التفوق العالمي والقدرة على التحكم في نتائج الصراعات.
فالإمبراطوريات لا تبدأ التراجع بالضرورة عندما تفقد قوتها العسكرية؛ قد يبدأ التراجع حين تتسع الفجوة بين ما تريد فرضه وما تستطيع تحمله، وحين تتحول المحافظة على الهيبة إلى سبب لتوسيع الالتزامات، بدلًا من أن تكون دافعًا لمراجعة الأهداف.
ولا يكفي البطش وحده لإثبات التراجع، كما لا يكفي امتلاك القوة لإثبات النجاح.
لكن حين يصبح استخدام القوة متكررًا، وتزداد كلفة صيانتها، وتظل الأهداف السياسية بعيدة عن الحسم، فإن ذلك يستدعي مراجعة استراتيجية جدية.
سابعًا: الثمن الذي ستدفعه إيران… والثمن الذي قد تدفعه أمريكا
من الضروري هنا ألا تقودنا نقدية السلوك الأمريكي إلى التقليل من حجم المخاطر التي تواجه إيران نفسها.
إيران ستدفع ثمنًا باهظًا.
فالحرب والضغوط الاقتصادية والبحرية تستنزف مواردها، وتعرض منشآتها وقدراتها العسكرية والبنية التحتية لمزيد من الأضرار، وتضع المجتمع والاقتصاد أمام أعباء إضافية.
كما أن توسيع المواجهة الإقليمية قد يرفع كلفة علاقاتها مع جيرانها ويضعف فرص بناء ترتيبات أمنية مستقرة في المستقبل.
ولا يضمن الصمود العسكري أن تتحول الخسائر إلى مكاسب سياسية.
فقد تنجح دولة في منع خصمها من تحقيق بعض أهدافه، لكنها تخرج منهكة، وتواجه إعادة إعمار طويلة، وتحتاج إلى إعادة تقييم خياراتها الإقليمية والاقتصادية.
وفي المقابل، ستدفع الولايات المتحدة ثمنًا باهظًا أيضًا، وإن اختلفت طبيعة الكلفة وحجمها. فهناك الإنفاق العسكري المباشر، وتعويض الذخائر والمعدات، وحماية القوات والممرات البحرية، والتأثيرات الاقتصادية الناجمة عن اضطراب الطاقة والتجارة.
وهناك كذلك الكلفة السياسية الداخلية، والضغط على العلاقات مع الحلفاء، وتراجع الثقة في قدرة واشنطن على تحديد نهاية واضحة للحروب التي تبدأها.
وقدّر مكتب الميزانية في الكونغرس كلفة العمليات العسكرية الأمريكية بنحو 38 مليار دولار حتى الأول من أغسطس/آب 2026، فيما أوردت صحيفة واشنطن بوست في سبتمبر/أيلول تقديرًا عسكريًا أمريكيًا أعلى بلغ نحو 43.6 مليار دولار حتى أوائل سبتمبر، مع اختلاف الفترة والمنهجية وما يدخل في الحساب.
ولا تمثل هذه الأرقام الكلفة الكاملة للتداعيات الاقتصادية أو الأضرار اللاحقة أو تكلفة إعادة بناء المنشآت.
والأخطر من ذلك كله أن تتحول الحرب إلى سابقة تشجع دولًا أخرى على إعادة حساباتها بشأن الاعتماد على الضمانات الأمريكية، أو تدفعها إلى البحث عن بدائل تقلل تعرضها لتقلبات السياسة الأمريكية.
هذا الثمن لا يظهر كله في الموازنة العسكرية.
فقد تكون الخسارة الاستراتيجية أعمق من الخسارة المادية عندما تجد الدولة نفسها مضطرة إلى تخصيص موارد أكبر للمحافظة على موقعها، بينما تصبح قدرتها على تحويل هذا الإنفاق إلى نفوذ مستقر موضع تساؤل.
لكن لا ينبغي التعامل مع هذه النتائج بوصفها حتمية؛ فواشنطن ما زالت تمتلك أدوات اقتصادية ودبلوماسية وعسكرية واسعة، وقدرتها على مراجعة المسار أو التوصل إلى تسوية قد تحد من بعض الخسائر.
كما أن إيران لا تملك ضمانة بأن استمرار المواجهة سيؤدي إلى تراجع أمريكي طويل الأمد.
المعادلة الحقيقية إذن ليست أن طرفًا سينهار لمجرد أن الآخر صمد، بل أن كليهما قد يكتشف أن كلفة الأهداف التي سعى إليها أكبر من تقديراته الأولى.
ثامنًا: هل ما زال الوقت يسمح لواشنطن باستدراك المسار؟
تملك الولايات المتحدة فرصة لإعادة تقدير أهدافها، لكنها تحتاج إلى التمييز بين الحفاظ على مصالحها وبين محاولة فرض سيادة مطلقة على محيطها.
فالدولة العظمى لا تفقد مكانتها عندما تراجع أهدافها، أو تقر بأن الوسائل العسكرية لا تكفي لتحقيق الغايات السياسية.
بل قد تكون المراجعة المبكرة دليلًا على نضج استراتيجي، لأنها تمنع تحول الأهداف المحدودة إلى التزامات مفتوحة، وتتيح تحويل التفوق العسكري إلى مكاسب تفاوضية قابلة للاستمرار.
أما إذا ارتبطت الهيبة السياسية باستمرار التصعيد، وأصبح التراجع عن بعض المطالب يُقدَّم بوصفه هزيمة، فقد تضيق مساحة التسوية. عندها لا يعود القرار متعلقًا بحساب المصلحة وحدها، بل أيضًا بكلفة الاعتراف بأن التقدير الأولي كان ناقصًا.
وهنا تكمن خطورة الغرور الإمبراطوري: أنه قد يجعل التراجع عن هدف غير قابل للتحقيق أكثر كلفة في نظر صانع القرار من الاستمرار في مسار يستهلك الموارد ويضاعف المخاطر.
لكن الوقت ليس عاملًا محايدًا. فكلما طال الصراع، تبدلت مصالح الأطراف، وتراكمت الخسائر، وظهرت وقائع جديدة، وازدادت صعوبة العودة إلى الوضع السابق. وقد لا يكون السؤال في النهاية ما إذا كانت واشنطن قادرة على مواصلة الحرب، بل ما إذا كانت قادرة على اختيار لحظة مناسبة لإعادة تعريف النجاح قبل أن تفرض عليها الوقائع تعريفًا آخر.
خاتمة: عالم جديد لا يولد من انتصار طرف واحد
أرى أن هذه المواجهة قد تكون واحدة من المحطات التي تعيد تشكيل النظام الدولي، لا لأن إيران ستسقط أمريكا، ولا لأن الولايات المتحدة فقدت مصادر قوتها، بل لأن الحرب تكشف حدود القدرة على إدارة العالم من مركز واحد، حتى عندما يكون ذلك المركز بالغ القوة.
إيران ستدفع ثمنًا باهظًا، وقد تتعرض قدراتها واقتصادها لضغوط عميقة.
والولايات المتحدة ستدفع ثمنًا باهظًا إذا وجدت نفسها عالقة في مواجهة طويلة، تتسع جغرافيًا وتتعدد أطرافها، من دون أن تتمكن من تحويل التفوق العسكري إلى حسم سياسي مستدام.
أما العالم، فلن ينتظر نتيجة الحرب كي يعيد حساباته
روسيا ستراقب أثر الانشغال الأمريكي في مسارح أخرى، والصين ستدرس ما تكشفه المواجهة عن كلفة الاعتماد على الممرات ومصادر الطاقة وعن حدود القوة العسكرية في فرض النتائج، بينما ستعيد دول المنطقة وأوروبا النظر في حساباتها الأمنية والاقتصادية.
وقد لا يكون التحول المقبل إعلانًا عن سقوط إمبراطورية أو ولادة إمبراطورية بديلة، بل انتقالًا تدريجيًا إلى نظام أكثر تعددًا في مراكز القوة، وأقل استعدادًا لتسليم طرف واحد حق تحديد قواعد الحركة للجميع.
إن الولايات المتحدة لا تزال قوة عظمى، لكن القوة العظمى المندفعة من دون تقدير كافٍ للزمن واتساع الجبهات وكلفة الأهداف قد تتحول إلى قوة تدير الأزمات بدلًا من أن تحسمها.
والمشكلة ليست في قدرتها على الضرب، بل في قدرتها على معرفة متى تحقق الضربة غايتها، ومتى يصبح استمرارها عبئًا على الهدف نفسه.
لذلك، لا أتعامل مع الحرب بوصفها بداية مؤكدة لسقوط أمريكا، بل بوصفها اختبارًا قد يكشف ما إذا كانت واشنطن قادرة على مراجعة تصورها لحدود قوتها، أم أنها ستواصل توسيع أهدافها حتى تصبح كلفة المحافظة على الهيمنة أكبر من المكاسب التي تحققها.
فالتاريخ لا يسقط القوى الكبرى لمجرد أنها تخوض الحروب، بل قد يبدأ في تغيير مواقعها عندما تعجز عن التمييز بين امتلاك القوة وامتلاك العالم.
ويبقى السؤال الذي ستجيب عنه الوقائع، لا الشعارات:
هل تستدرك الولايات المتحدة خطورة المسار، فتنتقل من منطق فرض الإرادة إلى منطق إدارة التوازنات، أم أن إصرارها على السيادة المطلقة سيجعل إيران إحدى المحطات التي يتسارع عندها تآكل الهيمنة الأمريكية؟
إيران لن تسقط أمريكا وحدها. لكن الحرب معها قد تصبح جزءًا من مسار أوسع تتراكم فيه كلفة التدخلات، وتتراجع فيه قدرة واشنطن على تحويل تفوقها إلى نتائج مضمونة، ويتشكل فيه عالم جديد لا لأن قوة واحدة انتصرت على الأخرى، بل لأن الجميع بدأ يعيد حساباته على ضوء حدود القوة الأمريكية.
شاركنا برأيك