آراء و تحليلات
د. أيمن منصور ندا
د. أيمن منصور ندا

أستاذ الإعلام المصري

أوهام الجمهورية الجديدة: وهم السيادة الكاملة والاستقلال التام(5-12)

بصفة عامة، يمكن القول إنَّ وهم "السيادة الكاملة والاستقلالية التامة" يعتبر أداة سياسية لإنتاج شرعية مستمرة

مشاركة:
حجم الخط:

القرار مصري: لكن الشروط ليست كلها مصرية!

(لا يناقش هذا المقال فقدان مصر لسيادتها، بل المسافة بين السيادة القانونية التي لا خلاف عليها، والسيادة الفعلية التي تتسع أو تضيق بقدر ما تملكه الدولة من قوة اقتصادية وبدائل سياسية وأدوات تأثير)

يُعدُّ وهم “السيادة الكاملة والاستقلال التام” أحد الأعمدة الرئيسة في الخطابين الرسمي والإعلامي، وفي سردية “الجمهورية الجديدة”

ويكتسب هذا الوهم قوته من الرمزية التاريخية للسيادة في الوعي الجمعي المصري، فبعد عقود من الاحتلال والتبعية، تظل فكرة “الاستقلال الوطني” حاضرة كقيمة مقدَّسة في الخيال الشعبي.

وقد أدرك الخطاب الرسمي هذا البعد الرمزي، فوظَّفه بذكاء في بناء سردية “الجمهورية الجديدة” بوصفها مرحلة استعادة الكبرياء الوطني..

وقد سعت القيادة السياسية إلى ترسيخ صورة الدولة القادرة على إدارة شؤونها الداخلية والخارجية بقرار مستقل، وعلى التحرر من أية قيود خارجية أو ضغوط دولية.

وتُقَدَّم هذه الصورة في الإعلام المصري باعتبارها تجسيداً لاستعادة “هيبة الدولة”

ونجاحها في التحرر من التبعية الاقتصادية والسياسية التي وُصِمت بها فترات سابقة.

وهكذا يتكرَّس في الوعي العام فكرة أنَّ مصر باتت تمسك بزمام أمورها كاملة، وأنَّها أصبحت صاحبة القرار الأول والأخير في قضاياها السيادية، لا تخضع لإملاء من جهة دولية، ولا تسمح بتدخل في شؤونها الداخلية.

غير أنَّ هذه الصورة المُعلَنة تتقاطع بشدة مع واقع أكثر تعقيداً

فمن الناحية الاقتصادية، تعيش الدولة حالة من الاعتماد الشديد على الخارج (قروض/ منح/ مساعدات) سواء في تمويل مشروعاتها القومية، أو في إدارة موازنتها العامة.

وقد ارتفع الدين الخارجي من 43 مليار دولار في عام 2013 إلى ما يقارب 165 مليار دولار بنهاية الربع الأول من العام 2026 وفق بيانات البنك المركزي المصري.

ومع كل اتفاق جديد أو مراجعة جديدة لبرنامج صندوق النقد الدولي، تجد الدولة نفسها ملزمة باتباع سياسات محددة، وفق جدول زمني محدد، ووفق (روزنامة) دولية مفروضة أكثر مما تعبِّر عن رؤية وطنية مستقلة.

أما في المجال السياسي

فإنَّ خطاب السيادة كثيراً ما يُستخدَم لتبرير الانغلاق الداخلي، والتشكيك في النوايا الدولية، تحت شعار “عدم التدخل في الشؤون الداخلية”

لكنَّ هذا المبدأ يُمارس بانتقائية واضحة:

فحين يكون التعاون الخارجي داعماً للسلطة، سواء في صفقات السلاح أو المساعدات أو دعم الموازنة يُستقبل بالترحيب بوصفه شراكة استراتيجية.

بينما يُرفَض أي نقد دولي لملف الحقوق والحريات باعتباره مساساً بالسيادة الوطنية.

هذه الازدواجية في توظيف مفهوم السيادة تُظهر أنَّه تحوَّل من أداة للدفاع عن الاستقلال الحقيقي إلى ذريعة سياسية لتثبيت السلطة.

وبصفة عامة، يمكن القول إنَّ وهم “السيادة الكاملة والاستقلالية التامة” يعتبر أداة سياسية لإنتاج شرعية مستمرة.

فهو يُستخدَم لتبرير القرارات الاقتصادية الصعبة على أنَّها ثمن الاستقلال، ولإسكات الأصوات الناقدة بحجة أنَّ الاختلاف يضعف “وحدة الموقف الوطني”.

وبهذا المعنى، يصبح الحديث عن السيادة غطاءً لغلق المجال العام، لا لفتحه، ويصبح الحديث عن التحرر من الخارج وسيلة لتكريس التحكم في الداخل.

وينبثق من هذا الوهم الكبير عدة أوهام فرعية، يمكن الإشارة إليها على النحو التالي:

1) وهم “التحرر من صندوق النقد الدولي ومن المؤسسات الاقتصادية الدولية”:

يشكِّل الادعاء بالتحرر من صندوق النقد الدولي أحد أبرز أركان وهم “السيادة الاقتصادية” في الخطابين الرسمي والإعلامي فيما يتعلق بالجمهورية الجديدة.

ومنذ إطلاق مشروعات الجمهورية الجديدة، حرصت الدولة على تقديم علاقتها بالمؤسسات المالية الدولية، خاصة صندوق النقد، بوصفها علاقة “شراكة فنية واستشارية” لا علاقة تبعية وإملاء.

ويُقَدَّم الصندوق في الإعلام المصري باعتباره جهة تمنح “شهادة ثقة” للاقتصاد المصري، لا جهة تفرض شروطاً على سياساته، وبدلاً من الاعتراف بأنَّ مصر مندمجة في نظام مالي عالمي يفرض شروطه على الجميع، يُقدَّم الأمر كاختيار سيادي حر.

غير أنَّ هذا الخطاب يصطدم بمجموعة من الوقائع والالتزامات المالية التي تكشف أنَّ تلك العلاقة أبعد ما تكون عن التحرر والسيادة، بل تجسِّد نمطاً جديداً من التبعية المشروطة.

ومنذ عام 2016، خضعت مصر لأربعة برامج تمويل رئيسة مع الصندوق (2016، 2018، 2020، 2022 وتعديلاته في 2024) جميعها حملت الشروط ذاتها تقريباً، وإن اختلفت في الصياغة.

على سبيل المثال

فإنَّ مطالب مثل تحرير سعر الصرف، ورفع الدعم، وتقليص الإنفاق الاجتماعي، وتعزيز الخصخصة، وبيع حصص من الشركات المملوكة للدولة لتحقيق إيرادات بالعملة الصعبة، وغيرها، كانت كلُّها استجابة لشروط صندوق النقد الدولي وتنفيذاً لأوامره.

لا تعبِّر هذه السياسات الاقتصادية عن تحوِّل اقتصادي مدروس، أو خيار اقتصادي مُخطَّط له، أو رؤية وطنية مستقلة، ولكنها كانت كلُّها استجابة لضغوط نقدية ناجمة عن نقص الاحتياطي من العملات الأجنبية.

وتظهر هذه التجربة أنَّ العلاقة مع الصندوق لم تكن أبداً علاقة استشارية، بل علاقة اعتماد متبادل مختلّ.

والمؤكَّد أنَّ السياسات المالية والنقدية تُدار فعليَّاً في ضوء تقارير بعثات الصندوق الدورية، التي تحدِّد وتيرة الإصلاح، وسقفه الزمني، وليس أمام الحكومة المصرية سوى الرضوخ لتعليمات الصندوق وأوامره، لضمان الحصول على الشرائح التالية من البرنامج.

2) وهم “سيادة الدولة على كلِّ مواردها واستقلال قرارها الاقتصادي”:

يُعدُّ الادعاء بسيادة الدولة الكاملة على مواردها، واستقلال قرارها الاقتصادي، أحد الركائز الأساسية في خطاب “الجمهورية الجديدة”

حيث تُقدَّم مصر باعتبارها دولة تمتلك زمام اقتصادها، وتتحكم بحرية في مسارها التنموي، دون خضوع لأية إملاءات خارجية.

هذا الخطاب يظهر بوضوح في تصريحات المسؤولين حول “القرار الوطني المستقل” و”الاعتماد على الذات” كما يُعزَّز بصور لمشروعات قومية ضخمة تُقدَّم بوصفها رمزاً للقدرة الذاتية، والإدارة السيادية للموارد.

غير أنَّ القراءة المتأنية للمعطيات الاقتصادية تكشف مفارقة جوهرية بين الصورة المعلنة

والواقع القائم، حيث يتضح أنَّ الاقتصاد المصري بات أكثر تبعية من أي وقت مضى للتمويل الخارجي، ولرؤوس الأموال الأجنبية قصيرة الأجل (الأموال الساخنة).

وفي ضوء قلة الصادرات، وقلة العائدات من العملة الصعبة التي تكفي للإنفاق على مشروعات الجمهورية الجديدة، والعجز الدائم والمستمر في الموازنة، زاد الاعتماد المصري على المؤسسات الدولية (صندوق النقد الدولي)

وعلى الصناديق السيادية التابعة لبعض الدول العربية (الإمارات، السعودية، قطر…) في تغطية عجز الموازنة، وفي تمويل مشروعاتها المختلفة.

الأمر الذي أدَّى إلى زيادة الديون الخارجية بشكل كبير، وإلى بيع كثير من الأصول الاستراتيجية، وإلى تسييل كثير من الموارد الوطنية لتغطية هذه الفجوات التمويلية.

هذا الاعتماد الكبير على الخارج انعكس في تراجع دور الدولة كموجِّه رئيسي للتنمية، ومع مرور الوقت، أصبحت السياسة الاقتصادية رهينة لاعتبارات جيوسياسية ومالية لا تخضع للمساءلة الوطنية، الأمر الذي يقوِّض مفهوم “القرار المستقل” من أساسه.

وبصفة عامة، فكلَّما ازداد الاعتماد على التمويل الخارجي، والبيع الممنهج للأصول الاستراتيجية، تقلَّصت مساحة القرار السيادي الحقيقي.

3) وهم “الاستقلال السياسي عن القوى الكبرى”:

تُقدِّم الجمهورية الجديدة نفسها باعتبارها تعبيراً عن دولة تمتلك قرارها السياسي المستقل، ولا تخضع لأية إملاءات خارجية، وأنَّها تعتمد على “النديَّة” في علاقاتها مع القوي الكبرى.

غير أنَّ تحليل سلوك السياسة الخارجية المصرية خلال السنوات الأخيرة، يُظهِر أنَّ هذا الاستقلال المزعوم أقرب إلى خطاب تعبوي منه إلى واقع موضوعي.

فمصر، رغم محاولاتها المتكرِّرة لتأكيد سيادتها في القرار السياسي، لا تزال تتحرك ضمن هوامش ضيقة رسمتها مصالح القوى الكبرى ومقتضيات الدعم الاقتصادي والعسكري الخارجي.

كما أنَّ علاقات مصر المتشابكة مع كلٍّ من واشنطن، والاتحاد الأوروبي، ومؤسسات التمويل الدولية تجعل القرار السياسي مقيَّداً باعتبارات اقتصادية تتجاوز الإرادة الوطنية.

وتبرز الضغوط الأوروبية في ملف الهجرة غير الشرعية،

والمطالب الأمريكية في قضايا حقوق الإنسان، والإصلاح الاقتصادي، مدى حساسية القاهرة تجاه مواقف تلك القوى، خشية انعكاسها على تدفق المساعدات أو القروض أو الاستثمارات.

وبذلك، يصبح الخطاب الرسمي عن “الاستقلال السياسي الكامل” مجرد أداة لبناء صورة سيادية في الداخل، تخفي واقعاً من التبعية المتبادلة، والارتباط الوثيق بمراكز القوى العالمية.

ويمكن القول بصفة عامة، إنَّ ما يجري ليس غياباً كلِّيَّاً للاستقلال، بل إعادة تعريف له ضمن شروط التوازن بين الحاجة إلى الدعم الخارجي، والرغبة في الحفاظ على مظاهر السيادة الوطنية.

غير أنَّ استمرار هذا النمط، الذي يجمع بين التبعية المالية والقيود السياسية، يضعف من قدرة الدولة على ممارسة دور مستقل فعلاً في النظام الدولي.

4) وهم “عدم الخضوع للضغوط الخليجية”:

يقدم الخطاب الرسمي المصري صورة شراكة نِدَّية ومتوازنة مع دول الخليج، تقوم على المصالح المشتركة، والاحترام المتبادل، ويُروَّج أنَّ القاهرة تحتفظ بسيادتها الكاملة في قراراتها السياسية والاقتصادية بعيداً عن أيّة ضغوط خارجية.

غير أنَّ التتبع الموضوعي للعلاقات الاقتصادية والسياسية منذ عام 2013، يكشف أنَّ الدعم الخليجي، بمختلف أشكاله، من المساعدات، والمنح النقدية، إلى الاستثمارات الضخمة في الأصول الاستراتيجية، شكَّل أحد أعمدة بقاء الاستقرار المالي والاقتصادي للنظام المصري، وأنَّ هذه العلاقة غير المتكافئة أفرزت مستويات متفاوتة من التبعية والارتهان.

فبعد عام 2013، ضخت كلٌّ من السعودية والإمارات والكويت أكثر من 30 مليار دولار في شكل منح وودائع بالبنك المركزي، ومساعدات بترولية، ما ساعد مصر على تجاوز أزمة السيولة الحادة حينها.

لكنَّ هذا الدعم لم يكن مجانياً؛ إذ ارتبط بتحولات واضحة في السياسات الإقليمية المصرية، سواء في المواقف من الأزمات العربية، أو في طريقة إدارة الملفات الأمنية والاستثمارية.

ومع تراجع المساعدات المباشرة في السنوات الأخيرة، انتقل النفوذ الخليجي إلى مرحلة أكثر عمقاً عبر الاستحواذ الاستثماري.

حيث أصبحت الصناديق السيادية الخليجية من أكبر المشترين للأصول المصرية في قطاعات الموانئ، والطاقة، والبنوك، والاتصالات.

هذه الصفقات، التي تُقَدَّم في وسائل الإعلام المصرية باعتبارها “استثمارات استراتيجية” تمت في أغلبها لتوفير سيولة دولارية عاجلة تسدُّ العجر في الاحتياطي النقدي، أو لسداد أقساط الديون الخارجية، وهو ما جعل القرار الاقتصادي المصري رهيناً لتوجهات تلك الصناديق وشروطها..

سياسياً، يظهر أثر هذه التبعية في تبني مصر مواقف حذرة تجاه بعض الملفات الإقليمية، بما يراعي مصالح داعميها الماليين في الخليج.

وهكذا يتحول “التحالف العربي” من شراكة متوازنة إلى علاقة تقوم على تبادل النفوذ مقابل التمويل، حيث تُقيَّد خيارات السياسة الخارجية المصرية بضرورات الحفاظ على تدفقات الاستثمار والدعم المالي.

ويصبح استقلال القرار المصري محدوداً ومشروطاً باستمرار الرضا الخليجي عن السياسات المصرية.

5) وهم “الاستقلال في الموقف من سدِّ النهضة وإمكانية القيام بكلِّ الإجراءات المطلوبة لحماية حقها في الماء”:

يُروَّج في الخطاب الرسمي المصري أنَّ الدولة تمتلك استقلالية كاملة في إدارة ملف سدّ النهضة، وأنَّها قادرة على اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لحماية حقوقها التاريخية في مياه النيل.

ويُصوَّر هذا الموقف بوصفه قوياً، وحازماً، ومسنوداً بقدرة سياسية وديبلوماسية تمكِّنها من فرض إرادتها على الساحة الإقليمية.

غير أنَّ قراءة الواقع تظهر تآكلاً تدريجياً في هذا الادعاء؛ إذ فقدت مصر منذ عام 2011 كثيراً من أدوات الضغط الفعالة.

بينما تمكَّنت إثيوبيا من فرض سياسة “الأمر الواقع” عبر استكمال مراحل الملء والتشغيل دون اتفاق قانوني ملزم.

وعلى الرغم من التصريحات المتكررة التي أكَّدت أنَّ “كلَّ الخيارات مفتوحة”

لم تُترجَم هذه المواقف إلى خطوات عملية تغيِّر موازين القوى في المفاوضات.. وتحوَّل ملف السدّ من قضية أمن قومي إلى مسار تفاوضي طويل الأمد تديره القاهرة بحذر مفرط، خشية التصعيد أو الدخول في مواجهة مفتوحة لا تملك لها الأدوات السياسية أو الاقتصادية الكافية.

في المقابل، واصلت إثيوبيا بناء سرديتها حول “الحقّ في التنمية” ونجحت في كسب دعم إفريقي واسع، بينما بدا الموقف المصري معزولاً نسبياً عن التأييد الإقليمي والدولي، خاصة في ظل تراجع المساندة العربية الفعالة.

كما أنَّ الأزمات الاقتصادية الداخلية حدَّت من قدرة الدولة على توظيف أدوات القوة الناعمة أو الضغط الديبلوماسي، مما جعل القاهرة في موقع المتلقي للتطورات، لا صانعها..

حين يصبح التمويل الخارجي ضرورياً لاستقرار العملة والموازنة، وتضيق الخيارات في ملفات الأمن القومي، يظل القرار وطنياً في توقيعه، لكنه لا يكون مستقلاً تماماً في شروط صناعته.

لذلك لا تُحمى السيادة بالشعارات، بل باقتصاد منتج، ودين قابل للإدارة، ومؤسسات قوية، ومجال عام يراجع القرارات قبل دفع أثمانها.

فالسيادة ليست أن تقول الدولة إنها حرة، بل أن تستطيع الاختيار حين يكون للاختيار ثمن!

شارك المقال: