آراء و تحليلات
د. أيمن خالد
د. أيمن خالد

باحث في الشؤون السياسية والقانون الدولي

د. أيمن خالد يكتب: هل تستطيع إيران فعلاً إغلاق مضيق هرمز؟

إن اختزال مضيق هرمز في عبارة “إيران تغلق المضيق” لا يقل خطأً عن اختزاله في عبارة “عُمان تسيطر على المضيق”

مشاركة:
حجم الخط:

من يحكم هرمز حقًا… عُمان أم إيران؟

قد تكون أخطر معلومة يجهلها العالم أن ناقلات النفط العملاقة، التي يهدد الجميع بإغلاق طريقها في مضيق هرمز، لا تعبر في الواقع عبر المياه الإيرانية، بل عبر الممرات البحرية العميقة الواقعة في الجانب العُماني من المضيق.

وهنا يبرز السؤال الذي يتكرر مع كل أزمة في الخليج:

إذا كانت السفن تمر من المياه العُمانية، فلماذا ترتجف أسواق الطاقة كلما أعلنت إيران أنها قد تغلق مضيق هرمز؟

الإجابة تكشف واحدة من أكبر المفارقات الجيوسياسية في العصر الحديث؛ فهناك فرق بين من يملك الطريق… ومن يملك القدرة على تعطيله.

فالخرائط تمنح سلطنة عُمان شرعية الملاحة، بينما تمنح الجغرافيا العسكرية إيران سلطة التأثير. وبين الشرعية والقوة يعيش العالم ما يمكن وصفه بـ “الخدعة الجغرافية الكبرى” التي تتكرر مع كل تصعيد في الخليج.

في القرن الحادي والعشرين، لم يعد السؤال: من يملك المضيق؟ بل أصبح السؤال الأهم: من يملك القدرة على تحويل المضيق إلى أزمة عالمية؟

عُمان… حيث تعبر التجارة العالمية

يمتد مضيق هرمز بين خليج عُمان والخليج العربي بعرض يبلغ نحو 21 ميلاً بحرياً (39 كيلومتراً) في أضيق نقاطه، بين رأس مسندم العُماني وسواحل محافظة هرمزغان الإيرانية.

لكن ما لا يعرفه كثيرون أن الجغرافيا البحرية لا تُقاس بعرض المضيق فقط، بل بعمق مياهه.

فالممرات الدولية التي تعبر منها ناقلات النفط العملاقة (VLCC)، والتي يزيد غاطسها على عشرين متراً، تقع في الجزء الجنوبي من المضيق، داخل المياه الإقليمية العُمانية والمناطق المتاخمة لها، حيث تتراوح الأعماق بين 60 و100 متر، وهي الأعماق التي تسمح بمرور السفن المحملة بالكامل.

ولهذا اعتمدت المنظمة البحرية الدولية (IMO) نظام الفصل الملاحي (Traffic Separation Scheme) الذي ينظم حركة السفن عبر ممرين منفصلين للدخول والخروج، يتوسطهما نطاق أمان يمنع التداخل والاصطدام.

إنها ليست مجرد خطوط ملاحية على الخرائط، بل منظومة هندسية وقانونية تجعل من سلطنة عُمان الضامن الجغرافي لانسياب واحد من أهم شرايين الاقتصاد العالمي.

وهكذا منحت الجغرافيا عُمان ما لا تمنحه السياسة عادةً للدول؛ مفتاح المرور الآمن، لا مجرد إطلالة على البحر.

إيران… قوة لا يمكن تجاهلها

في المقابل، تمتلك إيران عناصر قوة مختلفة تماماً.

فهي تسيطر على الشريط الساحلي الشمالي للمضيق، وعلى سلسلة من الجزر ذات القيمة العسكرية، مثل قشم وهرمز ولارك وهنغام، إضافة إلى الجزر الثلاث: طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى.

ومن هذه المواقع تستطيع القوات البحرية الإيرانية، سواء البحرية النظامية أو بحرية الحرس الثوري، تشغيل منظومات الرادار والصواريخ الساحلية والزوارق السريعة، بما يمنحها قدرة كبيرة على مراقبة حركة الملاحة وتهديدها عند الضرورة.

وهنا تكمن المفارقة.

إيران لا تحتاج إلى أن تملك الممر الملاحي حتى تؤثر فيه؛ فالقوة العسكرية كثيراً ما تكفي لتحويل الجغرافيا إلى ورقة ضغط.

ولهذا فإن النفوذ الإيراني في هرمز لا يستند إلى عمق الممرات البحرية، بقدر ما يستند إلى القدرة على جعل تكلفة العبور مرتفعة سياسياً وأمنياً وعسكرياً.

ماذا يقول القانون الدولي؟

رغم كل ما سبق، فإن مضيق هرمز لا تحكمه القوة وحدها.

فالقانون الدولي رسم قواعد واضحة لتنظيم الملاحة في المضائق الدولية.

وبموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 (UNCLOS)، تتمتع جميع السفن والطائرات بحق المرور العابر (Transit Passage)، الذي يضمن استمرار الملاحة بصورة متواصلة وسريعة، دون تعطيل أو منع.

كما تمنح الاتفاقية الدول المشاطئة، ومن بينها سلطنة عُمان وإيران، حق تنظيم إجراءات السلامة وحماية البيئة البحرية، لكنها لا تمنح أي دولة حق إغلاق المضيق أو تعطيل الملاحة الدولية أو فرض قيود تعسفية عليها.

ولأن عرض المضيق في أضيق نقاطه لا يتجاوز 21 ميلاً بحرياً، بينما تمتد المياه الإقليمية لكل من عُمان وإيران إلى 12 ميلاً بحرياً، فإن الممر الدولي يمر قانوناً داخل المياه الإقليمية للدولتين، لكنه يبقى خاضعاً لنظام المرور العابر الذي لا يجوز تعطيله.

وهذا يعني أن الشرعية القانونية لا تمنح أي طرف حق احتكار المضيق، كما أن القوة العسكرية لا تلغي قواعد القانون الدولي.

بين منطق الدولة ومنطق الردع

قدمت سلطنة عُمان، على مدى عقود، نموذجاً متزناً في إدارة هذا الممر الحيوي، معتمدةً على احترام القانون الدولي، وتأمين الملاحة، وتوفير خدمات الإرشاد البحري، والابتعاد عن توظيف موقعها الجغرافي في الصراعات السياسية.

في المقابل، تنظر إيران إلى المضيق باعتباره أحد أهم عناصر الردع الاستراتيجي في مواجهة الضغوط والعقوبات الغربية، وترى أن أمن الملاحة يجب أن يكون متبادلاً، وأن استمرار استهدافها اقتصادياً يبرر امتلاك أوراق ضغط في هذا الممر الحيوي.

وهكذا يتجاور في هرمز نموذجان مختلفان؛ منطق الدولة التي تدير الممر، ومنطق الدولة التي تمتلك القدرة على التأثير فيه.

الخلاصة… الحقيقة التي يتجاهلها العالم

إن اختزال مضيق هرمز في عبارة “إيران تغلق المضيق” لا يقل خطأً عن اختزاله في عبارة “عُمان تسيطر على المضيق”

فالحقيقة أكثر تعقيداً.

عُمان تمتلك شرعية الجغرافيا والهيدروغرافيا التي تجعل الملاحة الدولية ممكنة وآمنة.

وإيران تمتلك الجغرافيا العسكرية التي تجعل أي تصعيد في المضيق أزمة عالمية بكل المقاييس.

وبين الجغرافيا والقوة يقف القانون الدولي حارساً لحرية الملاحة، وإن كانت فعاليته ترتبط في النهاية بإرادة المجتمع الدولي أكثر من ارتباطها بنصوص الاتفاقيات.

ولعل الحقيقة الأعمق أن مضيق هرمز لا تحكمه دولة واحدة، بل تحكمه ثلاث قوى متوازية: جغرافيا عُمان، وقدرة إيران، ومصالح العالم.

فإذا اختل أحد هذه الأضلاع، فلن تتوقف السفن وحدها… بل قد يتوقف معها جزء كبير من نبض الاقتصاد العالمي.

ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس:

هل تستطيع إيران إغلاق مضيق هرمز؟

بل: إلى أي مدى يستطيع العالم أن يمنع تحوّل الجغرافيا إلى سلاح، والممرات البحرية إلى رهائن في صراعات السياسة الدولية؟

شارك المقال: