د. محمد الغمري يكتب: هل يتغير الشرق الأوسط أم تتغير أدواته فقط؟
اعتادت التحليلات السياسية أن تقرأ الاتفاقات الكبرى من زاوية أطرافها المباشرين: من انتصر؟ ومن تراجع؟

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (وسائل التواصل)
مذكرة التفاهم الأمريكية–الإيرانية:
حين تفقد الأدوات القديمة فاعليتها
كتبت هذه السطور بينما لا تزال المذكرة في طور الإنجاز النهائي، قبل موعد توقيعها الرسمي المقرر في سويسرا، وفي ظل مسار لا يزال قابلاً للاضطراب كما أظهرت تطورات الأيام الأخيرة.
(تم التوقيع الكترونيا بين الرئيسين الإيراني والأمريكي)
ومع ذلك فإن هذا التحليل لا يراهن على مصيرها القانوني بقدر ما يراهن على ما تكشفه، بصرف النظر عن توقيعها أو تأجيلها، عن طبيعة اللحظة التي تمر بها المنطقة.
اعتادت التحليلات السياسية أن تقرأ الاتفاقات الكبرى من زاوية أطرافها المباشرين: من انتصر؟ ومن تراجع؟
غير أن بعض الاتفاقات تكتسب أهميتها من مكان آخر، فهي لا تعكس تبدلًا في مواقف الفاعلين فحسب، بل تكشف عن تغير أعمق في الشروط التي يتحركون داخلها.
ومن هذا المنظور تبدو مذكرة التفاهم الأمريكية–الإيرانية أكثر من مجرد اتفاق سياسي؛ إذ تطرح سؤالًا يتجاوز بنودها المباشرة:
هل نشهد تحولًا في سياسات الأطراف، أم أن المنطقة نفسها دخلت طورًا جديدًا لم تعد فيه الأدوات القديمة قادرة على إنتاج النتائج التي اعتادت إنتاجها؟
د. محمد الغمري يكتب: هل الناس على دين ملوكهم؟ أم العكس؟ (2)
د. محمد الغمري يكتب: هل الناس على دين ملوكهم؟ أم العكس؟ (1)
د. محمد الغمري يكتب: السخرية المصرية: بين الوعي والتخدير
لسنوات طويلة حكمت المنطقة معادلة شبه ثابتة:
مزيد من الضغوط يقابله مزيد من التصلب، وكل جولة تصعيد تفتح الباب أمام جولة مقابلة. جُرّبت العقوبات والردع العسكري والحروب بالوكالة والضغوط الدبلوماسية وبناء التحالفات المتقابلة، فحافظت كل أداة على قدر من الفاعلية الجزئية دون أن تبلغ حد الحسم النهائي.
بقيت الولايات المتحدة القوة الدولية الأكثر تأثيرًا في المنطقة دون أن تفرض تسوية نهائية للملف الإيراني، وحافظت إيران على حضورها الإقليمي دون أن تكسر منظومة الضغوط المفروضة عليها، فيما احتفظت إسرائيل بتفوقها العسكري دون أن تزيل مصادر القلق الاستراتيجي التي تحيط بها.
والحرب التي اندلعت مباشرة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى في فبراير 2026 لم تخرج عن هذا المنطق، بل مثّلت تطبيقه الأقصى.
فقد بلغ التصعيد فيها مستوى لم تبلغه أي جولة سابقة، وامتد ليشمل اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي وضربات بلغت العمق الإيراني والأمريكي على السواء.
ومع ذلك، وهنا تكمن المفارقة الحاسمة، لم تُفرز هذه الحرب حسمًا واحدًا:
لم تُجبر إسرائيل والولايات المتحدة إيران على تفكيك برنامجها النووي أو الصاروخي أو الاستسلام لشروط شاملة، ولم تستطع إيران كسر الحصار البحري أو إخراج القوات الأمريكية من محيطها بالقوة.
فإذا كانت الضربة التي استهدفت أعلى رأس في هرم القرار الإيراني لم تكفِ لإنتاج تسوية نهائية، فهذا أبلغ دليل على أن سقف ما تستطيع الأداة العسكرية تحقيقه في هذه البيئة قد بلغ حدوده القصوى. الحرب، بهذا المعنى، لم تكن استثناءً عن أطروحة تراجع فاعلية الأدوات، بل كانت اختبارها الأقسى وتأكيدها الأوضح.
عند هذه النقطة يتغير السؤال.
فالمشكلة لم تعد مرتبطة بحجم القوة التي يمتلكها الفاعلون بقدر ما أصبحت مرتبطة بقدرة البيئة الإقليمية نفسها على الاستجابة لتلك القوة.
هنا تكتسب المذكرة معناها الحقيقي. فهي لا تعلن نهاية الصراع، بل تكشف تراجع الثقة بإمكانية حسمه حتى بأقصى ما تسمح به الأدوات التي حكمت المرحلة السابقة.
فالملفات الجوهرية ما زالت قائمة كما هي: البرنامج النووي الإيراني، والعقوبات الاقتصادية، والنفوذ الإقليمي، وأمن الخليج، ومستقبل الترتيبات الأمنية.
لكن الجديد أن إدارة هذه الملفات أصبحت تبدو أكثر واقعية من محاولة حسمها، حتى بعد أن استُنفدت الأداة العسكرية إلى أقصى تجلياتها.
ولا يتعلق التحول بقرارات مفاجئة اتخذها الفاعلون، بقدر ما يرتبط بتغير تدريجي في البيئة التي تمنح أدواتهم فاعليتها.
فالعقوبات التي صُممت لفرض تنازلات حاسمة تحولت مع الوقت إلى جزء من معادلات التكيف.
والردع العسكري الذي كان يُفترض أن يعيد تشكيل التوازنات أثبتت الحرب نفسها عجزه عن إنتاج النتائج المرجوة حتى في أقصى صوره.
وحتى النفوذ الإقليمي بات يصطدم بحدود يفرضها واقع أكثر تعقيدًا مما كان عليه في السابق.
المشكلة لم تعد في نقص القوة لدى هذا الطرف أو ذاك، بل في تراجع قدرة القوة نفسها، حتى في أقسى تطبيقاتها، على إنتاج الحسم الذي وُعدت به.
المذكرة بوصفها مؤشرًا لا سببًا
لا تمثل المذكرة نهاية الأزمة، كما أنها لا تمثل بداية جديدة من العدم.
إنها أقرب إلى علامة على تحول بدأ قبلها، وكشفته الحرب أكثر من أن تكون السبب الذي أطلقه.
فالأطراف لم تتخل عن مصالحها ولا عن رؤاها الاستراتيجية، لكنها بدأت تدرك أن تحقيق تلك المصالح لم يعد ممكنًا، حتى بالقوة المباشرة التي اختُبرت إلى أقصاها قبل أشهر قليلة.
وتكتسب هذه الحقيقة أهمية خاصة إذا أخذنا في الاعتبار أن الاتفاق لم يأتِ بعد انتصار حاسم لأي طرف، رغم وقوع ضربة استراتيجية ثقيلة تمثلت في اغتيال خامنئي.
ففي العادة تُولد الاتفاقات الكبرى عندما يفرض المنتصر شروطه على المهزوم، وقد بدا المشهد في لحظة معينة قريبًا من هذا النموذج.
غير أن ما تلا الضربة أثبت أنها، على قسوتها، لم تُترجم إلى تفوق سياسي قادر على حسم الملفات الجوهرية:
لا برنامج إيران النووي تفكك، ولا نفوذها الإقليمي تبدد، ولا منظومتها الأمنية انهارت.
في المقابل،
لم تخرج إيران من المواجهة بقدرة على فرض شروطها أو على ردع الخصم عن تكرار الضربة.
وهكذا احتفظ كل طرف بجزء من قوته، واكتشف في الوقت نفسه حدود هذه القوة حتى في أقصى لحظات استخدامها.
لهذا تبدو المذكرة أقرب إلى اعتراف متبادل بأن كلفة الاستمرار في المسار السابق، بعد أن بلغ أقسى تجلياته، أصبحت أعلى من العائد المتوقع منه.
فالتحولات الكبرى لا تظهر فجأة.
تبدأ في صورة فجوة متزايدة بين الأهداف والوسائل، ثم في تراجع العائد الذي تنتجه الأدوات المستخدمة، وقد تمر، كما حدث هنا، بلحظة تصعيد قصوى تكشف هذا التراجع بأقسى صوره، قبل أن تتجسد أخيرًا في محاولات جديدة لإدارة الواقع بدلًا من إعادة تشكيله بالقوة.
وعندما تبلغ هذه العملية درجة معينة تظهر الاتفاقات والتفاهمات بوصفها علامات على التحول لا مصادر له.
فهي تكشف ما كان يتشكل في العمق أكثر مما تصنعه بنفسها.
لبنان والخليج: ساحات اختبار المرحلة الجديدة
إذا كانت المذكرة تعكس تحولًا أوسع من بنودها المباشرة، فإن اختبار هذا التحول لن يكون في غرف التفاوض وحدها، بل في الساحات التي اعتادت أن تعكس مبكرًا اتجاهات المنطقة.
ويأتي لبنان في مقدمة هذه الساحات. فلبنان لم يكن يومًا مجرد متلقٍ للتحولات الإقليمية، بل كان في كثير من الأحيان المكان الذي تظهر فيه نتائجها قبل غيره.
ولهذا لا تنبع أهمية الساحة اللبنانية من كونها متأثرة بالمذكرة، بل من كونها أحد الاختبارات العملية لقدرتها على الاستمرار.
والمفارقة أن لبنان كان أيضًا أحد المواضع التي كادت تطيح بالمذكرة قبل توقيعها، حين أعادت ضربة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية خلط الأوراق وهددت بإفراغ التفاهم من محتواه قبل أن تُحلّ التعقيدات بوساطة إضافية.
وهذا في ذاته مؤشر دقيق: فاستمرار التهدئة على الجبهة اللبنانية لن يكون مجرد علامة أمنية، بل دليلًا على أن التفاهم بدأ يتحول من نص سياسي إلى واقع إقليمي قادر على استيعاب الصدمات الموضعية دون أن ينهار.
أما تكرار حوادث من هذا النوع، فقد يكون أول إشارة إلى أن البنية العميقة للصراع ما زالت أقوى من محاولات احتوائها.
وتؤدي دول الخليج دورًا مشابهًا من زاوية مختلفة. فاستقرار الملاحة البحرية وأمن الطاقة وحماية سلاسل الإمداد لم تعد قضايا إقليمية فحسب، بل أصبحت عناصر أساسية في استقرار الاقتصاد العالمي.
ولهذا فإن أي تفاهم يحد من احتمالات المواجهة المباشرة، بما يشمله من إعادة فتح مضيق هرمز ورفع الحصار البحري، يكتسب أهمية تتجاوز أطرافه المباشرين، وتفسر القلق الدولي الذي رافق إغلاق المضيق طوال فترة الحرب وحرص الأطراف على إدراج فتحه ضمن أول بنود التفاهم.
لهذا لن تُقاس النتائج الحقيقية للمذكرة بما يُقال عنها، بل بما ستنتجه هذه الساحات من وقائع. فهناك، أكثر من أي مكان آخر، سيتضح ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو استقرار نسبي جديد أم نحو إعادة إنتاج أزماتها بأشكال مختلفة.
نهاية مرحلة أم هدنة مؤقتة؟
إذا وُضعت المذكرة في سياقها التاريخي الأوسع، فإنها تبدو جزءًا من مسار بدأ قبل سنوات.
فمنذ نهاية مرحلة الهيمنة الأحادية التي أعقبت الحرب الباردة، شهد الشرق الأوسط محاولات متكررة لإعادة تشكيل التوازنات عبر العقوبات والضغوط والحروب والتدخلات المباشرة وغير المباشرة، وصلت أخيرًا إلى حرب مباشرة شاملة.
غير أن حصيلة تلك المرحلة، بما فيها لحظتها الأقسى، أظهرت أن معظم الأطراف نجحت في منع خصومها من تحقيق أهدافهم الكاملة، لكنها فشلت في الوقت نفسه في فرض تصوراتها الخاصة بصورة نهائية، حتى عبر المواجهة المباشرة.
ومع تراكم هذا الواقع نشأت بيئة لا يستطيع فيها أي طرف أن يحسم المشهد منفردًا، كما لا يستطيع الانسحاب منه.
وهنا تكتسب المذكرة معناها الأعمق؛ فهي قد لا تكون مجرد محطة تفاوضية عابرة، بل إحدى الإشارات الأولى إلى نهاية مرحلة تاريخية كاملة وبداية البحث عن قواعد مختلفة لتنظيم التوازنات الإقليمية.
غير أن ما يمنح هذه اللحظة خصوصيتها لا يكمن في وجود التفاهم ذاته، فالمنطقة عرفت خلال العقود الماضية تفاهمات كثيرة انتهى بعضها سريعًا واستمر بعضها الآخر لفترات محدودة.
ما يميز اللحظة الراهنة أن الأزمة لم تصل إلى حدود الإرهاق السياسي للأطراف فحسب، بل إلى حدود الإرهاق التدريجي للأدوات التي أدارت الصراع طوال المرحلة السابقة، وثبت ذلك حتى عندما استُخدمت هذه الأدوات في أقسى صورها الممكنة.
فالعقوبات لم تعد قادرة وحدها على إنتاج الحسم، والردع لم يعد كافيًا لإعادة تشكيل التوازنات حتى حين تحول إلى مواجهة عسكرية شاملة، والتصعيد المتبادل بات يرفع كلفة الصراع أكثر مما يغير نتائجه.
وعندما تصل الأدوات نفسها إلى حدود فاعليتها، لا يصبح التغيير مجرد خيار سياسي، بل استجابة لواقع جديد يتشكل داخل البيئة الإقليمية ذاتها.
ومع بدء سريان فترة الستين يومًا المنصوص عليها في المذكرة، انتقل الاتفاق من كونه إعلانًا سياسيًا إلى كونه إطارًا زمنيًا يحكم المرحلة المقبلة.
ولم يعد السؤال ما إذا كانت المفاوضات ستبدأ، بل ما إذا كانت الأطراف ستنجح في تحويل هذا الإطار المؤقت إلى بنية إقليمية أكثر استقرارًا.
ولهذا أصبحت الساحات الأكثر هشاشة، وفي مقدمتها لبنان، المختبر الأول لقدرة الاتفاق على الانتقال من النص إلى الواقع.
ومن هنا تتفرع السيناريوهات المحتملة.
فقد تنجح الأطراف في تحويل التهدئة الحالية إلى ترتيبات أكثر استقرارًا تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من إدارة التنافس عبر الوسائل السياسية والاقتصادية.
وقد يستمر التوازن المعلّق فترة طويلة دون الوصول إلى تسوية نهائية، بحيث تبقى الخلافات قائمة ضمن حدود تمنع الانفجار الكبير.
ويبقى احتمال الارتداد إلى التصعيد قائمًا أيضًا إذا عجزت الأطراف عن إدارة الملفات الأكثر حساسية، وقد أعطت حوادث مثل ضربة الضاحية الجنوبية نموذجًا مصغرًا لكيفية حدوث ذلك.
أما السيناريو الأعمق فيتمثل في أن تكون المذكرة جزءًا من عملية أوسع لإعادة تشكيل البيئة الإقليمية نفسها، بما يعنيه ذلك من إعادة تعريف أدوار القوى الإقليمية وتغيير قواعد التفاعل التي حكمت المنطقة طوال العقود الماضية.
إن أهمية مذكرة التفاهم الأمريكية–الإيرانية لا تكمن في بنودها بقدر ما تكمن في ما تكشفه عن طبيعة اللحظة التي تمر بها المنطقة، بما في ذلك ما كشفته الحرب التي سبقتها.
فالصراع لم ينتهِ، والتنافس لم يتوقف، والخلافات الجوهرية ما زالت قائمة.
لكن ما يبدو أنه بدأ بالتغير هو العلاقة بين هذه الأهداف وبين الوسائل المستخدمة لتحقيقها، حتى عند استخدام هذه الوسائل في أقصى ما تسمح به.
لهذا قد لا تكون المذكرة أهم ما حدث في الشرق الأوسط، بل أهم ما كشفه الشرق الأوسط عن نفسه. فهي تشير إلى أن مرحلة كاملة من إدارة الصراع تقترب من حدودها، وأن المنطقة تبحث، بوعي أو من دونه، عن قواعد مختلفة لتنظيم توازناتها.
وإذا صح هذا التقدير، فلن تُقاس أهمية المذكرة بمصيرها القانوني أو السياسي، بل بموقعها داخل مسار أوسع بدأ قبلها وسيستمر بعدها.
أما إذا أخفقت في إنتاج أثر يتجاوز لحظتها الراهنة، فلن تكون أكثر من محطة إضافية في سلسلة طويلة من التفاهمات المؤقتة.
فالتحولات الكبرى لا تبدأ عندما تتغير الاتفاقات، بل عندما تفقد الأدوات القديمة، حتى في أقسى تجلياتها، قدرتها على صناعة المستقبل.






