مقالات

د. أيمن خالد يكتب: من يكتب معادلة الشرق الأوسط؟

فالسؤال الذي يفرض نفسه اليوم لم يعد من الأقوى، بل من يمتلك القدرة على فرض ما يريد دون أن يدفع كلفة ما لا يريد.

مشاركة:
حجم الخط:

بين إرادة واشنطن ومناورة طهران وحدود القوة الدولية

لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مجرد صراع سياسي أو عسكري تقليدي، بل تحولت إلى اختبار شامل لطبيعة النظام الدولي وحدود القوة فيه.

فالسؤال الذي يفرض نفسه اليوم لم يعد من الأقوى، بل من يمتلك القدرة على فرض ما يريد دون أن يدفع كلفة ما لا يريد.

في هذا السياق، تبدو واشنطن في موقع القوة، لكنها لا تتحرك بمنطق الإرادة المجردة، بل بمنطق الكلفة والعائد.

فالولايات المتحدة، رغم امتلاكها أدوات الحسم العسكري، تدرك أن الحسم لا يعني الاستقرار، وأن إسقاط الأنظمة لا يساوي بناء البدائل، وأن الحروب الكبرى تفتح مسارات يصعب إغلاقها.

هل أعلن ترامب الهزيمة ؟

تحليل سياسي: انتهاء المواجهة العسكرية أم إعادة تعريفها؟

لذلك، تميل إلى إدارة الصراع بدل تفجيره، وفرض النتائج تدريجيًا بدل فرضها دفعة واحدة.

في المقابل، تقف طهران في موقع أكثر تعقيدًا. فهي ليست في حالة انهيار، لكنها أيضًا ليست في موقع مريح. تدرك أن ميزان القوة لا يميل لصالحها، لكنها تراهن على عامل الزمن، وتشابك المصالح الدولية، وكلفة الحرب على خصومها.

ومن هنا، تتبنى سياسة تقوم على منع الخصم من تحقيق نصر كامل، حتى وإن لم تتمكن هي من تحقيق نصر واضح.

هذه المعادلة تفسر طبيعة التفاوض القائم، الذي لا يقوم على تكافؤ حقيقي في الشروط، بل على فجوة واضحة بين قوة عالمية تسعى إلى إعادة تشكيل البيئة الإقليمية، وقوة إقليمية تحاول الحفاظ على موقعها ضمن هذه البيئة.

ولذلك، فإن الحديث عن “اتفاق متوازن” يبدو أقرب إلى الطموح النظري منه إلى الواقع السياسي.

أما معيار النصر، فهو بدوره يختلف بين الطرفين

بالنسبة لواشنطن، لا يعني النصر احتلال إيران أو إسقاط نظامها، بل تحقيق جملة من الأهداف المحددة، في مقدمتها إنهاء التهديد النووي، وتقليص النفوذ الإقليمي، وضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز. أي أن الهدف هو تغيير السلوك، لا تغيير الجغرافيا.

في حين ترى طهران أن النصر يكمن في البقاء، والحفاظ على الحد الأدنى من النفوذ، ومنع فرض شروط استسلام كامل عليها.

في هذا المشهد، لا تبدو القوى الكبرى الأخرى مستعدة لتغيير ميزان الصراع بشكل جذري. فـالصين تنظر إلى الاستقرار بوصفه شرطًا أساسيًا لحماية مصالحها الاقتصادية، بينما تسعى روسيا إلى استثمار التوتر دون الانخراط في مواجهة مباشرة.

أما دول الخليج، فتدعم التوجه الأمريكي في الحد من النفوذ الإيراني، لكنها تتحفظ على الانزلاق إلى حرب شاملة قد تهدد استقرارها الداخلي.

ويبقى العراق عنصرًا حاسمًا في هذه المعادلة. فمنذ غزو العراق 2003، لم يعد العراق قوة موازنة لإيران كما كان في السابق، بل تحول إلى ساحة تداخل نفوذ.

ورغم أن إعادة بناء العراق كقوة إقليمية ممكنة نظريًا، إلا أنها تتطلب مسارًا طويلًا من الاستقرار وبناء المؤسسات واستعادة القرار الوطني.

في المقابل، تتحرك تركيا ضمن هامش توازن دقيق، فهي لا ترغب في انهيار إيران لما يحمله ذلك من فوضى إقليمية، لكنها في الوقت نفسه لا تقبل بتمدد نفوذها.

ومن هنا، تعتمد سياسة تجمع بين الخصومة المحسوبة والشراكة الاضطرارية.

في ضوء كل ذلك، يتضح أن الصراع القائم لا يتعلق بحرب تقليدية بقدر ما يتعلق بإعادة تشكيل النظام الإقليمي.

فالولايات المتحدة تسعى إلى شرق أوسط أكثر انضباطًا وفق معاييرها، في حين تحاول إيران الحفاظ على مساحة نفوذها، بينما تعمل القوى الكبرى الأخرى على منع الانفجار الشامل.

خلاصة القول
إن الولايات المتحدة قادرة على الحسم، لكنها لا تريد دفع كلفته الكاملة، في حين أن إيران قادرة على الصمود، لكنها غير قادرة على تغيير النتيجة النهائية.

وبين هذين الحدين، تتشكل ملامح المرحلة القادمة، حيث لا يكون الحسم سريعًا، ولا التراجع كاملًا، بل صراعًا طويلًا على شكل التوازن القادم في المنطقة.

شارك المقال: