معصوم مرزوق يكتب: إستراتيجية السقوط الحر!
ويتميز السقوط الحر اقتصادياً أيضاً بأنه :سريع،متسارع الإيقاع ، ويصعب وقفه بالإجراءات التقليدية

ليونيل ميسي (وسائل التواصل)
تأمل طويلا في السوار البلاستيكي الذي أحاطت الممرضة به معصمه الأيسر، كان مكتوبا عليه باللغة الإنجليزية ” fall risk ” أي ما ترجمته ببعض تصرف ” قابل للسقوط ” لاحظت الممرضة فقالت له بلهجة إعتذارية :” هذا تحوط خشية وقوع ضرر، حضرتك أمانة لدي المستشفي حتي خروجك! “
ابتسم في مرارة، ثم وجد نفسه يضحك مقهقها وهو يقارن ما كان وما صار إليه ، أصبح ” أمانة ” لدي ملائكة المستشفي، وهو الذي كان يقفز ويقتحم الوغي بلا وجل أو تردد، وحتي عندما سقط مصابا في ساقه، تمكن وحده ودون أي مساعدة أن ينهض ويواصل القتال في تلك الظهيرة الدموية من يوم 23 أكتوبر 1973، أي بعد وقف إطلاق النار الرسمي بيوم كامل.
لم يشأ أن يروي كل ذلك لهذه الممرضة الطيبة التي وقفت مذهولة غير متفهمة لماذا يقهقه ذلك الشيخ بلا سبب، وربما تأهبت لمساعدته خشية سقوطه من جراء ذلك.
لقد كاد أن يشرح لها ما يدور في ذهنه في تلك اللحظة المدهشة، إلا أنه أشفق عليها وعلي نفسه من أن يعطلها عن عملها كي يحكي لها عن ” السقوط ” حيث تبدو المسألة شديدة التعقيد!
السقوط الحر( Free Fall) يجد تعبيرات مختلفة في الأدب والعلوم والسياسة والإقتصاد والأخلاق، وقد تعلمت أثناء دراسة الفيزياء كطالب في كلية الهندسة جامعة عين شمس، أنه هو حركة جسم في حالة سقوط خاضعاً لتأثير الجاذبية وحدها، إذا أهملنا عامل مقاومة الهواء.
إلا أن هذا المصطلح الذي بدأ كمفهوم فيزيائي
تحوّل تدريجياً إلى إستعارته في استخدامات قوية في الأدب والسياسة والاقتصاد والأخلاق، لوصف حالة من الانحدار السريع الذي يبدو خارج السيطرة، وقد وجدت علي مر السنين من خلال الخبرات المختلفة في الحياة الدبلوماسية والثقافية، أن قوة المصطلح تكمن في أنه يجمع بين عناصر ثلاث :
١. فقدان التوازن
٢. تسارع الانهيار
٣.صعوبة إيقافه.
ومن أهم خصائص ذلك النوع من السقوط، أن الجسم الساقط لا يمكنه أن يبطئ نفسه أثناء السقوط؛ فلا بد من تدخل قوة خارجة عنه كي توقفه.
وهذه الخصيصة الفيزيائية هي التي ألهمت كل الاستخدامات المجازية، ففي جمعية الأدباء في مدخل شارع القصر العيني، وكذلك بعده بقليل في نادي القصة، كان الفتي مبهوراً بالأساليب الرمزية التي سادت في السبعينيات في الأدب، ويتذكر إستخدامه للمصطلح في بعض أعماله الأدبية المبكرة، منها قصة قصيرة عنوانها ” السقوط ” حيث يرمز فيها السقوط الحر إلى الانحدار النفسي أو الأخلاقي أو الوجودي، فبطل القصة يبدأ نبيلاً ثم تواجهه الضربات المتتالية، فينهار تدريجياً حتى يفقد إنسانيته.
والأمر في السياسة لا يختلف كثيراً، فعلي مر التاريخ كانت الدول تبرز متفوقة مزدهرة ثم تدريجياً تبدأ في مراحل السقوط الحر بعناصره الثلاث السابق الإشارة إليها ( فقدان التوازن، تسارع الإنهيار، صعوبة إيقافه)
حيث يفقد المواطن كل ما كان يمنحه الاتزان: الأسرة، الإيمان، الأصدقاء، أو حتي مجرد الأمل في فرملة السقوط، وهي من أهم المقدمات التي أشار إليه ” ابن خلدون ” في انهيار الأمم، وتآكل شرعية النظام الحاكم أو قدرته على الحكم، حيث يتوالي انهيار مؤسسات الدولة، وبالتالي فقدان ثقة المواطنين، وفي الغالب تحدث انشقاقات داخل السلطة نفسها .
وسوف نجد شيئاً من ذلك في الاقتصاد، حيث يستخدم المصطلح كثيراً في الأسواق المالية، حيث يتوالي السقوط الحر من خلال متواليات حسابية مثل انهيار سعر العملة، وهبوط البورصة، مع إرتفاع أسعار النفط، وتفشي الفساد الذي يؤدي إلي فقدان المستثمرين الثقة.
ويتميز السقوط الحر اقتصادياً أيضاً بأنه :سريع،متسارع الإيقاع ، ويصعب وقفه بالإجراءات التقليدية.
أما في الأخلاق ، فيتمثل السقوط الحر في انحدار متواصل في القيم.، وفيه يصبح الانحدار ذاتياً ، ومتسارعاً، ولا توجد قوى اجتماعية كافية لإيقافه.
أما في العلاقات الدولية ، فحدث ولا حرج عن فقدان القانون الدولي هيبته، وانزلاق مناطق بأكملها نحو الحرب، حيث يمكن أن نقول مثلاً : ” أن الشرق الأوسط حالياً، بصدد الدخول في حالة سقوط استراتيجي حر”
وبينما وقف في إنتظار دوره في عمل الأشعة المطلوبة ، أعاد النظر إلي السوار الذي كتب عليه بالأنجليرية ” Fall Risk” وفي الأفكار التي استدعتها تلك الكلمات، وهز رأسه في أسي : ” أنها مجرد “أفكار نيئة !” لم تنضج بعد ، لم تصطلِ بالنار التي تؤهلها للطرح العام، مجرد أعشاب طرية علي قارعة الطريق تداس بالأقدام، أو تجف وتذروها رياح الزمن.
هل يمكن أن تكتسب أي قيمة أو يحدث عنها صوت أو صدي ؟
فرامل قوية، ثم ارتطام جسد بعامود فكر انطفأ مصباحه.
وفي الأركان المظلمة ، تقف تماثيل فكر محنطة في زوايا المدينة، اكتسبت قداستها بمرور الزمن، ونشأت طقوس كهنية حولها، يشعلون الشموع عند أقدامها، ويذبحون الذبائح لإرضاء ذكراها الطاهرة، رغم أنهم يمارسون كل انواع الرذيلة ببركتها وفي ظلها.
أنتبه فجأة :” أن كل صنم هناك، يحيط بمعصمه سوار بلاستيكي مكتوب عليه باللغة الهيروغليفية ” قابل للسقوط “!






