مقالات
محمد قدري حلاوة
محمد قدري حلاوة

كاتب مصري وقاص

1977 العام المر (13)

في إطار الإستعدادات لإحتفالات أكتوبر 1977،الطائرات تئز بصوتها المدوي مخلفة ورائها خيوط الدخان الملونة تكاد تصطدم بأسطح المنازل

مشاركة:
حجم الخط:

البدايات التي لا تهم أحد

أكتوبر من كل عام، ثلاثة طقوس لا تتغير.

إحتفالات النصر المجيد.

شراء ” الكستور”

بداية الموسم الدراسي الجديد.

كان الرئيس الراحل “السادات” قد أمر في عام ١٩٧٤ بإنشاء ” النصب التذكاري للجندي المجهول” “بمدينة نصر” لتقام فيه إحتفالات النصر.

ومن مصادفات القدر أن المكان الذي امر ببناؤه وأحتفل فيه بالنصر كان نفس، مكان إغتياله ولحده أيضا.

لم تكن الأسرة قد انتقلت للسكني بها مدينة نصر بعد، كنت عند زيارات الأسرة لمنزل العمة ألمح أعمال الإنشاءات المستمرة بنشاط في منطقة المنصة.

كانت المنطقة ما تزال صحراء جرداء موحشة بعد، ومنذ انتهى العمل بالنصب عام 1975 وصار من العادات السنوية أن تجري العروض العسكرية في ذكرى النصر المجيد في محيطه.

في إطار الإستعدادات لإحتفالات أكتوبر 1977، الطائرات تئز بصوتها المدوي مخلفة ورائها خيوط الدخان الملونة تكاد تصطدم بأسطح المنازل.

الدبابات تهدر ملتهمة طبقات  الأسفلت على الطريق كوحش نهم.

1977 العام المر (12)

1977 العام المر (11)

أصوات الألعاب النارية والمفرقعات تصم الآذان.

منذ نعومة أظافري وأنا أخشى صوت الطائرات والإنفجارات، لعل السبب صوت تلك الطائرة الإسرائيلية التي أخترقت حاجز الصوت في نهاية الستينيات من القرن الماضي.

ربما صوت تهشم الزجاج نتيجة ذاك الإختراق، قد يكون صوت صفارة الإنذار من الغارات في حرب أكتوبر 1973 لا أعلم على وجه التحديد والدقة.

ذهبت ووقفت على الطوار أشاهد التدريبات، وسقطت ساعة يدي الرقمية ” الكاسيو”- هدية العيد – وانا أعبر الطريق مهرولا متفاديا رتل الدبابات الآتي في صفوف طويلة على مرمى البصر.

عندما هدأت الحركة عدت اتفقد كنزي المفقود، وجدتها أشلاء محطمة ملتصقة بطبقات الأرض وآثار” سيور” الدبابات بادية عليها.

كأنها حرثت بمحراث عملاق، حزنت حزنا شديدا بالطبع، وتسائلت ماذا يحدث في الحرب إذا؟

في المساء خفتت حدة الحزن وذهبت سطوته.. كنت ذاهبا مع الاهل لشراء ” الكستور” و الزي المدرسي.

عرجنا نحو فرع شركة  بيع المصنوعات أمام مدرسة ” السنية” وأشترينا أمتارا عدة من ذلك القماش الشهير وبألوان متنوعة  الصرف كان يتم على البطاقة التموينية.

كان جزءا من مشروع ” الكساء الشعبي”.. واحدا من آخر ملامح وصور دعم الدولة للطبقات المتوسطة والفقيرة..

كانت الحياة مازالت محتملة فروع مثل بيع المصنوعات، صيدناوي و عمر أفندي مازالت تستر طبقات عدة وتمنح صورة ولو باهتة من المساواة أمام إنتشار الملابس المستوردة الغالية الثمن في” البوتيكات” وشارع ” الشواربي” و البضاعة الآتية من المدينة الحرة ” بور سعيد”.

كانت هناك كوبونات زهيدة القيمة تمنح لطلاب الجامعات _ وخصوصا الفقراء منهم _ لشراء أحدث وأرقى الملابس من فروع ” صيدناوي” حتى يشعروا بالمساواة مع أقرانهم.

كنا نعيش آخر مرحلة تكفل الدولة بالمواطن وتكافلها معه وإنحيازها _ ولو كان خجولا_ نحوه –

تبدلت الإنحيازات والتوجهات وأختفي التكفل والتكافل كما أختفي ” الكستور” أيضا.

زي المدرسة لم يأخذ شراوه هو الآخر وقتا يذكر ” ملابس الأهرام” توفر الزي لجميع المدارس.

الجينز ذلك الإختراع الأمريكي السحري متى أحصل عليه؟.. كنا ننام نحتضن الزي إنتظارا لصبيحة الذهاب للمدرسة.

السبت الثامن من أكتوبر عام 1977 اليوم الدراسي الأول في الصف السادس الإبتدائي.

الإستيقاظ في ساعات الفجر الأولى، التأنق وتجهيز الحقائب، ربطة العنق الحمقاء.

تلك التي لا أجيد أبدا عقدها، القميص الأبيض الناصع والبنطال الرمادي ” البلوفر” الأزرق.

كنا نرتدي الزي الشتوي في أكتوبر.. بدا زمانا صادقا في كل شئ حتى في فصوله.

هل يبدو ذلك حكما صائبا أم هي مجرد حالة “نستولوجيا” الحنين للماضي التي تصيب المرء كلما أوشك على ملامسة نهاية الطريق؟

” عم عيد”  السائق  بدت عليه بعض التغيرات اللافتة، أطلق شعر رأسه المهوش ولحيته وشاربه.

بدأ يرتدي  نظارة شمسية ويدخن  السجائر”

لاح فردا من جماعة ” الهيبز” التي قلد مظهرها الكثيرين ذلك الحين، وجهه المكتنز لم يعد يظهر منه سوي أنفه المفلطح.

حتى السيارة طرأت عليها بعض التجديدات، دهان يلمع، إطارات جديدة ” كسوة” جلد أخفت قطع الإسفنج و ” سوست” الحديد البارزة من المقاعد، غطت جوانب الأبواب.

لم يعد زجاج النوافذ يصطك.. لا حاجة لتوقف ” عم عيد” كل حين ليفتح لنا بابا معطلا او نافذة لا تعمل.

شيئا واحدا لم يتغير في ” عم عيد” قدمه الحافية، و” ياقة” البيجاما ” الكستور” التي تبرز من تحت معطفه الجلدي.

بخار الماء يتكثف على الزجاج، نكتب أسماءنا ونرسم زهرة وطير ” مسجل” السيارة ينطلق عاليا بصوت المطرب الجديد ” على الحجار” على قد ما حبينا.. وتعبنا فى ليالينا..الفرحة فى مشوارنا.. تاني هتنادينا”

هل نسي” عم عيد” ” عشقه لعبد الحليم حافظ ؟

شرائطه متناثرة في” تابلوه ” السيارة، لكنها مهملة، ومتربة.

الزمن كفيل بنسيان كل شئ تتواري أشياء وأسماء ووجوه، تأتي أخرى تحتل مكانها ومكانتها.

لعبة” الكراسي الموسيقية ” لابد أن نتساقط فيها تباعا كي تستمر اللعبة، لعبة الحياة.

” الإذاعة المدرسية” في المفتتح آيات من الذكر الحكيم،نشرة الأخبار بضعة أنباء عن الرئيس الراحل قال ” السادات” فعل، صرح، زار،  أفتتح، وهنأ.

دائما محور الحدث،غايته، ومركز الدائرة تدور من حوله الدوائر.

ترى هل تغير شيئ منذ ذاك الحين؟

أناشيد الصباح وتحية العلم، الملاعب مخططة، والمسرح محاط بأوراق الزينة.

نعم كان في مدرستي ملعب ومسرح، نصعد للفصول في سباق الفوز بالمقاعد الأمامية.

ليست الأولى بكل تأكيد إبن ” الناظرة” وإبنة الأستاذ ” عادل” ونجل المفتش ” س”.. ” ص”.. “ع”.. هؤلاء لا يحتاجون إلى سباق بالضرورة.

شارك المقال: