مقالات

لعبة الأمم على رقعة الخليج

شير التحليلات إلى أن إدارة ترامب تجني أرباحاً إضافية تقدّر بنحو 137 مليون دولار يومياً من صادرات النفط وحدها، ناهيك عن ارتفاع عائدات الغاز المسال التي تضاعفت تقريباً لتلامس 9.5 مليار دولار شهرياً

مشاركة:
حجم الخط:

الحصار الأمريكي للموانئ الإيرانية

من يربح من اختناق مضيق هرمز؟ ليس هناك إجابة واحدة، بل هي طبقات من المصالح المتشابكة.

منذ أن أطلقت واشنطن في أبريل 2026 عملية “الحصار المزدوج” رداً على إغلاق إيران للمضيق، تحولت أزمة الخليج من مواجهة عسكرية إلى حرب استنزاف اقتصادي قذرة، حيث يدفع الجميع الثمن، لكن فاتورة الربح والخسارة موزعة بشكل مقنّع ومعقد .

واشنطن: كسب اقتصادي ورهان جيوسياسي محفوف بالمخاطر

للوهلة الأولى، تبدو واشنطن مستفيدة منذ بدء التصعيد، قفزت أسعار النفط من حوالي 70 دولاراً إلى ما يقارب 112 دولاراً للبرميل .

في هذه الأثناء، لم تتوقف صادرات الطاقة الأمريكية، بل على العكس، ركبت موجة الأسعار.

تشير التحليلات إلى أن إدارة ترامب تجني أرباحاً إضافية تقدّر بنحو 137 مليون دولار يومياً من صادرات النفط وحدها، ناهيك عن ارتفاع عائدات الغاز المسال التي تضاعفت تقريباً لتلامس 9.5 مليار دولار شهرياً .

لكن الكسب لا يتوقف عند البراميل.

الحصار يمنح واشنطن “سلعة” جديدة هي التحكم بمسار الملاحة والتأمين.

عبر زيادة الضمانات المالية للسفن، تتحول البحرية الأمريكية إلى شرطي مرور يضمن تدفق الطاقة للدول الصديقة أو تلك التي ترضخ للشروط.

إنه استعراض للقوة الصلبة والناعمة في آن واحد: “من يريد النفط، فعليه المرور من هنا، وفق قواعدنا” 

محمود عبد اللطيف يكتب: فشل الدبلوماسية يعيد خلط أوراق القوة

محمود عبداللطيف يكتب: لبنان ليس غزة القادمة؟

د. محمود عبد اللطيف يكتب: تفتيت المنطقة بالتطبيع!

طهران: التخادم مع الفوضى والاتجار بالأزمة

على الضفة الأخرى، تراهن طهران على فلسفة “المقاومة بالمعاناة”

الحصار خنق صادراتها الرسمية، لكنه فتح لها باباً خلفياً للكسب غير المشروع.

تحولت إيران إلى دولة “طريق” (Toll State)، تفرض رسوماً تصل إلى مليوني دولار على كل ناقلة تمر عبر المضيق، كضمان “مرور آمن”، وتحصّل هذه الرسوم باليوان الصيني في مصارف بعيدة عن رقابة واشنطن .

هذه “القرصنة المقننة” تحقق لها دخلاً فورياً لتعويض خسائر الحرب عبر التجارة بالمخاطر .

وبينما تضغط البحرية الأمريكية على الناقلات المتجهة إلى إيران، يستمر “أسطول الأشباح” الإيراني في التملص من الرقابة عبر إطفاء أجهزة التتبع وتزييف الإحداثيات، لينقل النفط إلى الصين التي لا تزال الشاري الأكبر بنسبة 91% .

إيران، إذن، لا تنهار بسرعة كما تشتهي واشنطن، بل تتأقلم مع اقتصاد الحرب، وتصدّر “الفوضى” كخدمة، لتثبت أن بإمكانها إغراق الجميع إذا غرقت هي .

الصين والشرق الأوسط: الرابح الصامت والخاسر المذعور

بين العملاقين، تقف الصين في موقع “الكاسب بالوكالة”.

بكين هي الوجهة النهائية للنفط الإيراني المهرب بخصومات مغرية، ما يمنح مصافيها ميزة تنافسية هائلة .

صحيح أن البنوك الصينية تتعرض لضغوط أمريكية هائلة وتهديدات بالعقوبات الثانوية، لكن استمرار تدفق النفط الرخيص عبر المتاهات المالية يُبقي محركات الاقتصاد الصيني باردة في خضم أزمة طاقة عالمية.

أما جيران إيران، فهم في مأزق وجودي.

دول الخليج، التي ترى نفسها رهينة الجغرافيا، تعيش كابوساً اقتصادياً وأمنياً. في الوقت الذي يُمنع فيه النفط الإيراني، تُمنع ناقلاتها هي الأخرى من الحركة الآمنة.

تصريح المحلل الإيراني سعيد ليلاز لوكالة فرانس برس كان بمثابة تهديد مبطن: “إذا تضررت إيران، فالضرر على دول الخليج سيكون أكبر” 

إنها استراتيجية “الدمار المتبادل” التي تجعل موانئ دبي والدوحة والكويت رهائن في اللعبة .

المستهلك العالمي: من يدفع ثمن “تذكرة” العبور؟

في نهاية سلسلة الغذاء الطاقوي، يقف المواطن العادي من طوكيو إلى برلين هو الخاسر الأكبر.

الحصار الأمريكي لا يوقف الإمدادات فحسب، بل يرفع تكاليف التأمين البحري إلى مستويات جنونية.

هذه التكلفة، مضافاً إليها “رسوم العبور” التي قد تدفع لإيران أو “رسوم الحماية” التي تضمنها واشنطن، تترجم مباشرة إلى أسعار وقود قياسية.

التضخم ينهش جيوب الناس، ليس لأن النفط نادر، بل لأنه تحول إلى ورقة ضغط بيد القوى العظمى، وكل شحنة باتت رحلة محفوفة بالمخاطر .

خلاصة المشهد: لا منتصر في حرب المضائق

الحصار ليس مجرد حصار بحري، بل هو إعادة تشكيل لخارطة الطاقة العالمية بالقوة. أمريكا تربح مالياً وجيوسياسياً على المدى القصير، وإيران تربح من بيع “الحماية” والالتفاف على العقوبات لتثبت أنها العصا الغليظة في المضيق. لكن بين هذه المكاسب، ينهار مبدأ “حرية الملاحة” الذي قام عليه الاقتصاد العالمي لعقود .

السؤال ليس في مصلحة من؟ بل إلى متى؟

الحصار في صالح من يمتلك القوة لفرضه أو المكر للالتفاف عليه.

 

شارك المقال: