مقالات
د. محمد فؤاد
د. محمد فؤاد

خبير إعلامي

ملف خاص: ليبيا بين الدولة والفراغ (4)

لم يُحسم الخلاف على انتخابات 2014 بالقانون ولا بالحوار، بل بالسلاح، انقسمت البلاد فعليًا شرق يتمسك بمجلس النواب والجيش

مشاركة:
حجم الخط:

ليبيا بعد 2011 صراع الشرق والغرب وحرب الوكلاء

لم يكن ما جرى في ليبيا بعد سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 انتقالًا سياسيًا بالمعنى الكلاسيكي، بل انزلاقًا تدريجيًا نحو فراغ الدولة .. فالدولة لم تُفكَّك دفعة واحدة، بل تآكلت على مراحل، ومع كل مرحلة كان الصراع يتخذ شكلًا أكثر حدّة، حتى استقر في صورة انقسام جغرافي وسياسي بين الشرق والغرب، تغذّيه تدخلات إقليمية ودولية، بينما ظلّ الشعب الليبي العالق الأكبر بين طرفي الرحى.
من إسقاط النظام إلى انهيار المؤسسات
مع سقوط النظام، انهارت معه البنية المركزية التي كانت تُمسك بمفاصل الدولة. لم تُحلّ التشكيلات المسلحة، ولم تُدمج في مؤسسات وطنية، بل جرى التعامل معها كقوة أمر واقع. في هذا المناخ، لم تعد السياسة تُدار عبر المؤسسات، بل عبر موازين السلاح.
انتخابات 2014… حين انقسمت ليبيا وبدأت الحكاية الثقيلة
لم تكن صناديق الاقتراع في صيف 2014 مجرد آلية ديمقراطية، بل كانت اختبارًا قاسيًا لدولة لم تتشكل بعد، دخل الليبيون الانتخابات وهم يحملون آمال الخروج من فوضى ما بعد 2011، لكنهم خرجوا منها بواقع أكثر تعقيدًا.

دولتان، وسلطتان، وجيشان، وحكاية انقسام لم تُغلق فصولها حتى اليوم، بلد يتجه إلى الصندوق، وسلاح في الخلفية كانت ليبيا قبل انتخابات 2014 بلدًا يعيش تناقضًا صارخًا رغبة معلنة في بناء مؤسسات، مقابل سلاح منفلت لا يخضع لأي سلطة.
الاغتيالات في بنغازي، الاشتباكات في طرابلس، وتآكل هيبة الدولة، جعلت الانتخابات أقرب إلى رهان أخير منه إلى مسار طبيعي , نسبة المشاركة جاءت ضعيفة، لا بسبب اللامبالاة فقط، بل بسبب الخوف وفقدان الثقة , ومع ذلك، خرج مجلس نواب جديد، وبدأت معه القصة.
عقيلة صالح… قاضٍ على رأس برلمان بلا دولة

عقيلة صالح
عقيلة صالح

برز عقيلة صالح عيسى، القاضي القادم من المؤسسة القضائية، رئيسًا لمجلس النواب، لم يكن رجل خطابة أو كاريزما، بل شخصية محافظة، وجدت نفسها فجأة في قلب عاصفة سياسية.
انتقال البرلمان إلى طبرق لم يكن قرارًا سياسيًا صرفًا، بل انعكاسًا لانهيار الأمن في طرابلس،ومن هناك، صار عقيلة صالح عنوان “الشرعية البرلمانية” ورمزًا لمعسكر الشرق، في علاقة معقّدة مع القوة العسكرية الصاعدة.
خليفة حفتر، العسكري الذي عاد ليملأ الفراغ،في الخلفية، كان خليفة حفتر قد حسم خياره.

خليفة حفتر وولده الذي عينه قائدا للجيش
خليفة حفتر وولده الذي عينه قائدا للجيش

ضابط قديم، شارك في انقلاب 1969، اختلف مع القذافي، وخاض تجربة المنفى، عاد بعد 2011 ليطرح نفسه رجل المرحلة، عملية الكرامة التي أطلقها في بنغازي لم تكن مجرد حملة عسكرية، بل إعلان دخول السياسة من بوابة السلاح،قدّم حفتر نفسه باعتباره منقذ الدولة من الفوضى، ووجد دعمًا شعبيًا في الشرق، ودعمًا سياسيًا من مجلس النواب، ثم دعمًا إقليميًا لاحقًا،منذ تلك اللحظة، لم يعد لاعبًا عسكريًا فقط، بل قطبًا سياسيًا غير منتخب.
المؤتمر الوطني العام شرعية ترفض التسليم :

في طرابلس، لم تُستقبل نتائج الانتخابات كمسار طبيعي , المؤتمر الوطني العام، المنتخب في 2012، رفض مغادرة المشهد، وطعن في شرعية انتخابات 2014.
قاد المؤتمر نوري أبو سهمين، وهو سياسي ليبي اماذيجي من مواليد 1966شخصية جدلية، اتُّهم بالعجز عن ضبط الميليشيات، وبالارتهان لتحالفات مسلحة داخل العاصمة , في عهده، فقدت طرابلس موقعها كمركز جامع، وتحولت إلى طرف سياسي–عسكري.
فجر ليبيا حين تحالف السلاح مع السياسة
في خضم هذا الانقسام، ظهر تحالف فجر ليبيا، خليط من كتائب مسلحة وقوى سياسية، سيطر على طرابلس بالقوة , لم يكن تنظيمًا موحدًا، بل ائتلاف مصالح، جمعته لحظة رفض نتائج الانتخابات و عبد الله الثني… حكومة بلا سيادة
كُلّف عبد الله الثني بتشكيل حكومة في الشرق : رجل إداري أكثر منه سياسي، قاد حكومة تعاني من نقص الموارد والاعتراف، لكنها استندت إلى دعم مجلس النواب والقيادة العسكرية , حكومته مثّلت سلطة قائمة، لكنها محكومة بحدود الجغرافيا والسلاح.
إبراهيم الجضران

النفط يدخل اللعبة  في موازاة الصراع السياسي، ظهر إبراهيم الجضران، قائد حرس المنشآت النفطية السابق، كلاعب خطير،سيطر على موانئ نفطية، وفرض واقعًا جديدًا.
النفط لم يعد موردًا وطنيًا، بل أداة تفاوض وابتزاز سياسي , من هنا، صار الصراع على الشرعية مرتبطًا مباشرة بالاقتصاد.

حفتر وعقيلة صالح

من الصندوق إلى الانقسام : لم يُحسم الخلاف على انتخابات 2014 بالقانون ولا بالحوار، بل بالسلاح، انقسمت البلاد فعليًا
شرق يتمسك بمجلس النواب والجيش
غرب تديره تحالفات مسلحة وحكومات متعاقبة، وبينهما، دولة تتلاشى.
بداية التدويل :

منذ تلك اللحظة، بدأ الخارج يدخل بثقل أكبر , كل طرف داخلي بحث عن حليف، وكل حليف وجد في ليبيا ساحة نفوذ , تحولت الأزمة من نزاع داخلي إلى ملف إقليمي ودولي مفتوح.
انتخابات 2014 لم تفشل لأنها كانت خاطئة في جوهرها، بل لأنها جرت في بلد لم يعد يملك دولة تحمي نتائجها , واليوم، بعد أكثر من عقد، تبقى الأسئلة معلّقة:
هل يمكن إجراء انتخابات في بلد لم يتفق بعد على معنى الدولة؟
هل تُبنى الشرعية بالصندوق أم بالسلاح؟
ومن يكتب الفصل الأخير في هذه الحكاية الليبية الطويلة؟

سيف الإسلام القذافي اغتيل في ظروف غامضة
سيف الإسلام القذافي اغتيل في ظروف غامضة

هذه الأسئلة تفتح الباب للحلقة القادمة من هذا الملف التحليلي،
حيث نقترب أكثر من السؤال الأصعب:
هل ما زال مستقبل ليبيا قابلًا للإنقاذ، أم أن الانقسام صار قدرًا؟

شارك المقال: