معتز منصور يكتب :لبنان بين السقوف
الطائفية ليست مجرد هوية، بل شبكة حماية وخدمات. الزعيم الطائفي ليس ممثلًا سياسيًا فقط، بل وسيطًا بين الفرد والانهيار

الأزمة اللبنانية ليست مجرد فشل إداري أو صراع مصالح عابر بين قوى سياسية، بل هي نتاج تراكم نظم إخضاع متداخلة جعلت نمط الحياة السياسية والاقتصادية يبدو طبيعيًا، بل خيارًا وحيدًا. منذ نهاية الحرب الأهلية، لم تُبن الدولة بهدف تمكين المواطنين، بل لإدارة التوازنات الداخلية تحت سقف إقليمي ودولي محدد. اتفاق الطائف لم يكن مشروعًا لدولة منتجة، بل تسوية للحفاظ على ما تبقى من النظام ومنع الانفجار، مما وضع المجتمع اللبناني في دورة إعادة إنتاج مستمرة لبنيته الاجتماعية والسياسية.
لبنان يعيش تحت ترتيب خارجي يفرض سقفًا واضحًا للحركة السياسية. هذا النظام لا يعمل فقط بالقوة العسكرية المباشرة، بل عبر شبكة واسعة من أدوات ضبط غير مرئية: العقوبات، التحكم بمسارات التمويل والمساعدات، إعادة تعريف مفاهيم الاستقرار والسيادة، وترتيب الحدود المقبولة للخيارات الداخلية. الأخطر أن هذا النظام لا يُعرض نفسه كقوة غاشمة، بل كمنطق عالمي؛ من يلتزم به يوصف بالعقلاني، ومن يخرج عنه يوضع خارج الإطار المقبول.
لكن هذا السقف الخارجي لم يكن ليصمد لولا البنية الداخلية التي أعادت إنتاجه داخليًا. الطائفية ليست مجرد هوية، بل شبكة حماية وخدمات. الزعيم الطائفي ليس ممثلًا سياسيًا فقط، بل وسيطًا بين الفرد والانهيار. الدولة في هذا السياق ليست مظلة سيادية منتجة، بل جهاز ضبط معطل، حاضر حين يجب المنع وغائب حين يجب البناء. هذا النظام المحلي لا يحكم باسم مشروع وطني، بل باسم إدارة الانهيار ومنع الفوضى.
ويعمل قاموس ثقافي وسياسي كامل على تثبيت الواقع. اللغة تحدد ما هو معقول وما هو متهور، ما هو واقعي وما هو حلم. المواجهة تُعاد تعريفها كمغامرة، الصمود يُحوَّل إلى عبء، والتبعية تُقدَّم كحكمة سياسية. لا يُقنع الناس بالخضوع، بل يُزرع فيهم الخوف من كلفة الخروج عن المسار المفروض. هذا الترتيب الاجتماعي والفكري لا يولد من فراغ، بل من تجربة انهيارات فعلية، لكنه أصبح قاعدة تحدد طريقة تفكير اللبناني واتخاذه للقرارات.
ويتكامل مع ذلك نموذج اقتصادي قائم على الريع والديون والخدمات، ينتج أفرادًا معلقين بين الحاجة والخوف، لا مواطنين أصحاب حقوق. السياسة تتحول إلى رفاهية، والخوض في خيارات كبرى يبدو ترفًا لمن يكافح لتأمين يومه. الحاجة اليومية ليست نتيجة عرضية، بل أداة ضبط مستمرة تعيد إنتاج التبعية وتكريسها.
في قلب هذا المشهد، برزت المقاومة منذ مطلع السبعينات واشتداد الاحتلال الإسرائيلي في الثمانينات، لا كعنصر رمزي، بل كفعل عملي أعاد رسم شروط الصراع. نشأت كرد فعل مباشر لغياب الدولة ولتراكم التجارب مع الاجتياحات المتكررة، وليس كخيار أيديولوجي مجرد. المقاومة لم تنشأ كسلاح فقط، بل كتجربة مجتمعية شكلت وعيًا جماعيًا في الجنوب، وبعلبك، والضاحية، حيث تحولت خبرة الصمود إلى جزء من الحياة اليومية: في التعليم والعمل المحلي، وتنظيم المجتمع المدني، وممارسة المواجهة السياسية والاجتماعية.
المقاومة نقلت الصراع من القبول بالاحتلال إلى الاشتباك، ومن التسليم بالتفوق الإسرائيلي إلى الردع الفعلي. هذا الفعل العسكري والسياسي أعاد فتح أفق كان مغلقًا وغيّر لغة السياسة المحلية والإقليمية، كما أثبتت تجارب التحرير عام 2000 وحرب تموز 2006. كل مرحلة من مراحل المقاومة أعادت تحديد العلاقة بين القوى المحلية والاحتلال والبيئة الإقليمية، وأكدت أن التفوق العسكري ليس العامل الحاسم الوحيد، بلقوى القدرة على إنتاج معنى بديل للواقع وربطه بحياة الناس اليومية.
لكن تعطيل التفوق الخارجي لم يلغِ البنية المحلية التي أعادت إنتاج نظم الإدارة والتحكم الاجتماعي. المقاومة عطلت سيف الاجتياح، لكنها عملت داخل مجتمع ما زال يعيش في شبكة خوف وحاجة. الاقتصاد الريعي، الزعامة الطائفية، والقاموس السائد للعقلانية، كلها استمرت في العمل، وأحيانًا استفادت من هذا الردع شرط أن يبقى محصورًا في المجال الأمني. هنا يظهر التوتر الدائم: قبول الفعل المقاوم دفاعيًا، ورفض تحوله إلى أفق سياسي شامل يعيد طرح أسئلة الدولة والاقتصاد والعدالة.
القوى السائرة في ركاب النظام الخارجي تدرك هذا التناقض. لذا لا تواجه المقاومة عسكريًا فقط، بل تعيد تأطيرها. تتحمل كلفة كل أزمة، تعزل فعلها عن سياقه التاريخي والسياسي، وتقدمه كعامل تشويش لا كفعل كشف خلل. التحدي الأكبر ليس الصمود أو الردع فقط، بل القدرة على ربط هذا الفعل بحياة الناس، بالعيش، بالكرامة، وبفكرة دولة ليست مجرد جهاز منع، بل مظلة سيادية منتجة.
الصراع اللبناني إذًا ليس بين أطراف سياسية فقط، ولا بين سلاح وسلاح مضاد، بل بين تصورين للحياة السياسية: تصور يرى أن البلد لا يمكن أن يعيش إلا تحت سقف خارجي مفروض وشروط محددة، وتصوّر آخر يرى أن القدرة على المواجهة شرط لاستقرار حقيقي، لا نقيضه. الأول يملك اللغة السائدة، والثاني يملك الفعل الذي كسر السقف. ما لم يتحول هذا الفعل إلى معنى جامع ومنظم للحياة العامة، ستبقى المعركة مفتوحة، لا محسومة.
فهم لبنان اليوم يتطلب الخروج من لغة الاختزال. ما يحكم البلد ليس قرارًا واحدًا، بل شبكة علاقات تضبط الخيال قبل السلوك. تعطيل التفوق الخارجي وتحقيق الردع هو خطوة أولى، لكن إعادة تعريف المعقول وربط القوة بالعدالة والسيادة بالحياة اليومية هو الخطوة الأصعب، والتي تحدد ما إذا كان الخروج من النظام، لا البقاء فيه، هو الخيار الطبيعي والعقلاني والقابل للحياة.






