هل تعيد السياسة رسم خريطة الذاكرة؟
أثار نقاش داخل مصر حول إعادة تسمية مؤسسة عسكرية عريقة تساؤلات مشابهة تتعلق بالعلاقة بين التحديث المؤسسي والحفاظ على الرموز التاريخية

صوة تعبيرية عن المقال
من القاهرة إلى دمشق
في وقت تتغير فيه خرائط السياسة، يبدو أن خرائط الذاكرة ليست بمنأى عن التحول من شوارع دمشق، حيث أُزيلت أسماء رموز مصرية بارزة مثل جمال عبد الناصر وعبد المنعم رياض من بعض اللافتات.
في القاهرة، حيث أُثير الجدل حول تغيير مسمى أكاديمية ناصر العسكرية، يتجدد سؤال قديم: من يملك حق تسمية الذاكرة العامة؟
وقائع متزامنة وسؤال واحد
تشير معلومات متداولة إلى أن السلطات المحلية في دمشق شرعت في إعادة تنظيم أسماء بعض الشوارع، في إطار تغييرات عمرانية وإدارية شملت إزالة أسماء شخصيات عربية ارتبطت بمرحلة سياسية بعينها.
في المقابل، أثار نقاش داخل مصر حول إعادة تسمية مؤسسة عسكرية عريقة تساؤلات مشابهة تتعلق بالعلاقة بين التحديث المؤسسي والحفاظ على الرموز التاريخية.
ورغم اختلاف السياقين، إلا أن الحدثين يكشفان عن ظاهرة واحدة: *إعادة تعريف الرموز في المجال العام وفق متغيرات اللحظة.
ضياء العوضي سيرة قلق انتهت بصمتٍ مُربك
سالم أبو رخا يكتب: مؤسس الإرهاب الأول هرتزل
سالم أبو رخا يكتب: “سعار” الهجوم الخليجي على مصر
الاسم ليس مجرد لافتة
يقول أحد الباحثين في التاريخ المعاصر — مفضلًا عدم ذكر اسمه — إن أسماء الشوارع والمؤسسات ليست مجرد إشارات مكانية، بل أدوات تعبير عن هوية سياسية وثقافية، مشيرًا إلى أن تغييرها غالبًا ما يعكس تحولات أعمق في رؤية الدولة لنفسها ولتاريخها.
ويضيف أن شخصيات مثل عبد المنعم رياض تحمل دلالات تتجاوز حدود الدولة، ما يجعل التعامل مع اسمها أكثر حساسية في السياق العربي.
بين التحديث والقطيعة
في القاهرة، يرى متابعون أن أي تغيير في أسماء مؤسسات ذات طابع تاريخي يطرح تساؤلاً حول حدود التحديث:
* هل يعني التطوير إعادة تعريف الرموز؟
* أم أن الحفاظ على الاسم جزء من استمرارية المؤسسة؟
ويؤكد أحد المتخصصين في الشؤون الاستراتيجية أن المؤسسات الكبرى تبني هيبتها عبر التراكم، والاسم جزء أصيل من هذا التراكم التاريخي.
المواطن.. شاهد على التغيير
بعيدًا عن التحليلات، يبرز صوت المواطن كعامل حاسم. يقول (م.ع)، موظف في الأربعينيات: “إحنا لسه بنقول أسماء قديمة في الشوارع.. حتى لو اتغيرت رسمي”
هذا التمسك لا يعكس موقفًا سياسيًا بقدر ما يعكس حاجة إنسانية للاستقرار، حيث تتحول الأسماء بمرور الوقت إلى جزء من الذاكرة اليومية والوجدان الشعبي.
جدل المعايير ومفارقاتها
في هذا السياق، تتصاعد أصوات تدعو إلى إعادة التفكير في معايير التسمية.
ويرى الباحث المصري ياسر الهواري أن محاولة طمس فترات كاملة من التاريخ بكل شواهدها قد لا تعكس قراءة متوازنة، مشيرًا إلى أن الإبقاء على أسماء الحكام المرتبطة بمشروعات أُنجزت في عهودهم يمكن أن يُفهم باعتباره توثيقًا تاريخيًا، وليس بالضرورة تمجيدًا سياسيًا.
في المقابل، يطرح مراقبون تساؤلات حول غياب إطار واضح يحكم هذه العملية، حيث يتم أحيانًا تغيير أسماء بينما تبقى أخرى دون مراجعة مماثلة، ما يعكس تأثر قرارات التسمية بالسياق السياسي اللحظي أكثر من اعتمادها على معايير ثابتة.
نحو ميثاق للتسمية
مع تكرار هذه الظاهرة، تبرز دعوات لوضع معايير أو *ميثاق* ينظم تسمية الشوارع والمؤسسات، بما يحقق توازنًا بين التطوير المؤسسي والحفاظ على الذاكرة العامة. ويرى متخصصون أن وجود مثل هذا الإطار قد يقلل من حالات القطيعة الرمزية التي تحدث مع كل تغيير سياسي.
الذاكرة.. هل تتغير؟
في النهاية، قد تتغير اللافتات، لكن السؤال الأعمق يظل قائمًا: هل تتغير الذاكرة فعلاً؟ التاريخ لا يُمحى بقرار إداري، بل يُعاد تفسيره باستمرار. وبين الإزالة والإبقاء، تبقى الذاكرة مساحة مفتوحة للنقاش الدائم.






