في رثاء عزام والبيت الصابر (خليل الحية)
خذوا من دمنا ما شئتم حتى ترضوا، هكذا لسان حال هذا الرجل الذي لم ينحنِ يوماً لعواصف السياسة ولا لمرارة الفقد. ارتقى عزام ليلحق بأسامة وحمزة وهمام
صورة تعبيرية عن المقال
ليس جديداً على هذا البيت أن يفتح أبوابه لاستقبال “المهنئين” لا المعزين، فالدكتور خليل الحية (أبو أسامة) لم يقدم ابناً واحداً فحسب، بل قدم كوكبة من فلذات كبده.
عزّام.. الركن الرابع في صرح التضحية
خذوا من دمنا ما شئتم حتى ترضوا، هكذا لسان حال هذا الرجل الذي لم ينحنِ يوماً لعواصف السياسة ولا لمرارة الفقد. ارتقى عزام ليلحق بأسامة وحمزة وهمام، ليؤكد أن القادة في هذا الميدان يكتبون بياناتهم بدم أبنائهم قبل حبر أقلامهم.
يا أبا أسامة، لقد سبقت أبناءك إلى الميدان، فسبقوك إلى الجنان، وأي فخرٍ هذا الذي تضيق به الكلمات

تاريخ الدكتور خليل الحية في الحركة النضالية
يمثل الدكتور خليل الحية نموذجاً للقائد الذي دفع الثمن شخصياً وعائلياً بشكل يفوق التصور .. نجا من عدة محاولات اغتيال، أبرزها في عام 2007 حين استهدفت طائرات الاحتلال ديوان “عائلة الحية” مما أدى لاستشهاد 7 من أفراد عائلته.
وُلد الحية في قطاع غزة عام 1960، وهو عضو في حركة «حماس» منذ تأسيسها عام 1987.
في أوائل الثمانينات، انضم إلى جماعة الإخوان المسلمين، الحركة التي انبثقت منها «حماس»، إلى جانب هنية والسنوار، بحسب مصادر في «حماس»

حصل على درجة البكالوريوس في الشريعة الإسلامية من الجامعة الإسلامية في غزة، ثم حصل على درجة الماجستير من الجامعة الأردنية و حصل على درجة الدكتوراه في السنة النبوية، وفي غزة، اعتقلته إسرائيل مرات عدة.
وخلال حرب 2014 بين «حماس» وإسرائيل، تم قصف منزل أسامة نجل الحية الأكبر، مما أسفر عن مقتله وزوجته و3 من أطفالهما.
ولم يكن الحية موجوداً في أثناء الهجمات.. وكان قد غادر غزة قبل سنوات عدة، حيث كان يشغل منصب مسؤول العلاقات مع العالمَين العربي والإسلامي في «حماس»، واتخذ من قطر مقراً له للقيام بهذا الدور..
ورافق الحية هنية إلى طهران في الزيارة التي قام بها في يوليو الماضي، التي اغتيل خلالها.
فاتورة الأبناء: عزام هو الابن الرابع؛ سبقه أسامة وزوجته وأطفاله في مجزرة الشجاعية عام 2014، ولحق بهم حمزة وهمام.
ضريبة الدم ومعدن القيادة
في تاريخ الحركات التحررية، لطالما كانت القيادة مرادفة للتقدم في الصفوف الأولى، لكن في فلسطين، وفي غزة تحديداً، اتخذت القيادة بُعداً تراجيدياً وملحمياً غير مسبوق.
إنها القيادة التي لا تكتفي بتقديم الرؤية والمنهج، بل تقدم “الأضحية” من أخصّ خصوصيات القائد: أبناؤه وفلذات كبده.
حين ارتقى “عزام” الابن الرابع للدكتور خليل الحية، لم يكن الحزن هو السمة الغالبة على المشهد فحسب، بل كان الفخر الممزوج بالثبات هو العنوان.
إن هذا الدم الطاهر الذي سال من بيت “الحية” يخرس ألسنة المزايدين الذين حاولوا طويلاً تصوير القادة بمعزل عن معاناة شعبهم.
ليثبت بالدليل القطعي أن دماء أبناء القادة هي الوقود الذي يشعل فتيل الصمود في غزة، وأن “الفنادق” التي يتحدث عنها المحرضون ما هي إلا خنادق تحت الأرض أو بيوت متواضعة فوقها، تُقصف فتتحول إلى معارج للشهادة.
ولا يقتصر الأمر على عائلة الحية، بل إن تاريخ غزة المعاصر كُتب بمداد من دماء أبناء القادة، وهو ما يشكل رداً حاسماً على حملات التشويه الممنهجة.
1. إسماعيل هنية: القائد الذي شكر الله على كرامة الشهادة
في مشهدٍ اهتز له الضمير العالمي، استقبل القائد إسماعيل هنية نبأ استشهاد ثلاثة من أبنائه (حازم، أمير، ومحمد) وعدد من أحفاده في يوم عيد الفطر بصلابة المؤمن.
لم يهتز، ولم ينسحب، بل قال كلمته الشهيرة: “أبنائي ليسوا أغلى من أبناء شعبنا”

هذا الموقف كشف زيف الروايات التي ادعت أن عائلات القادة بعيدة عن القصف، فالدماء التي سالت في مخيم الشاطئ كانت دماءً ملكية بمقياس النضال، ساوى فيها هنية بين أبنائه وأصغر طفل في غزة.
2- صلاح شحادة: مؤسس العمارة العسكرية وشهيد العائلة
القائد العام الأول لكتائب القسام، صلاح شحادة، لم يذهب وحيداً إلى ربه. حين استهدفه الاحتلال بقنبلة تزن طناً من المتفجرات في عام 2002، ارتقى معه زوجته وابنته “إيمان”
كان شحادة يعلم أن طريقه سينتهي بالشهادة، ولم يحاول تأمين عائلته في ملاذات آمنة بعيدة، بل بقوا معه في قلب الخطر، ليؤكدوا أن بيت القائد هو القدوة في التضحية.
3. نزار ريان: العالم الذي رفض مغادرة منزله
كان الدكتور نزار ريان يمثل ظاهرة فريدة؛ فهو العالم الأكاديمي والقائد الميداني. في حرب 2009، رفض ريان إخلاء منزله رغم علمه بالتهديد، واختار أن يستشهد مع زوجاته الأربع وأحد عشر من أبنائه وبناته.

كانت مجزرة عائلة ريان برهاناً ساطعاً على أن هؤلاء القادة لا يملكون “خطط هروب”، بل يملكون “خطط ثبات” تنتهي بالعناق الأخير مع التراب.
4. محمود الزهار: مرارة الفقد وحلاوة اليقين
قدم الدكتور محمود الزهار اثنين من أبنائه شهداء. الأول هو “خالد” الذي استشهد في محاولة اغتيال والده عام 2003، والثاني هو “حسام” الذي كان مقاتلاً في صفوف القسام وارتقى في اشتباك ميداني عام 2008. الزهار الذي ودع أبناءه بدموع الأب وصلابة القائد، أثبت أن البيوت القيادية هي بيوت مقاتلة بامتياز.
5. أحمد الجعبري: رئيس أركان المقاومة وشهيدها
القائد أحمد الجعبري، الذي كان يرتعد الاحتلال من ذكر اسمه، قدم ابنه “محمد” وصهره وعدداً من أقاربه في غارات سابقة، قبل أن يلحق بهم هو نفسه في عام 2012. الجعبري لم يكن يبني لابنه قصوراً، بل كان يبني له ولأجيال غزة طريقاً نحو التحرير، معبداً بالتضحيات الشخصية.

بين الحقيقة المضمخة بالدم والأكاذيب الإعلامية
تنشط غرف العمليات الإعلامية المعادية في محاولة لفك الارتباط بين الحاضنة الشعبية وقيادتها عبر الترويج لأسطورة “أبناء القادة في الفنادق”. والرد على هذه المزاعم يأتي من المقابر لا من المكاتب:
المساواة في المصير: حين يستشهد ابن خليل الحية في قصف مسيّرة، وأبناء هنية في قصف سيارة، وأبناء الزهار في اشتباكات، فهذا يعني أنهم كانوا في “الميدان” وليس في “الفنادق” الفنادق لا تقصفها الطائرات المسيرة وسط مخيمات اللاجئين.

التواجد الجغرافي: هؤلاء الشهداء ارتقوا في الشجاعية، والشاطئ، وجباليا، وهي أكثر المناطق فقراً واستهدافاً في غزة. لو كان هناك امتياز للقادة، لكان أبناؤهم أول من غادر، لكنهم كانوا أول من استشهد.
العمل الميداني: معظم أبناء القادة الذين استشهدوا كانوا منخرطين في العمل العسكري أو الإغاثي، مما يعني أنهم اختاروا أن يكونوا في مقدمة الصفوف، مدركين تماماً أن رتبة “ابن القائد” في غزة تعني أنك الهدف الأول لصواريخ الاحتلال.

لقد أثبت قادة غزة، من الشيخ أحمد ياسين وصولاً إلى الدكتور خليل الحية وإسماعيل هنية، أنهم “أباء الشهداء” قبل أن يكونوا “زعماء الفصائل”.
هذه الدماء هي الضمانة الوحيدة بأن هذه الحركة النضالية لا تموت، لأن القيادة التي تضحي بأغلى ما تملك لا يمكن أن تبيع ثوابت شعبها أو تتراجع عن عهد التحرير.
سلامٌ على عزام، وسلامٌ على آباء الشهداء الذين يعلموننا كل يوم معنى أن يكون الإنسان قائداً.. وإنساناً.. وشهيداً مع وقف التنفيذ.
شاركنا برأيك