مقالات
محمد مصطفى موسى
محمد مصطفى موسى

كاتب صحفي

محمد مصطفى موسى يكتب: العوضي شهيد الخرافة

ما إنْ لمع نجم الراحل الدكتور ضياء العوضي في سماء الـ"سوشيال ميديا"، عبرَ آرائه الغريبة أو قل خرافاته التي طرحها تحت عنوان ذي دلالة روحانية "الطيبات"، حتى انقسم الناس ما بين مؤيد ومعارض

مشاركة:
حجم الخط:

لا شيء أخطر من الديكتاتورية، ولا شيء أفدح ثمنًا منها على حاضر ومستقبل البشر، ولا شيء أقبح من الديكتاتور إلا مؤيديه “نخبة الطبَّالين” من عديمي الضمير والشرف.

هؤلاء الذين يعرفون الحقَّ غير أنهم يدلسون طمعًا في ذهب المعز، أو الحمقى الذين يستحقون الرثاء حينًا، ويستحقون ما هم فيه من نكد وشقاء معظم الأحيان.

ما إنْ لمع نجم الراحل الدكتور ضياء العوضي في سماء الـ”سوشيال ميديا”، عبرَ آرائه الغريبة أو قل خرافاته التي طرحها تحت عنوان ذي دلالة روحانية “الطيبات”، حتى انقسم الناس ما بين مؤيد ومعارض.

فمن واحد يُقْسِم بالله العظيم ثلاثًا أنه تماثل للشفاء من أخطر الأمراض على يديه، إلى آخر يهجو الرجل متهمًا إياه بالنصب والتدليس.
وبمنأى عن هذه الآراء وتلك، وبعيدًا عن شيطنة الراحل أو تأليهه، فالثابت يقينًا والمؤكد بحكم الأمر الواقع أن الطب لا يعرف الطيبات ولا يعترف بالخبائث.

معصوم مرزوق يكتب: فالس منفرد! 

كشف شبكة إعلامية رقمية تروج للرواية الأمريكية بشأن غزة وإيران

إيران من المقاومة إلى الندية

العلم لا يُبنى على مقولات سائبة على شاكلة: “لقد جربت هذا النظام فإذا به يشفيني من كل داء وعلة”، بل على التجارب والنتائج الموضوعية الصلبة التي تمر بمراحل طويلة وخطوات شديدة الصرامة، وهذه أبعد ما تكون عن العوضي ومنهجه العشوائي بالجملة.

في عمليات تسجيل واعتماد أي دواء، لا مجال لمقولة “هذا المكون شفاني من المرض”، بل إن الأمر يرتهن أصلًا بتجارب مخبرية وسريرية متصلة، تستهدف أولًا التأكد من مأمونية هذا الدواء، ثم التيقن من فعاليته، وهذه غير تلك.

قُبيل السماح لأي عقار أو “أسلوب علاجي” بأن يعطى للبشر، لا بد ابتداءً من تجربة المادة الفعَّالة لاختبار آثارها على خلايا بشرية في المختبر.

وبعد هذه المرحلة وفي ضوء نتائجها، يشرع العلماء في اختبارها على الحيوانات، لتقييم مستويات السُميِّة وكيفية امتصاص الدواء وتصريفه عبر الجهاز الليمفاوي.

ثم وإذا كانت المؤشرات إيجابية يتقدم مُصنعو العقار بطلب إلى الجهات الرقابية لتقييمه، وتعد منظمة الأغذية والأدوية الأمريكية أهم جهة مرجعية عالمية في هذا الصدد، إذ تسمح أو تحظر إجراء التجارب على البشر.
هذه “خارطة الطريق” التي أقرتها الدساتير الطبية.

ولا مجال لبدء الاختبارات السريرية بغير اجتيازها، وحتى الاختبارات السريرية لا تسير عشوائيًا، بل إنَّ لها ضوابط محكمة، من أهمها الدراسات “مزدوجة التعمية” وفيها يُختار فريقان من المرضى، فيتعاطى قطاعٌ منهم دواءً وهميًا، على حين يتعاطى القطاع الثاني الدواء الحقيقي.

وإمعانًا في تحري الموضوعية لا يحاط الأطباء الذين يتابعون الحالات علمًا بأي الفريقين أخذ هذه الجرعة وأيهما أخذ تلك، كما لا يعرف المرضى أنفسهم شيئًا عن ذلك,

هذا إجراء يتوخى استبعاد العوامل التي تتعلق بمسألة العلاج بالإيحاء التي كثيرًا ما تتحدث عنها المراجع الطبية، وملخصها أن اعتقاد المريض بفاعلية دواء معين قد يساهم في تحسن حالته.

على كل حالٍ، هذا تعقيد فني يطول شرحه، وإن كان واجبًا الإشارة إليه، حتى تتضح الأمور، ولا يختلط حابل العلم بنابله، وتسود ثقافة الـ”سمك لبن تمر هندي”، ولا يمتطي النصَّابون والجهلاء والموهومون المهرطقون خيول الخرافة، فيروجون للجهالة عبر استغلال حاجة البشر إلى الشفاء، وتحرقهم شوقًا إلى استرداد عافيتهم الضائعة.

لم يقدم العوضي -كما أسلفتُ- شيئًا من ذلك، فالرجل بغير دراسات أو فحوصات مخبرية أو تجارب يمكن الاعتداد بنتائجها، خرج بنظريته الغذائية الخرافية، وأطلق من الآراء ما قد يحدو بـأبي قراط إلى أن يطلق صوتًا سكندريًا حلقيًا على سبيل الاعتراض.

حرَّم أطعمة كالدواجن والبيض والخضروات الورقية بلا تفسير علمي، أو عبر تقديم تفسيرات علمية مبتورة ومجتزأة من سياقها.

من ذلك مثلًا مقولته إن الجهاز الهضمي للإنسان لا يعرف كيفية التعامل مع الكلورفيل ولا يهضم السيليوز في الورقيات، وهي مقولة صحيحة، كما أوضح عديد من الأطباء، لكنه تجاهل أن هذه الورقيات غنية بالفيتامينات والمعادن والألياف التي يحتاجها الجسم البشري، وبالتوازي أجاز “كوارث صحية” مثل إدخال مائتي وخمسين جرامًا من السكر الأبيض يوميًا إلى الجسم.

الأزمة الأولى أن هذه الخزعبلات تجد بطبيعة الحال تأييدًا من المرضى الذين أنهكهم الألم، فصاروا مثل الغرقي يتعلقون بأي قشة، وأن تلك الخزعبلات خرجت من الفضاء الإلكتروني فشاعت شيوعًا كبيرًا وسط العوام الذين تستلب عقولهم نظرية المؤامرة، ويعتنقون ما جعل العوضي ومؤيدوه يهرفون به من أحاديث مفتراة عن ضغوط “مافيا صناعة الدواء”، والمخاوف على حياة “العالم الكبير” الذي أوتي “العلم الحقيقي”، فإذا هو “طبيب فلاسفة” تُكلَّمه السماء، ويعرف وحده بلا شريك “الداء والدواء”.

الأزمة الثانية أن هذه الخرافات لن تنتهي برحيل العوضي، بل إنَّ هذا الرحيل المأساوي يسهم في شيوعها أكثر، ويؤدي بالتبعية إلى أن أرواحًا قد تراق على مذبح هرطقته.

لقد عرفت البشرية الطب والتداوي منذ أن قضى الله عز وجل بهبوط آدم وزوجه إلى الأرض، فالحياة على هذا الكوكب لم تَخلُ أبدًا من الأمراض والجوائح الوبائية.

ومع سعي الإنسان إلى العافية شرع يجرِّب العلاج بالأعشاب التي تنمو في البيئة المحلية، وبتراكم التجارب أصبح ثابتًا على سبيل المثال أن شراب منقوع العُنَّاب يخفض ضغط المرتفع، والزنجبيل مفيد لحالات البرد، والبابونج لاضطرابات الجهاز الهضمي، إلى آخره.

ثم مع التطور عرف الإنسان تجبير الكسور والحجامة والكي بالنار، وغير ذلك من وسائل الطب الشعبي والتقليدي، حتى بدأ الطب الحديث استنادًا إلى ذلك التراث الشعبي التجريبي يستخلص المواد الفعالة من النباتات، ليقدمها في عقاقير بعد دراسة آثارها مسبقًا ولاحقًا.
هذا كله لم يعجب العوضي، فإذا به يشطبه بلا أدنى حرج، ليخرج بخرافة “الطيبات”، والأكثر من ذلك أنه مع النجومية الواسعة التي حققتها له وسائل التواصل تحوَّل من فوره إلى ديكتاتور فظ غليظ القلب، لا يتردد عن سب معارضيه وازدراء مخالفيه، أو حتى التطاول على متابعيه إذا تجرأ واحد منهم فسأله سؤالًا لا يروق له.

تبدو ميلودراما العوضي في كثير من مظاهرها أشبه برواية نجيب محفوظ التي سبقت زمانها “قلب الليل”، ويبدو العوضي ذاته أشبه بشخصية “جعفر الرواي” التي أداها سينمائيًا نور الشريف في فيلم عاطف الطيب الذي حمل اسم الرواية.

في الرواية عكف الراوي بعد زواجه من امرأة ثرية، وبعد رحلة طويلة من التخبط في بحر الحياة المتلاطم، على وضع ما اعتبره نظرية اجتماعية وسياسية واقتصادية جديدة، قال إنها ستغيَّر تاريخ البشرية، غير أن تلك النظرية كانت محض “نتشات فكرية”، فثمة شيء من الاشتراكية وبعض من الرأسمالية وهنالك أيضًا شذرات من الفقه الإسلامي، ولا رابط يربط بين تلك المتفرقات المتنافرة ولا سياق علمي يوفق بينها.

وحين عرض الرواي تلك الخزعبلات على صديق له، فأفضى له الأخير بحقيقة تهافتها الفكري وخوائها العلمي ما كان إلا أن قتله، فالديكتاتور الذي يسكن في أعماق ذاته، لا يطيق المعارضة، لا يقبل المجادلة.

بالمثل ارتكب العوضي جريمة قتل، لكنها ضد نفسه، حين طبَّق نظامه الفاسد على ذاته، فمات وحيدًا في غرفة صامتة بأحد فنادق دبي، من أثر إصابته بجلطة في القلب، وذلك لأنه كان يمتنع فترات طويلة عن شرب الماء الذي جعل الله منه كل شيء حي.

أغلب الظن أن العوضي لم يكن نصَّابًا كاذبًا على غرار سيء الذكر “عبدالعاطي كفتة”، بل كان مجرد ديكتاتور فارغ أجوف، آمن بذاته وحدها، وظن أنه “الذي نظر الأعمى إلى طبه وعالجت طرائقه من به ألمُ” فإذا به يسقط صريعًا تحت وطأة نفسه المنفوشة خيلاءً كاذبًا وجهلًا ثقيلًا.

المؤسف من قبل ومن بعد أنه ككل ديكتاتور تافه، كان له أتباع ومريدون في حياته، وسيكون له أتباع ومريدون بعد رحيله.

المؤسف أكثر أن شرور خرافاته وآثارها الكارثية لن تنتهي بنهايته، وأن الستار لن يُسدل على تلك الميلودراما، طالما أن بعض البشر يجنحون إلى اقتفاء الخرافات، ويسيرون كالخراف معصوبي العيون خلف القصَّاب إلى حيث يُنحرون، وعندئذٍ لن تكون هنالك جدوى من السؤال عما إذا كانوا جناة أو مجنيًا عليهم.

شارك المقال: