زكريا صبح يقرا: مجموعة شريف عبد المجيد (جامع العملات القديمة)
السمة الثانية من سمات التجريب في هذه المجموعة هي حرص الكاتب على تنوُّع الرواة، فعل ذلك عن قصد، وهو أمر يجعل القارئ في حالة من المتعة حيث لا يألف حيل الكاتب الفنية، ومن ثَم يظل منتبهًا كيف يختار الكاتب رواة قصصه.
غلاف مجموعة شريف عبد المجيد جامع العملات القديمة
كما ينحرف أحدنا إلى محل عصير القصب في يوم قائظ ليشرب كوبًا مثلجًا منه ليبل ريقه ويرطب خلاياه، كذلك يفعل شريف عبد المجيد بنصوصه، التي تشبه كوب العصير المثلج في يوم شديد الحرارة.
وكما يقدم بائع العصير منتجه بعد عصر عيدانه في سهولة ويسر كأنه لم يصنع شيئًا، كذلك يُقدِّم لنا شريف عبد المجيد نصوصه في سهولة ويسر، فنرشف منها الفن المقطر، ونلتذ بطعمها في أرواحنا كما تلتذ عروقنا ونحن نشرب كوبًا من العصير المثلج في يوم ملتهب، فتهدأ الروح ويسري الخدر في الأعصاب فنغمض العيون ونحن نقول بلسان حالنا قبل مقالنا: «الله!»
التجريب في المجموعة القصصية
شتان بين أن يحمل الكاتب كاميراته باحثًا عن لقطات تصلح لأن تكون سردًا قصصيًّا، أو يتابع بعينيه كل غريب من أجل إعادة إنتاجه حكاية سردية، أو ينغمس في الواقع أو الخيال من أجل رصد ما يخفى عن الآخرين ليخلد موقفًا أو شخصًا أو حدثًا أو حكاية.
أقول شتان أن يعمد الكاتب إلى ذلك في ذاته وأن يكون هدفه أن يفعل كل ذلك متلمسًا قوالب وأشكالًا جديدة فيما يُعرَف بـ«التجريب»
التجريب اصطلاح فني، ينطبق على كل الفنون، وفيه يحاول الفنان أن يهرب خارج الصندوق النمطي
فإذا كان أديبًا قاصًّا أو روائيًّا فإنه يحاول أن يأتي نصه على غير نسق سابق أو شكل تقليدي اعتاده القارئ والنقاد على حد سواء، شتان بين هذا وذاك
وقد يفعل الكاتب ذلك عن غير وعي منه، فنصفق له، فما بالك وقد فعله كاتب هذه المجموعة عن وعي، بل مع سبق الإصرار والترصد لـ«التجريب»
هذه أول سمة من الممكن أن يرصدها ناقد أو قارئ نابه يعرف تقنيات السرد التقليدي ليتأكد أنه أمام عمل تجريبي.
قد يفهم البعض أن الكاتب حينما يلجأ للتجريب فإن ذلك يشير من بعيد إلى أن الكاتب لم ينضج بعد، ولذا فهو لم يزل في مرحلة التجريب، ولكن هذا يُعَد فهمًا قاصرًا، بل يضاد الحقيقة.
إذ الكاتب الذي ينغمس في التجريب ليس إلا كاتبًا قد أرهقته النمطية والتقليدية.
مظاهر التجريب في قصص المجموعة
1- تقسيم القصة إلى مشاهد مرة وإلى مقاطع مرقمة مرة أخرى أو إلى مقاطع معنونة مرة ثالثة، وهذا لعمري تجريب محض، لأنه يضاد الفكرة التقليدية عن القصة القصيرة التي تعني في أذهان كثيرين أنها ليست إلا نصًّا واحدًا، كتلة سردية واحدة، لا يفصلها فاصل، فما بالك لو كانت فواصل؟!
ظهرت هذه السمة التجريبية في النص الأول في المجموعة التي جاء التقسيم فيها إلى مشاهد، وقد أشار الكاتب إلى ذلك في عنوان القصة الأولى (مشاهد من حياة ساحر قديم)
إذن فنحن مقبلون على مشاهد وليس مشهدًا واحدًا يمثل جسد القصة وكتلتها السردية.
قد أسعف هذا التقسيم الكاتب في تحطيم الزمن الذي يميز القصة القصيرة من حيث هو فترة زمنية قصيرة ومحددة؛ ما أعطاه فرصة ذهبية لسرد حياة البطل الطويلة ذات المأساة الحزينة.
ثم ظهر التقسيم مرة أخرى في قصة (جامع العملات القديمة)، ولكنه -أي التقسيم- لم يكن مشاهد بل مقاطع معنونة، وكل عنوان يعالج فترة زمنية مختلفة وصورًا مكانية مختلفة أيضًا.
فعنوان قرار التنكيس حدَّثنا عن البيت القديم وأشار إلى جانب زمني من حياة البطل.
في مقطع بيت جدي، حدثنا عن زمن آخر وعلاقة الإنسان بالمكان القديم.
ثم مقطع الكنز يمثل لحظة الكشف وجوهر العقدة القصصية، حيث يحلم البطل أن حياته ستتغير، ثم مقطع الفرز فمقطع الحلم ثم مقطع يشير إلى انتقالة زمنية تحت عنوان (صباح اليوم التالي) ثم مقطع الصدمة ويليه مقطع الحل السحري وأخيرًا الحلم الأخير.
كل هذه المقاطع ذوبت الزمن الذي هو شرط قاهر من شروط القصة القصيرة، وأيضًا حطمت فكرة الحيز المكاني؛ فرأينا الكاتب أكثر تحررًا في تطوافه في أماكن مختلفة.
على منوال المقاطع المعنونة جاءت قصة (بث مباشر) حيث تحولت بهذه التقسيمة إلى قصة أصوات على غرار ما يُعرَف في الرواية بـ«رواية الأصوات»
حيث يتولى كل صوت سرد الحكاية من وجهة نظره، ولذا جاءت المقاطع تحت عناوين (حديث حماة أحمد)، ثم عنوان (الترند)، ثم عنوان (حلقة أخرى من البرنامج) ثم تقرير النيابة الذي يناقش ملابسات الانتحار.
ثم عنوان (حالة مروة)، ثم مقطع بعنوان (حنان أخت أحمد)، وعلى النهج نفسه جاءت قصة مقتل السيدة الألبانية.
حيث جاءت مقاطعها معنونة، الأمر الذي أعطى الكاتب حرية التنقل زمانيًّا ومكانيًّا؛ فلم يشعر القارئ بطول الزمن ولا بتعدد الأمكنة، ويظل مذاق القصة القصيرة عالقًا بنفس القارئ.
2- تعدُّد الرواة
السمة الثانية من سمات التجريب في هذه المجموعة هي حرص الكاتب على تنوُّع الرواة، فعل ذلك عن قصد، وهو أمر يجعل القارئ في حالة من المتعة حيث لا يألف حيل الكاتب الفنية، ومن ثَم يظل منتبهًا كيف يختار الكاتب رواة قصصه.
تنوع الرواة بين الراوي العليم والراوي المشارك بضمير المتكلم والراوي المخاطب، حيث يجعل الكاتب من نصه سرًّا يهمس به في أذن قارئه حينًا، ويجعل منه صديقًا مقربًا يخاطبه من كثب.
فيشعر كل قارئ كأن الكاتب يخصه بالحديث وحده، ومن أمثلة القصص التي اختار لها راويًا عليمًا قصة (مشاهد من حياة ساحر قديم)
ومن أمثلة الراوي المشارك بضمير المتكلم قصة (جامع العملات القديمة) بينما من أمثلة الراوي المخاطب لغيره قصة (السبع عرائس)
وما أسوقه الآن من قصدية الكاتب في تغيير رواته إنما أسوقه كي أؤكد فهم الكاتب العميق لروح الفن.
اللعب هو روح الفن «ألسنا نقول دائمًا: الفن لعب؟» فإنه يمارس ألعابه الفنية ممارسة المحترف الذي يعرف كيف يحصد إعجاب قرائه وتصفيقهم.
3 -من سمات التجريب أيضًا وعي الكاتب بالاستهلال، فلم يشأ لنص من نصوصه أن تكون بدايته شبيهة ببداية نص آخر.
وربما كانت أبرز تلك البدايات استهلاله قصة (جامع العملات القديمة) بقول الراوي المشارك: «عدد خمسين ربع جنيه مثقوب إصدار 1993، عدد ثلاثة قروش أبو الهول إصدار 1958، عدد مليم وعشرة قروش إصدار 1984»
هكذا حتى يقول في الفقرة السردية الأولى:
“عند عودتي من العمل وجدت زوجتي تقول لي: إن جاري القديم في شارع الأشراف…»
إلى آخر الفقرة السردية كما اعتدناها دائمًا، بينما تظل بداية القصة مدهشة وتُمثِّل مغامرة تجريبية ناجحة جدًّا.
يظل تجريب الكاتب لتقنية واحدة جديدة أو لعمل شكل أو قالب واحد جديد، نجاحًا منقطع النظير، فما بالك بثلاث حيل فنية رائعة حاول فيها الكاتب كسر النمطية والتقليدية التي تشمل كثيرًا من الإبداعات السردية في وقتنا الراهن!
التقنيات التقليدية في مجموعة تجريبية
لا شك أن السرد بمفهومه التقليدي هو أساس الإبداع القصصي والروائي، وإذا كنا بدأنا بالحديث عن التجريب، فإن ذلك من باب التركيز على جديد الكاتب في إبداعه، وليس معنى التركيز على التجريب أن نصوص العمل تخلت عن التقنيات التقليدية، بل كانت أساسًا متينًا ارتفع فوقه صرح الكاتب السردي.
من أمثلة هذه التقنيات:
1-كسر الحائط الرابع بلغة المسرح؛ حيث يتخلى الكاتب عن السرد بضمير الغائب ليشرك معه القارئ في لمحة خاطفة.
كما جاء في قصة (غرفة 82) حيث بدأ السرد بضمير الغائب، ثم اتجه بحديثه مباشرةً في مفاجأة رائعة مُحدِّثًا قارئه قائلًا: «ولن تصدق أنت ما حدث له، إلا عندما تعرف كيف بدأ كل ذلك»
هكذا يأخذ بيد قارئه ليشركه معه أو لنقُل ليورطه معه في إنتاج النص عن طريق التلقي الإيجابي.
المعادل الموضوعي
هي تقنية يلجأ إليها الكاتب جاعلًا من هذا المعادل خلفية للحدث الرئيس، ما يضفي على الأحداث شعورًا نفسيًّا ومعنويًّا عميقًا.
في قصة (الغرفة 82) حيث يقول على لسان البطل:
«أجلس في حديقة المصحة الواسعة بجوار شجرة الأكاسيا بزهورها الصفراء، لأنها تشبهني، فأنا أيضًا أموت في بيئة طاردة لا يعتني أي أحد بمشكلاتي»
هنا التماثل بين البطل حال ضعفه وانهزامه وشجرة الأكاسيا التي تتساقط عنها أوراقها الصفراء؛ فتضيف جوًّا من الحزن، إضافة إلى صورة البطل الحزينة لما يعانيه من تجاهُل ووحدة.
تقنية الاستباق
استخدمها في السطر الأول من قصة (بث مباشر) حيث يقول: «لن يصدقوا ما سأفعله، سأصدمهم جميعًا وأجعلهم يعضون أصابعهم من فرط الندم، سأضعهم أمام ضمائرهم الخربة… إلى آخر الفقرة»
وتأمَّل معي حرف السين الذي أدخله على الأفعال (أفعل، وأصدم، وأضع) حرف سين الذي يحيل الفعل إلى المستقبل، كأن هذا النص كله سيقع مستقبلًا ولم يقَع بعد، وحسنًا فعل الكاتب حيث هرب من صعوبة أن يتكلم البطل عن نفسه بعد موته أو انتحاره.
تقنية الاسترجاع
كادت هذه التقنية تكون العامل المشترك بين جميع النصوص، فلم تخلُ قصة منها، وقد برع الكاتب في توقيت استخدامها،
بحيث لا يشعر القارئ بأي فجوة أو انتقالة مفتعلة.
نجد ذلك: بداية المشهد الأول من قصة (مشاهد من حياة ساحر قديم)؛ حيث يقول:
«لحظة لا تُنسَى انطبعت في ذاكرته عندما حان موعد ولادة ابنته الكبرى». ثم يخوض بنا بحر الذكريات ساردًا ما كان في هذه الليلة.
على هذا النحو سار الكاتب في معظم قصصه إن لم يكن في جميع القصص؛ حيث يتوقف عند نقطة زمنية يتذكر فيها البطل بعض ما حدث في الماضي، ثم يعاود استكمال نصه.
تقنية تحويل التقرير إلى تصوير
هذه سمة الفن الأصيل؛ إذ الذي بيننا وبينهم -أقصد العاملين بالصحافة أو كُتاب المقالات وغيرها- هو خلق مشاهد مصورة تصويرًا فنيًّا يجعل القارئ كأنه يسمع ويرى.
هذا ما فعله شريف عبد المجيد في هذه المجموعة بنعومة شديدة، وما أصعب أن يكون أسلوب الكاتب سهلًا ممتنعًا!
فقد يبدو للقارئ العادي أداءً سهلًا؛ إذ المفردات هي عينها التي يستخدمها القارئ في حياته اليومية، لكن الكاتب وحده هو القادر تحويل العادي من الكلام إلى فن.
ربما يسوقنا هذا الأمر إلى الحديث عن اللغة التي استخدمها الكاتب، وبشيء من التمعن يتضح لنا أننا أمام لغة ميسورة لم تجنح إلى التقعر ولا افتعال المجازات.
لغة أقرب ما تكون إلى اللغة اليومية لرجل الشارع.
يقول الراوي في قصة (مشاهد من حياة الساحر القديم)
«في الحجرة الصغيرة التي يتخذها غرفة للمكياج بالمدرسة الدولية الشهيرة، جلس ليضع الرتوش الأخيرة على وجهه، وضع كريم الأساس الأبيض على جبينه وخديه، ثم وضع دائرة حمراء على خده الأيمن ومثلها على خده الأيسر، وضع أحمر شفاه غليظًا على شفتيه، أتبعه رسمة حمراء عريضة على فمه، لتبرز شكل الابتسامة عندما يضحك، تيقن للمرة الأخيرة من وجود الأدوات…»
فهل صادفت فيما قلته مجازًا أو استعارة؟
أسمعك تقول: «لا، ولن تجد في المجموعة كلها جنوحًا نحو مجاز مفتعل» لكن في الوقت ذاته أظنك كنت تشاهد من كثب ما يقوم به الساحر من تجهيزات لما سوف يُقدِّمه للمشاهدين.
أرجأت الحديث عن المضمون حتى أنتهي من الحديث عما يُميِّز الفن عن غيره قاصدًا الإجابة عن سؤال (كيف)، كيف عرض الكاتب مضمون قصصه؟
وهنا يبرز سؤال:
هل الكاتب تعمَّد اختيار موضوعات قصصه أم أنه جمعها كيفما اتُّفِق؟
ربما يكون في الإجابة عن هذا السؤال تأكيد لفكرة مؤداها أن لكل كاتب عالمه المغمور، ولذا ستجد كاتبًا يهتم بالمرأة، وآخر يهتم بالرجل، وثالث يهتم بالفقراء، وآخر يهتم بعالم الأثرياء، وهكذا.
وهذه المجموعة أبرزت لنا عالم شريف عبد المجيد، عالم المنكوبين، نعم، إنك واجد حيثما قرأت رجلًا منكوبًا أو امرأة منكوبة أو أسرة منكوبة أو شابًّا منكوبًا.
وهنا تتفاوت النكبة من شخص لآخر، ففي القصة الأولى رأينا كيف يتحول الرجل من عمله مدرسًا إلى ساحر أو ساخر أو مهرج من أجل لقمة العيش، وليته وجد تقديرًا، بل وجد خيانة للأسف!
في قصة (جامع العملات القديمة) رأينا كيف أن الكنز لم يكن ذا عائد، وأن العائد جاء من التكنولوجيا الحديثة.
في (العشاق) يتقابلون في البورصة، رأينا كيف تنكرت حبيبة الجامعة لحبيبها بعد أن صارت ثرية، فيما ظل هو فقيرًا.
في (الحجرة 82) رأينا كيف صار حال البطل إلى الجنون، أو هكذا دفعوه إليه فقط؛ لأنه كان متميزًا ونابهًا، وكيف أن الجميع تخلَّى عنه، حتى صديقه الذي أصبح عضوًا في مجلس الأمة.
وعلى هذا النحو جاءت قصص المجموعة تُحدِّثنا عن أبطال منكوبين، أبرزت لنا معاناتهم ورسمت لنا نهايتهم المأساوية.
وثيق الصلة بمضمون القصص القضايا التي ناقشتها، فهل ننكر أنه ناقش قضية الفقر المدقع وحلم أسرة بسيطة بكيلو لحم في قصة (نصف ابتسامة)؟
وهل ننكر أنه ناقش الإنسانية المحضة التي لا تعترف بفرقة الأديان كما جاء في قصة (حكيم)؟
وكثير وكثير من القضايا التي ناقشها الكاتب وعالج مأساة أبطالها، وعلى ذلك فقد جاءت اختياراته عن قصد لا عن صدفة.
وبعد،
فإننا كنا ولا نزال مع مجموعة بديعة على مستويات عدة، نجح فيها الكاتب نجاحًا كبيرًا في معظم مستوياتها تاركًا أثرًا طيبًا في نفوس قرائه.
لم يبق إلا أن تنال هذه المجموعة ما تستحقه من النقاشات، ثم ترشيحها لعديد من الجوائز التي تستحقها عن جدارة.
شاركنا برأيك