أربعة أعمال تعيد تشكيل الحرف العربي في الشارقة
آلاف الأكواب الورقية المعدّة للاستخدام مرة واحدة، جمعها الفنان البحريني علي مليح في عمله «هاء»، ورتّبها في تكوين نحتي كبير.
تشكيل الحرف العربي في الشارقة
في مركز 1971 للتصاميم بجزيرة العلم، افتُتح معرض «في حسبان» بحضور محمد إبراهيم القصير، مدير إدارة الشؤون الثقافية في دائرة الثقافة بالشارقة ومدير ملتقى الشارقة للخط، وأحمد عبيد القصير، المدير التنفيذي لهيئة الشارقة للاستثمار والتطوير «شروق».
ويضم المعرض، الذي يقام ضمن فعاليات الدورة الثانية عشرة من الملتقى، أربعة أعمال فنية لثلاثة فنانين من الإمارات والبحرين وباكستان، تستكشف إمكانات الحرف العربي في التشكيل المعاصر، مستفيدة من خامات وأساليب فنية متنوعة.وتجوّل القصير والحضور بين الأعمال المعروضة، متعرفين إلى تفاصيلها وطرائق تنفيذها. ويستمد المعرض، الذي تشرف على تقييمه الفني نور سهيل، عنوانه من مفهوم «الحُسبان»، المرتبط بالحساب الدقيق وانتظام الأشياء، والوارد في قوله تعالى «الشمس والقمر بحسبان».
وتتصل هذه الدلالة بشعار الملتقى «ميزان» الذي يجد تعبيراته الفنية في العلاقات بين الإيقاع والوزن والشكل. ويستمر المعرض حتى الخامس من فبراير 2027.
البحر حين يصير وزنًا
استعادت الفنانة الإماراتية حصة لوتاه في عملها «بحر بلا ساحل» واحدًا من بحور الشعر العربي، هو البحر السريع، مستلهمة العبارة المعروفة في علم العَروض «البحر السريع ما له ساحل».
وقد جمعت في تكويناتها بين الإيقاع الشعري وحركة البحر وأمواجه، مستفيدة من المعنيين اللذين تحملهما كلمة «بحر»
ومن هذه العلاقة بين اللغة والطبيعة، صنعت لوتاه عملًا يتألف من أربع قطع قماشية شفافة معلّقة، تنتهي بحواف متموجة تستحضر حركة الماء وتغير خطوط الساحل.
وعلى امتداد تلك الحواف، حيكت حبات شبيهة باللؤلؤ، تتجاور لتشكّل كلمات عربية، وتضيف إلى الأقمشة الرقيقة ثقلًا يؤثر في هيئتها وطريقة تدليها.
وتجمع هذه المعالجة بين وزن القصيدة، الذي تضبطه التفعيلات، والثقل المادي للحبات التي تشد القماش إلى أسفل.
وهكذا يجد مفهوم «الميزان» تعبيرًا محسوسًا في تفاصيل العمل، من خلال العلاقة بين الإيقاع الشعري والكتلة والحركة.
ويستند هذا الاشتغال على الحروف إلى خبرة لوتاه في التصميم الجرافيكي وفنون الطباعة والبحث البصري.
وقد درست التصميم في جامعة زايد بدبي، وحصلت على الماجستير في الفنون الجميلة، تخصص التصميم الجرافيكي والتجربة البصرية، من كلية سافانا للفنون والتصميم. وتتناول في أعمالها موضوعات الهوية والثقافة المحلية.
حرف الهاء من الورق والتيتانيوم
آلاف الأكواب الورقية المعدّة للاستخدام مرة واحدة، جمعها الفنان البحريني علي مليح في عمله «هاء»، ورتّبها في تكوين نحتي كبير.
وعلى سطحه تمتد خطوط من التيتانيوم المصقول، ترسم صورة مكبّرة لحرف الهاء، في معالجة تجمع بين مادة استهلاكية مألوفة وأخرى معدنية تحتفظ ببريقها وصلابتها.
ويؤثر اختلاف اتجاه الأكواب في الهيئة البصرية للتكوين، وفي استقبال الصوت داخل محيطه، وفق التصور الفني للعمل.
ويستثمر مليح هذه الخصائص في تناول العلاقة بين الظاهر والباطن، وما يمكن أن تحمله الأشياء الاعتيادية من معانٍ بعد تغيير وظائفها وأشكالها.
لحرف الهاء خصوصية صوتية استثمرها مليح في تكوينه، فهو يرتبط بالنَّفَس الإنساني، ويخرج من أقصى الحلق.
وقد وجد الفنان في هذه الصلة بين الحرف والصوت مدخلًا لتجربة تستفيد من خصائص الخامات المستخدمة، ومن إمكانات الخط العربي في التشكيل النحتي.
يجمع مليح في ممارسته الفنية بين اهتمامه بالخط العربي ودراسته للهندسة المعمارية في جامعة البحرين.
وهو مؤسس استوديو «قرطاس» المتخصص في التصميم والخط، وقد بدأ تعلم هذا الفن اعتمادًا على الكتب والتجارب الشخصية، قبل أن يتجه إلى إسطنبول عام 2013، ويتلقى دروس التصحيح على يد الخطاط الراحل حسن جلبي، مواصلًا صلته بالمدرسة التقليدية للخط العربي.
أبجدية يمكن الجلوس عليها
في عمل «أبجدية الجلوس»، يمنح الفنان الباكستاني شبير مير الحروف العربية وظيفة غير مألوفة؛ إذ يحوّلها إلى تكوينات نحتية قابلة للجلوس، مستلهمًا الخصائص الشكلية للهمزة وما يطرأ عليها من تغيرات داخل نظام الكتابة العربية.
فالهمزة تتخذ صورًا مختلفة تبعًا لموضعها وحركتها وحركة الحرف الذي يسبقها، فتُكتب على الألف أو الواو أو الياء، وقد تأتي منفردة على السطر.
وقد وجد مير في تنوع هذه الصور وعلاقاتها بالحروف الأخرى ما يدعوه إلى تأمل الحركة والتكيف والتوازن داخل بنية اللغة.
وتتحول هذه الفكرة إلى أشكال نحتية تتيح للمشاهد الجلوس عليها، والتفاعل مع بنية الحرف من خلال اللمس والوزن والتوازن.
ويصبح الجسد جزءًا من التجربة الفنية، يستكشف هيئة التكوين وصلابته وعلاقته بالمكان، في اتصال مباشر مع أشكال استمدت أصولها من الكتابة العربية.
وتلتقي في هذا العمل خبرة مير بالنحت واهتمامه بالخط العربي، وما يتيحه الجمع بينهما من تكوينات تستفيد من خصائص الخامات المختلفة.
وقد درس الفنان التصميم الجرافيكي في الكلية الوطنية للفنون بمدينة لاهور الباكستانية، ويقيم ويعمل حاليًا في دبي، متنقلًا في ممارسته الفنية بين التصميم والنحت والتجريب في المواد والأشكال.
الخط الأردي على حاجز المبنى
على حاجز مبنى مركز 1971 للتصاميم، تتتابع أشكال الحروف المعدنية في تكوينات تستلهم امتداد نبات اللبلاب المتسلق.
وقد اختار الفنان الباكستاني شبير مير هذا الموضع الخارجي لتقديم عمله الثاني «مكيال الوجود»، مستفيدًا من العناصر المعمارية في تحديد امتداد الحروف وتوزيعها.
ويستمد العمل مادته الفنية من الشعر الأردي، ومن العلاقة التاريخية بين اللغة الأردية والخط العربي الذي تطورت عنه أشكال كتابتها.
وقد اهتم مير بهذه الصلة بين اللغتين، وما صاحبها من تطور في الخصائص الخطية والجمالية، ليقدم تكوينًا تتداخل فيه الكتابة مع العمارة المحيطة بها.
تنتشر الحروف المعدنية على امتداد الحاجز، مستفيدة من تكرار أشكالها واختلاف اتجاهاتها في تكوين إيقاع بصري يتغير تبعًا لموقع المشاهد.
وتسمح هذه المعالجة برؤية الخط الأردي ضمن عناصر المبنى، والتعرف إلى خصائصه التشكيلية من خلال علاقته بالفراغ والمساحات المعمارية.
وتظهر في «مكيال الوجود» صلة واضحة بين اهتمامات مير بالنحت والتصميم، ورغبته في اختبار قدرة الحروف على التكيف مع مواضع جديدة.
ففي هذا العمل تتوزع الأشكال الخطية خارج قاعة العرض، وتمتد بمحاذاة الحاجز، متتبعة خطوطه ومساحاته، فيما يستطيع الزائر تأمل تفاصيلها أثناء مروره حول المبنى.
شاركنا برأيك