د. عابدين محمود البرادعي يقرأ: رواية (المتشابهون) للروائي أحمد طايل
من العناصر المهمة في الحبكة أرض السرايا، وما يرتبط بها من صراع مع أصحاب المصالح والفساد، وهو ما يعطي الرواية بعدًا اجتماعيًا يتجاوز العلاقات الأسرية.
غلاف رواية المتشابهون للروائي المصري أحمد طايع
رواية «المتشابهون» للكاتب المصري أحمد طايل، وهي رواية ذات طابع اجتماعي وإنساني وفكري، تقوم فكرتها الأساسية على مفهوم التشابه بين البشر، ولكن ليس التشابه الجسدي أو الشكلي، وإنما تشابه الأرواح والأفكار والرؤى وأنماط السلوك والحياة.
ويضع الكاتب هذه الفكرة منذ البداية في عتبة النص من خلال عبارة: «يخلق من الشبه أربعين»، ثم يجعلها مفتاحًا لفهم العمل كله.
واللافت أن الرواية لا تكتفي بطرح الفكرة في بدايتها، وإنما تعود إليها في نهايتها بصورة أكثر وضوحًا؛ فالتشابه عند الكاتب قد ينتقل عبر الأجيال، وقد يجمع أشخاصًا فرقت بينهم الأماكن والظروف والثقافات
السؤال المركزي الذي تطرحه الرواية
هل الإنسان يصنع شخصيته بصورة مستقلة، أم أن العائلة والموروث والبيئة والتاريخ يعيدون إنتاج الإنسان في صور متشابهة؟
ومن هذا السؤال تتفرع مجموعة من الأسئلة:
إلى أي مدى يرث الأبناء صفات الآباء؟
هل التشابه قدر لا يمكن الخروج منه؟
هل يمكن للإنسان أن يتمرد على الموروث دون أن يفقد جذوره؟
هل الاختلاف بين البشر حقيقي أم أن وراءه تشابهًا أعمق؟
هل الانتماء إلى المكان يظل قائمًا حتى بعد الهجرة والاغتراب؟
وهل يمكن أن يجد الإنسان راحته عندما يعثر على شخص أو أشخاص يشبهونه في الروح والفكر؟
هنا تتحول الرواية من مجرد حكاية اجتماعية إلى تأمل في طبيعة الإنسان وعلاقته بالموروث والآخرين.
دلالة العنوان “المتشابهون”
العنوان هو أهم مفاتيح الرواية، فلو كان المقصود بالتشابه هو الشكل الخارجي فقط، لأصبح العنوان محدود الدلالة.
لكن الكاتب يوسع المفهوم ليشمل الأفكار والأرواح والرؤى وتحليل المواقف والسلوك.
في خاتمة الرواية يتأكد ذلك صراحة، إذ يصبح التشابه رابطًا بين أشخاص قد يعيشون في أماكن مختلفة ويمارسون أعمالًا مختلفة.
هنا تظهر المفارقة:
الشخصيات مختلفة في الظاهر، لكنها متشابهة في العمق.
فقد نجد شخصًا مصريًا وآخر يونانيًا، أو شخصًا يعيش في القرية وآخر في باريس، ولكن يجمعهم شيء أعمق من المكان والجنسية.
ومن الناحية النقدية، يمكن اعتبار العنوان عنوانًا دالًا ومركزيًا؛ لأنه لا يصف الرواية فقط، وإنما يلخص فلسفتها.
البناء الفني للرواية
1. البناء القائم على التوازي
من أهم التقنيات التي يعتمد عليها الكاتب وضع الشخصيات والأحداث في علاقات متوازية.
فهو يقدم نماذج تتشابه في الخير والقيم، ثم يقدم نماذج أخرى تتشابه في السلوك السلبي والانحراف.
وبذلك يصبح التشابه ليس حكرًا على الأخلاق الإيجابية.
فالخير يمكن أن يتشابه، والشر يمكن أن يتشابه أيضًا.
وتظهر هذه التقنية بوضوح في المقارنة بين شخصيات مثل فتوح حماد وعماد الميرغني، حيث يقدم الكاتب أوجه تشابه بينهما في السلوك والانحراف واستغلال المواقع والظروف.
هذا يمنح فكرة الرواية بعدًا أوسع:
الإنسان قد يرث الخير، وقد يعيد إنتاج الشر أيضًا.
الحبكة ومسار الأحداث
الحبكة لا تعتمد على حدث واحد سريع، وإنما تتشكل تدريجيًا من خلال حياة رضوان وأسرته وعلاقاته القديمة والجديدة، ثم تتسع الدائرة لتشمل مجموعة من الشخصيات والأحداث المرتبطة بالقرية والعائلة والماضي.
تبدأ الرواية من حالة نفسية داخلية عند رضوان أبو الحمد؛ فالسهاد والأرق والقلق من مرور الزمن والاقتراب من التقاعد تفتح الباب أمام أسئلة أكبر عن حياته وماضيه ومستقبله.
ثم ينتقل السرد تدريجيًا من حياة رضوان الخاصة إلى شبكة العلاقات العائلية والاجتماعية، وصولًا إلى ظهور شخصيات مثل حسين، ولوكا، وعبدالله، وما يرتبط بهم من ذكريات ومصالح وقضايا قديمة.
من العناصر المهمة في الحبكة أرض السرايا، وما يرتبط بها من صراع مع أصحاب المصالح والفساد، وهو ما يعطي الرواية بعدًا اجتماعيًا يتجاوز العلاقات الأسرية.
اللافت أن الكاتب يستخدم الماضي باستمرار لإضاءة الحاضر؛ فذكريات الشخصيات ليست حشوًا، وإنما وسيلة للكشف عن جذور السلوك الحالي.

شخصية رضوان أبو الحمد
رضوان هو المحور الأهم في الرواية.
إنه رجل نشأ في بيئة محافظة، ويحمل منظومة من القيم الموروثة، ويعمل موظفًا حكوميًا ناجحًا في موقع إداري مهم.
لكنه في الوقت نفسه ليس شخصية جامدة.
فمع تقدمه في العمر يبدأ في الشعور بأن حياته دخلت مرحلة من الرتابة، ويظهر ذلك في السهاد والقلق والنظر إلى علامات الزمن على وجهه.
هنا تكمن القيمة النفسية للشخصية:
رضوان لا يخاف الشيخوخة وحدها، وإنما يخاف أن يتحول إلى نسخة مكررة من نفسه.
لهذا تأتي علاقته بناهد بوصفها محاولة لاستعادة الحيوية.
وفق القراءة النقدية الواردة في الملف، يمثل رضوان الجيل الذي يحمل ثقل الموروث، لكنه يحاول في الوقت نفسه التعامل مع التحولات الجديدة.
من أجمل المفارقات في الشخصية أن رضوان يشبه عائلته ولكنه يختلف عنها في بعض الجوانب؛ أي أن الكاتب لا يقدم التشابه باعتباره تطابقًا كاملًا.
سابعًا: شخصية ناهد
ناهد ليست مجرد زوجة للبطل.
إنها عنصر أساسي في إعادة التوازن النفسي لرضوان.
فهي أكثر مرونة وعفوية، وتعرف كيف تتعامل معه، وتساعده على استعادة الجانب العاطفي من حياته.
ومن الناحية الرمزية، تمثل ناهد الحياة في مواجهة الجمود.
فبينما ينظر رضوان إلى الزمن بوصفه شيئًا يسلبه شبابه، تساعده ناهد على اكتشاف أن الإنسان يستطيع أن يجد تجددًا داخليًا حتى بعد مرور سنوات طويلة من الزواج.
وهنا تقدم الرواية فكرة مهمة:
الحب الزوجي ليس بالضرورة مرحلة تنتهي بانتهاء الشباب، وإنما يمكن أن يتجدد مع الزمن.
الحاج الحسيني وفرحات أبو الحمد
تمثل الشخصيات الأبوية في الرواية سلطة الموروث.
الحاج الحسيني يظهر بوصفه شخصية ذات هيبة وتأثير، بينما يمثل فرحات أبو الحمد نموذج الأب الذي يجمع بين القيادة والقيم والعطاء.
هذه الشخصيات تؤدي وظيفة تتجاوز وجودها الفردي؛ فهي تمثل الجذر الذي خرجت منه الأجيال اللاحقة.
ولهذا فإن التشابه في الرواية لا ينتقل فقط بالدم، وإنما ينتقل من خلال:
التربية – القيم – العادات – الأفكار – طريقة التعامل مع الحياة.
لوكا ديموس وعبدالله التحيوي
يمثل لوكا ديموس جانبًا مهمًا من فكرة الرواية.
فهو يوناني الأصل، لكنه مرتبط بمصر وجدانيًا، ويظهر في الرواية نموذجًا على إمكانية تجاوز الحدود الجغرافية والثقافية.
أما عبدالله التحيوي فيمثل نموذج الإنسان الذي خرج من بيئته إلى العالم، ونجح في الخارج، لكنه ظل محتفظًا بجذوره وانتمائه المصري.
وتؤكد الرواية من خلال هذه الشخصيات أن الهجرة لا تعني بالضرورة فقدان الهوية.
الشخصيات الشريرة
من النقاط المهمة فنيًا أن الكاتب لم يجعل التشابه مقصورًا على الشخصيات الإيجابية.
فنجد نماذج مثل:
محمود العادلي
فتوح حماد
عماد الميرغني
وغيرهم من الشخصيات المرتبطة بالفساد أو الاستغلال.
ويظهر محمود العادلي خصوصًا نموذجًا للثراء المفاجئ المثير للتساؤلات، بينما يستخدم الكاتب شخصيات
أخرى لإبراز صور مختلفة من الانحراف واستغلال السلطة أو الدين أو العلاقات.
وهذا يخدم البناء الفكري للرواية:
كما يوجد تشابه في الخير، يوجد تشابه في الشر
الزمان
الزمن في الرواية ليس مجرد إطار للأحداث.
هناك:
زمن الحاضر.
زمن الذكريات.
زمن الآباء والأجداد.
زمن الطفولة.
زمن الشيخوخة.
زمن الهجرة والعودة.
وهذا التداخل يجعل الماضي حاضرًا باستمرار.
فالزمن عند الكاتب أشبه بدائرة، وليس خطًا مستقيمًا.
ولهذا جاءت فكرة أن الأجيال تعيد إنتاج بعض الصفات والسلوكيات السابقة.
وتصف إحدى القراءات النقدية داخل الملف هذا البناء بأنه «الحبكة الدائرية للزمن»، حيث يعاد إنتاج القيم والجذور عبر الأجيال.
المكان
المكان من أقوى العناصر في الرواية.
القرية
تمثل ميت عنتر الجذور والذاكرة والأسرة والعادات والموروث.
فالقرية ليست مجرد مكان جغرافي، وإنما ذاكرة جماعية.
القاهرة
تمثل الحركة والعمل والتغير والعلاقات الحديثة.
باريس
تمثل الاغتراب والانفتاح على العالم، لكنها لا تلغي الانتماء الأصلي.
النيل والغردقة
يحملان أبعادًا جمالية ونفسية، ويمنحان الشخصيات مساحات للتأمل والحوار واستعادة الذكريات.
ومن ثم فالمكان يتحول إلى جزء من الفكرة الأساسية للرواية:
يمكن للإنسان أن يبتعد عن المكان، لكنه لا يستطيع بسهولة أن يبتعد عن جذوره.
ونستكمل في المقال القادم
شاركنا برأيك