علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
آراء و تحليلات
جيهان منصور
جيهان منصور

إعلامية مصرية

دراسة جيهان منصور عن اليسار: هل تنتصر الفكرة ويخسر المرشح؟(3-3)

صباحي لم يدخل الاتحادية، لكن نتيجة 2012 سجلت لحظة كان فيها ما يقرب من خمسة ملايين مصري مستعدين لاختيار مشروع ناصري يساري شعبوي في مواجهة الإسلام السياسي ورموز الدولة القديمة

مشاركة:
حجم الخط:

الحكم على هؤلاء الرجال فقط بالسؤال: هل أصبح رئيسًا؟ قد يكون ظلمًا سياسيًا من نوع آخر.

ساندرز لم يدخل البيت الأبيض، لكنه ساهم في تغيير قاموس اليسار الأميركي.

كوربن لم يدخل داونينغ ستريت، لكنه أثبت في 2017 أن برنامجًا عماليًا أكثر يسارية مما اعتاده الحزب في العقود السابقة يستطيع الحصول على 40 في المئة من أصوات البريطانيين. (House of Commons Library)

ميلانشون لم يدخل الإليزيه، لكنه حصل على أكثر من 7.7 مليون صوت وجعل تياره أحد المراكز الرئيسية لليسار الفرنسي. (French Elections Archives)

وصباحي لم يدخل الاتحادية، لكن نتيجة 2012 سجلت لحظة كان فيها ما يقرب من خمسة ملايين مصري مستعدين لاختيار مشروع ناصري يساري شعبوي في مواجهة الإسلام السياسي ورموز الدولة القديمة. (Brookings)

وهنا يصبح تعريف الانتصار نفسه موضع سؤال.

هل السياسة هي الوصول إلى القصر فقط؟

أم أن تغيير ما يستطيع المجتمع أن يتخيله ويطالب به نوع آخر من الانتصار؟

أربعة بلدان.. والسؤال نفسه

من القاهرة إلى واشنطن، ومن باريس إلى لندن، لا توجد قصة واحدة.

صباحي ليس ساندرز.

وساندرز ليس كوربن.

وكوربن ليس ميلانشون.

والناصرية ليست الاشتراكية الديمقراطية الأمريكية

ولا اليسار العمالي البريطاني، ولا اليسار الراديكالي الجمهوري الفرنسي.
حتى كلمة «يسار» نفسها لا تعني الشيء ذاته في البلدان الأربعة.

لكن خلف هذه الاختلافات يظهر نمط يصعب تجاهله.

سياسي يتحدث عن مجتمع أكثر عدلًا.

شباب يرون فيه شيئًا لا يجدونه في المؤسسة التقليدية.

طبقات تشعر بأنها تعمل أكثر وتحصل على أقل.

حملة تتحول إلى حركة.

تجمعات ضخمة.

ملايين الأصوات.

لحظة يبدو فيها المستحيل قريبًا.
ثم
يتوقف الطريق قبل السلطة.

ولذلك ربما يكون السؤال الخطأ هو: لماذا يخسر مرشحو الفقراء؟

فالفقراء ليسوا كتلة سياسية واحدة، واليسار لا يحتكر تمثيلهم، وكثير من الناخبين ذوي الدخول المنخفضة يصوتون أصلًا لليمين لأسباب ثقافية أو دينية أو قومية أو أمنية.

السؤال الأدق هو:

لماذا يجد اليسار الشعبي المعاصر صعوبة في تحويل التحالف الذي يصنع الحماس إلى التحالف الأوسع الذي يصنع الحكم؟

إذا كانت الظاهرة تتكرر في مصر وأميركا وفرنسا وبريطانيا، عبر أنظمة رئاسية وبرلمانية وشبه رئاسية، وبين سياسيين من الخلفيات الدينية والثقافية المختلفة، فربما لا تكمن الإجابة في الأشخاص أصلًا.

ربما تكمن في طبيعة اليسار المعاصر نفسه.

في قدرته الهائلة على وصف الظلم.

وفي قدرته على جعل المهمش يشعر بأنه مرئي.

وفي موهبته في تحويل السياسة إلى حلم أخلاقي عن عالم أكثر عدلًا.

لكن أيضًا في انقساماته، وفي صعوبة توسيع قاعدته خارج المؤمنين به، وفي المسافة التي تفصل بين الاحتجاج والحكم، وبين الحشد والائتلاف، وبين أن تكون صوت من لا صوت لهم وأن تجمع العدد الكافي من الأصوات كي تصبح صاحب القرار.

حمدين صباحي لم يصل إلى الاتحادية.

بيرني ساندرز لم يصل إلى البيت الأبيض.

جان لوك ميلانشون لم يصل إلى الإليزيه.

وجيريمي كوربن لم يدخل 10 داونينغ ستريت رئيسًا للحكومة.

لكن الملايين الذين صوتوا لهم يتركون وراءهم سؤالًا أكبر من الرجال الأربعة:

إذا كان خطاب العدالة الاجتماعية قادرًا على صناعة كل هذا الأمل، فلماذا يبدو تحويل ذلك الأمل إلى سلطة أصعب كثيرًا؟

وربما يكون هذا هو التحدي الحقيقي لليسار في القرن الحادي والعشرين:

ليس كيف يجعل الفقراء يحلمون بعالم أكثر عدلًا، بل كيف يبني من ذلك الحلم أغلبية تستطيع أن تحكم.

المعارضة مهنة العمر.. قريبون من السلطة ولا يسكنونها

ربما يكون التشابه الأكثر إثارة بين حمدين صباحي وبيرني ساندرز وجيريمي كوربن وجان لوك ميلانشون ليس أنهم خسروا معاركهم الكبرى على السلطة، وإنما أنهم أمضوا الجزء الأكبر من حياتهم السياسية في الموقع نفسه تقريبًا:

على الجانب الآخر من السلطة التنفيذية، ينتقدونها ويضغطون عليها ويحاولون تغيير اتجاهها، من دون أن يصبحوا هم أصحاب القرار في قمتها.

إنهم، بدرجات وصور مختلفة، أبناء المعارضة أكثر مما هم أبناء الحكم.

حمدين صباحي بدأ معارضًا منذ سنوات شبابه، واشتهر بمواجهته أنور السادات عندما كان طالبًا في لقاء تلفزيوني عام 1977.

ثم عارض حسني مبارك، وانتُخب نائبًا في البرلمان، واعتُقل أكثر من مرة بسبب نشاطه السياسي.

وبعد ثورة يناير خاض انتخابات الرئاسة عام 2012 ثم في 2014، قبل أن يعود مرة أخرى إلى موقع المعارض.

تغير الرؤساء والأنظمة والظروف السياسية، لكن صباحي ظل، طوال الجزء الأكبر من مسيرته، الرجل الموجود خارج القصر.

وبيرني ساندرز يقدم النسخة الأميركية الأكثر غرابة من الظاهرة.

فقد أمضى عقودًا داخل المؤسسات المنتخبة، من رئاسة بلدية برلنغتون إلى مجلس النواب ثم مجلس الشيوخ، لكنه بقي مستقلًا سياسيًا،لم يصبح جزءًا تقليديًا من المؤسسة الحزبية التي ينتقدها.

خاض سباق البيت الأبيض مرتين، في 2016 و2020، وخسر ترشيح الحزب الديمقراطي في المرتين، ثم عاد إلى مجلس الشيوخ ليستمر في الدور الذي أتقنه طوال حياته: الضغط على السلطة من يسارها.

وحتى بعد تجاوزه الثمانين، ظل يتحدث عن «الأوليغارشية» وتركيز الثروة والنفوذ السياسي للمليارديرات كما كان يفعل قبل عقود.

أما جيريمي كوربن، فربما يكون الأكثر تجسيدًا لفكرة المعارض الذي وصل إلى قيادة المعارضة نفسها ولم يصل إلى الحكم.

دخل مجلس العموم عام 1983 وقضى عقودًا نائبًا متمردًا على قيادة حزبه في ملفات عديدة.

ثم حدثت المفارقة الكبرى عندما انتُخب زعيمًا لحزب العمال عام 2015، فأصبح رسميًا زعيم المعارضة البريطانية وقاد الحزب في انتخابين عامين.

اقترب في 2017، ثم خسر بشدة في 2019، وغادر قيادة الحزب في العام التالي.

وفي 2024 فاز مجددًا بمقعده في مجلس العموم، ولكن هذه المرة كنائب مستقل، خارج حزب العمال الذي قاده يومًا، وعاد إلى المقعد الذي عرفه طويلًا: صوتًا معارضًا من المقاعد الخلفية لا رجلًا في 10 داونينغ ستريت.

وميلانشون بدوره انتقل عبر مسيرة طويلة

من الحزب الاشتراكي إلى بناء يسار أكثر تمردًا على المؤسسة التقليدية، وخاض انتخابات الرئاسة في 2012 و2017 و2022. اقترب بصورة استثنائية في المحاولة الأخيرة، لكنه لم يعبر إلى الجولة الثانية.

ومع ذلك، لم تتحول الهزيمة إلى تقاعد سياسي؛ فقد بقي تياره، «فرنسا الأبية»، قوة رئيسية في اليسار الفرنسي، وبقي ميلانشون نفسه حاضرًا في قلب الصراع السياسي من دون أن يحمل مفاتيح الإليزيه.

وهنا تظهر مفارقة تستحق التوقف.

الأربعة عرفوا السلطة التشريعية أو المحلية أو الحزبية بدرجات مختلفة، لكنهم لم يعرفوا قمة السلطة التنفيذية الوطنية.

صباحي عرف البرلمان ولم يعرف الرئاسة.

ساندرز عرف البلدية والكونغرس ومجلس الشيوخ ولم يعرف البيت الأبيض.

كوربن وصل إلى قيادة أحد الحزبين الكبيرين وإلى الموقع الرسمي لزعيم المعارضة، لكنه لم يصبح رئيسًا للوزراء في بريطانيا.

وميلانشون عرف الوزارة والبرلمان الأوروبي والجمعية الوطنية، لكنه لم يدخل الإليزيه رئيسًا.

وهذا يطرح سؤالًا يتجاوز مسألة الفوز والخسارة: هل المعارضة بالنسبة إلى هذا النوع من السياسيين مجرد محطة على الطريق إلى السلطة، أم أنها تتحول بمرور الزمن إلى هويتهم السياسية نفسها؟

فالسياسي الذي يمضي عقودًا في المعارضة يكتسب حرية لا يمتلكها الحاكم.

يستطيع المطالبة بما يراه عادلًا من دون أن يضطر كل صباح إلى الموازنة بين المثال والميزانية، وبين الشعار والأسواق، وبين رغبات أنصاره وقيود الدولة.

يستطيع أن يكون صوت الضمير حين يضطر الحاكم إلى أن يكون صوت التسوية.
لكن لهذه الحرية ثمنًا.

فالناخب قد يحب السياسي الذي يقول ما يؤمن به، ثم يختار عند صندوق الاقتراع شخصًا آخر يراه أكثر قدرة على إدارة الدولة.

وقد يتحول الثبات المبدئي الذي يصنع شعبية المعارض إلى صعوبة في تقديم التنازلات والتحالفات التي يحتاج إليها الحاكم.

ولذلك ربما لا يكون السؤال العادل لماذا لم يصل صباحي وساندرز وكوربن وميلانشون إلى قمة السلطة. وهل نلومهم على بقائهم رموزا للمعارضة؟ في رأيي بالطبع لا، فالمعارضة الوطنية جزء اصيل من السلطة في الاساس الدستوري للدول الديمقراطية.

لقد تغيرت الحكومات والرؤساء ورؤساء الوزراء، وتبدلت الأحزاب والتحالفات، وكبر الرجال الأربعة وكبر معهم أنصارهم وحلمهم.

بعضهم اقترب من السلطة أكثر من مرة، وبعضهم رأى أفكاره تنتقل من الهامش إلى قلب النقاش العام، وبعضهم أصبح رمزًا سياسيًا يتجاوز نتيجة انتخابات بعينها.

ومع ذلك بقيت صورتهم الأكثر رسوخًا واحدة:

الرجل الذي يقف خارج القصر، يشير إلى ما يراه خطأ في الداخل، ويعد الذين لم يدخلوا القصر أصلًا بأن عالمًا أكثر عدلًا ما زال ممكنًا ، او كما تغنى محمد منير لسه الاماني ممكنة… ولو بطلنا نحلم نموت.

شارك المقال:

شاركنا برأيك