أحمد رجب شلتوت يقرأ: أسواق الحرمان: الاقتصاد الخفي للفقر
في كتبها تحرص على الربط بين التفاصيل اليومية لحياة الأفراد وبين التحولات الاقتصادية والسياسية الكبرى

غلاف كتاب أسواق الحرمان
تخصصت عالمة الأنثروبولوجيا والاقتصادية الأمريكية “جوليا إلياشار” في دراسة الاقتصاد السياسي والتنمية في الشرق الأوسط.
في كتبها تحرص على الربط بين التفاصيل اليومية لحياة الأفراد وبين التحولات الاقتصادية والسياسية الكبرى.
ومن اشهر كتبها “أسواق الحرمان:
المنظمات غير الحكومية، التنمية الاقتصادية، والدولة في القاهرة”
اعتمدت جوليا إلياشار في هذا الكتاب على سنوات من البحث الميداني في حي بولاق الدكرور بالجيزة خلال تسعينيات القرن العشرين،.
حيث درست تأثير سياسات الإصلاح الاقتصادي وبرامج التنمية على حياة الفئات المهمشة.
وكشفت التناقضات الكامنة في الخطابات التي ترفع شعارات التمكين والمشاركة المجتمعية.
وفيه انطلقت من تصور للفقر باعتباره نتيجة تاريخية وسياسية لبنية اقتصادية أوسع.
وتميز الكتاب بقدرته على تحويل التفاصيل اليومية الصغيرة إلى مدخل لفهم قضايا كبرى.
فقد نزلت الباحثة إلى الشوارع والورش الصغيرة والمقاهي والأسواق الشعبية.
لاحظت العلاقات بين الحرفيين والبائعين وأصحاب المشروعات المحدودة.
ومن خلال هذا الرصد تكشف وجود اقتصاد نابض بالحياة يمتلك قواعده الخاصة، لكنه يظل غير مرئي بالنسبة للمؤسسات الرسمية التي تصر على النظر إليه بوصفه مشكلة تبحث عن حل.
كذلك اهتمت إلياشار بنقد مفهوم “رأس المال الاجتماعي” الذي شاع بقوة في أدبيات التنمية خلال التسعينيات.
فقد روجت المؤسسات الدولية لفكرة أن الفقراء يمتلكون ثروة كامنة تتمثل في شبكات العلاقات والثقة المتبادلة والتعاون المجتمعي.
وأن هذه الثروة يمكن تحويلها إلى مورد اقتصادي يساعدهم على الخروج من الفقر.
لكن الباحثة ترى أن تحويل العلاقات الإنسانية إلى نوع من رأس المال القابل للاستثمار يختزل التعقيد الاجتماعي ويجعل من الروابط البشرية مجرد أداة اقتصادية.
توضح الدراسة أن المنظمات غير الحكومية في مصر تبنت هذه الأفكار.
فبدأت تنظر إلى السكان المحليين باعتبارهم مخزونًا من الطاقات غير المستغلة ينبغي تعبئته في مشروعات إنتاجية صغيرة.
لكن النتيجة لم تكن بالضرورة تمكين الفقراء كما زعمت الخطابات التنموية، بل في كثير من الأحيان إعادة تشكيلهم وفق متطلبات السوق الجديدة.

وهنا تحديدا تطرح مفهومها عن “أسواق الحرمان”، حيث ترى الحرمان عملية مستمرة يجري من خلالها دمج الفئات المهمشة في السوق بشروط غير متكافئة.
وبدل أن تكون التنمية وسيلة لتجاوز الإقصاء الاجتماعي، تحولت إلى آلية لإدارة هذا الإقصاء وتنظيمه.
بمعنى آخر، أصبح الفقر نفسه موردًا اقتصاديًا تستثمر فيه مؤسسات التنمية والتمويل والمنظمات المختلفة.
وتشير إلياشار إلى الكيفية التي جرى بها نقل مسؤولية معالجة الفقر تدريجيًا من الدولة إلى المنظمات الأهلية والمبادرات المحلية.
فبدل الحديث عن الحقوق الاجتماعية للمواطنين، دار الخطاب السائد حول المبادرة الفردية وريادة الأعمال والمشروعات الصغيرة.
وهكذا تحوّل الفقر من قضية سياسية تتعلق بالعدالة إلى مشكلة تقنية تحتاج إلى برامج تدريب وقروض صغيرة وورش عمل.
كذلك اهتم الكتاب بالاقتصاد غير الرسمي، الذي ظل طويلًا خارج اهتمام الاقتصاديين التقليديين.
فالباحثة لا تراه هامشًا تابعًا للاقتصاد الرسمي، ولكنها تعتبره باعتباره عالمًا قائمًا بذاته، يمتلك شبكاته الخاصة وقواعده الأخلاقية وآليات تنظيمه الداخلية.
وهي تظهر أن كثيرًا من العاملين في هذا القطاع يرون أنفسهم فاعلين اقتصاديين يمتلكون خبرات ومهارات حقيقية.
لكن المؤسسات التنموية تتجاهل هذه الخبرات، لأنها تسعى إلى إعادة تشكيل الواقع وفق نماذج جاهزة مستوردة من الخارج.
وهنا تنتقد برامج التنمية التي تفترض مسبقًا ما يحتاجه الناس، بدلا من اعتمادها على فهم حقيقي لممارساتهم اليومية واحتياجاتهم الفعلية.

كذلك يلفت الكتاب الانتباه إلى اللغة التي تستخدمها مؤسسات التنمية.
فمصطلحات مثل التمكين والمشاركة وبناء القدرات، تبدو في ظاهرها إيجابية، لكنها تخفي أحيانًا علاقات قوة غير متكافئة.
فالخطاب التنموي ليس محايدًا، لكنه يحمل تصورات أيديولوجية محددة حول المجتمع والاقتصاد والفرد.
ونظرا لكون جوليا إلياشار عالمة أنثروبولوجيا في الأساس، فإنها تتميز بقدرتها على المزج بين التحليل النظري والسرد الإثنوغرافي.
وبالتالي تربط أفكارها بقصص أشخاص حقيقيين التقتهم خلال عملها الميداني.
وهذا ما يجعل الكتاب أقرب إلى صورة بانورامية للحياة اليومية في القاهرة الشعبية خلال مرحلة مفصلية من تاريخها الاقتصادي.
كما أنها تدرك أن هذه العوالم تتضمن أشكالًا مختلفة من الاستغلال واللامساواة
لكنها ترفض اختزالها في صورة الضحية السلبية التي تنتظر الإنقاذ من الخارج.
فالسكان الذين تدرسهم يمتلكون قدرًا كبيرًا من الفاعلية والقدرة على التكيف والابتكار، حتى في ظل الظروف الصعبة.
اليوم، بعد أكثر من عقدين على صدور الكتاب في طبعته الأصلية، لاتزال أسئلته مطروحة بقوة.
فما زالت برامج التنمية في أنحاء كثيرة من العالم تعتمد على الخطاب ذاته الذي انتقدته إلياشار.
وما زالت المنظمات غير الحكومية تلعب أدوارًا متزايدة في إدارة القضايا الاجتماعية، بينما تتراجع أدوار الدولة في مجالات عديدة. ولذلك يبدو الكتاب وكأنه يتحدث عن الحاضر بقدر ما يتحدث عن الماضي.
ومن منظور آخر
يكتسب الكتاب قيمة إضافية لأنه يقدم قراءة عميقة للواقع المصري بعيدًا عن الصور النمطية السائدة في كثير من الكتابات الغربية.
فالقاهرة هنا فضاء اجتماعي معقد ومليء بالمبادرات والفاعليات الاقتصادية التي تتحدى التصنيفات الجاهزة، كما أن التنمية ترتبط دائمًا بأسئلة السلطة والتوزيع والعدالة الاجتماعية.
ومن دون مواجهة هذه الأسئلة ستظل كثير من المشروعات التنموية تدور في حلقة مفرغة، مهما بدت نواياها حسنة.
في النهاية
يقدم كتاب “أسواق الحرمان” قراءة جريئة ومغايرة لقضايا التنمية والفقر والمجتمع المدني في مصر.
ويكشف أن السياسات التي تزعم مساعدة الفقراء قد تسهم في إعادة إنتاج أوضاعهم الهشة.
كما إنه يوضح كيفية صناعة الفقر في العصر الحديث، وكيفية تحويل طرق علاجه إلى جزء من بنيته.






