علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
ترجمات
Wendy Ramadan-Alban
Wendy Ramadan-Alban

جدل نووي في طهران.. هل يتفق المحافظون والمعتدلون على الانسحاب؟

تتصاعد داخل إيران الدعوات إلى الانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، بعد مطالبة 32 شخصية محافظة بهذه الخطوة، بالتزامن مع انتقادات من مسؤولين في مجلس الأمن القومي للوكالة الدولية للطاقة الذرية. لكن طهران لم تتخذ قرارًا رسميًا، في ظل خلافات داخلية ومخاوف من تأثير الانسحاب على علاقاتها بروسيا والصين.

مشاركة:
حجم الخط:

إيران ومعاهدة عدم الانتشار النووي.. لماذا تتصاعد دعوات الانسحاب؟

Is Iran poised to withdraw from the Non-Proliferation Treaty?

تتصاعد داخل إيران الدعوات إلى الانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية،

بعدما طالب 32 مسؤولًا وشخصية محافظة باتخاذ هذه الخطوة. ويأتي ذلك وسط خلافات متزايدة

مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وضغوط اقتصادية وعسكرية تواجهها طهران.

وفي تحليل نشرته مجلة «ريسبونسبل ستيتكرافت» الأمريكية، ترى الباحثة ويندي رمضان ألبان

أن النقاش بشأن الانسحاب لم يعد مقتصرًا على المحافظين المتشددين، بل امتد إلى شخصيات محسوبة على التيار المعتدل.

ومع ذلك، لا تزال الخلافات الداخلية والعلاقات مع روسيا والصين تعرقل اتخاذ قرار نهائي،

رغم تصاعد الضغوط داخل المؤسسات السياسية والأمنية الإيرانية.

32 شخصية محافظة تطالب بانسحاب إيران من المعاهدة

بدأ أحدث فصول الجدل في 28 سبتمبر 2026، عندما نشر 32 إيرانيًا بارزًا رسالة مفتوحة تطالب

بالانسحاب العاجل من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.

وضمت قائمة الموقعين شخصيات سبق أن شغلت مناصب رسمية، اعتبرت أن استمرار عضوية طهران

في المعاهدة لم يعد يخدم مصالحها الوطنية.

وفي هذا السياق، طالب الموقعون الرئيس مسعود بيزيشكيان والبرلمان والمجلس الأعلى للأمن القومي

بوقف التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والبدء في إجراءات الانسحاب.

وتأتي هذه الدعوات بعد إعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة على إيران في سبتمبر 2025،

بموجب آلية إعادة العقوبات المعروفة باسم «سناب باك».

ومنذ ذلك الحين، كثف المحافظون المتشددون ضغوطهم لإنهاء عضوية إيران في المعاهدة،

معتبرين أن الالتزام بها لم يمنع استمرار العقوبات والضغوط الدولية.

لكن هذه المطالبات لم تتحول إلى قرار رسمي، بسبب غياب التوافق بين المؤسسات السياسية والأمنية الإيرانية.

الوكالة الدولية للطاقة الذرية

لماذا لم يعد الانسحاب مطلبًا للمحافظين وحدهم؟

ارتبطت المطالبات بالانسحاب من المعاهدة، لسنوات، بالتيارات المحافظة التي عارضت

المفاوضات مع الولايات المتحدة وانتقدت الاتفاق النووي لعام 2015.

ومن أبرز مؤيدي هذا التوجه سعيد جليلي، الذي قاد المفاوضات النووية الإيرانية بين عامي 2007 و2013،

وترشح للرئاسة عام 2024.

كما برز النائب المحافظ حامد رسائي ضمن الشخصيات الداعية إلى مغادرة المعاهدة.

غير أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أسهمت، بحسب الباحثة،

في تغيير مواقف بعض الشخصيات المحسوبة على التيار المعتدل.

فقد بدأ عدد من الإصلاحيين والوسطيين، الذين دعموا سابقًا المفاوضات مع الغرب،

يتبنون مواقف أكثر تشددًا بشأن البرنامج النووي.

ومن بينهم الصحفي علي ناظري، الذي انتقل من دعم المسار الدبلوماسي إلى تأييد الانسحاب من المعاهدة،

بل والدعوة إلى امتلاك سلاح نووي.

ومع ذلك، لا يعكس هذا التحول موقف جميع المعتدلين؛ إذ لا يزال معظم الإصلاحيين والوسطيين يعارضون الانسحاب.

البرلمان الإيراني يعيد طرح مشروع قانون الانسحاب

على المستوى التشريعي، سبق أن أعد البرلمان الإيراني مشروع قانون يمهد للانسحاب من معاهدة عدم الانتشار خلال عام 2025.

لكن المشروع لم يستكمل مساره، رغم الضغوط التي مارسها النواب المحافظون.

وفي سبتمبر 2026، قدم عدد من البرلمانيين مشروعًا جديدًا بصفة «ثلاثي الاستعجال» إلى رئيس المجلس محمد باقر قاليباف، الذي يتولى أيضًا مهمة المفاوض الرئيسي لإيران.

ويعكس تقديم المشروع استمرار الضغوط البرلمانية لتغيير سياسة طهران النووية.

ومع ذلك، تؤكد الباحثة أن إقرار قانون يطالب بالانسحاب لا يلزم السلطة التنفيذية تلقائيًا بتنفيذه.

فالمجلس الأعلى للأمن القومي يؤدي دورًا محوريًا في القرارات المتعلقة بالأمن الوطني والسياسة الخارجية، خصوصًا الملف النووي.

ولذلك، لا يتوقف مصير الانسحاب على موقف البرلمان وحده، بل يرتبط أيضًا بالتوافق داخل المؤسسات المسؤولة عن رسم السياسات الاستراتيجية.

هل تستخدم إيران الانسحاب ورقة ضغط تفاوضية؟

رغم تصاعد المطالبات الحالية، فإن التهديد بالانسحاب من المعاهدة ليس جديدًا في السياسة الإيرانية.

فقد استخدم مسؤولون من تيارات سياسية مختلفة هذه الورقة خلال المفاوضات مع الغرب، بهدف تعزيز موقف طهران التفاوضي.

وفي هذا السياق، تستشهد الباحثة بتجربة الرئيس الأسبق حسن روحاني، الذي هدد بالانسحاب من المعاهدة في مايو 2005.

وكان روحاني آنذاك أمينًا للمجلس الأعلى للأمن القومي، وأطلق تهديده خلال مفاوضات مع روسيا.

وقد ربط تنفيذ الخطوة بإحالة الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن الدولي.

لكن إيران لم تنفذ التهديد عندما أحال مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية الملف إلى مجلس الأمن في فبراير 2006.

وبالتالي، ترى الباحثة أن التهديد الحالي قد يكون امتدادًا لاستخدام المعاهدة أداة للضغط الدبلوماسي.

غير أن الظروف الراهنة تختلف، بسبب الحرب والعقوبات وتدهور العلاقات مع المؤسسات الدولية المعنية بالملف النووي.

مجلس الأمن القومي.. هل تغير موقفه من الانسحاب؟

في تطور لافت، أثارت تصريحات محسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، تساؤلات بشأن احتمال تغير موقف المؤسسة الأمنية من المعاهدة.

فقد اتهم رضائي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بتسييس الملف النووي الإيراني، عقب اعتماد قرار جديد بشأن التزامات طهران.

كما حذر من أن استمرار هذه الإجراءات قد يدفع دولًا إلى الانسحاب من معاهدة عدم الانتشار.

وجاءت تصريحاته بعد اعتماد مجلس محافظي الوكالة القرار رقم GOV/2026/61، في 9 سبتمبر 2026.

وأكد القرار استمرار مخاوف الوكالة بشأن عدم امتثال إيران لالتزامات الضمانات النووية، ودعا إلى معالجة المسائل العالقة والتعاون مع المفتشين.

وفي المقابل، اعتبر رضائي أن إجراءات الوكالة تعكس موقفًا سياسيًا تجاه بلاده.

وترى الباحثة أن أهمية تصريحاته تنبع من الدور الذي يؤديه المجلس الأعلى للأمن القومي في تحديد السياسة النووية.

ولذلك، تطرح احتمال حدوث تقارب بين المجلس والبرلمان بشأن الانسحاب، دون الجزم بأن هذا التقارب تحقق بالفعل.

لماذا تتفاقم أزمة إيران مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية؟

بالتزامن مع تصاعد الدعوات إلى الانسحاب، تشهد العلاقات بين طهران والوكالة الدولية للطاقة الذرية تدهورًا ملحوظًا.

وتحمّل إيران المدير العام للوكالة، رافائيل غروسي، جزءًا من المسؤولية السياسية عن الظروف التي سبقت الحرب التي استمرت 12 يومًا في عام 2025.

كما تنتقد الوكالة لعدم إدانتها صراحة الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على المنشآت النووية الإيرانية.

وفي المقابل، تؤكد الوكالة أهمية التزام إيران باتفاق الضمانات النووية، والسماح بالتحقق من المواد والأنشطة المرتبطة ببرنامجها النووي.

وزاد قرار مجلس المحافظين الصادر في سبتمبر من حدة الخلاف بين الجانبين.

إضافة إلى ذلك، أثار تعثر مشاركة المسؤول النووي الإيراني محمد إسلامي في المؤتمر العام السبعين للوكالة، الذي انعقد في فيينا خلال سبتمبر 2026، استياء طهران.

وبحسب المقال الأمريكي، عززت هذه التطورات داخل إيران الاعتقاد بأن الوكالة تتعامل مع الملف النووي بصورة مسيّسة.

لكن ذلك يبقى تقييمًا سياسيًا إيرانيًا، في مقابل تأكيد الوكالة استقلاليتها وطبيعة مهامها الرقابية.

هل يعني الانسحاب من المعاهدة امتلاك سلاح نووي؟

على صعيد آخر، تشدد الباحثة على ضرورة التمييز بين الانسحاب من معاهدة عدم الانتشار النووي واتخاذ قرار بتطوير أسلحة نووية.

فالانسحاب لا يعني تلقائيًا أن الدولة بدأت تصنيع قنبلة نووية، وإن كان قد يثير مخاوف دولية بشأن مستقبل برنامجها النووي.

وفي هذا السياق، تشير إلى تصريحات لمحسن رضائي أكد فيها تمسكه بالفتوى المنسوبة إلى المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي، التي تحظر تصنيع أسلحة الدمار الشامل.

كما أبدى رضائي تفضيله للحلول الدبلوماسية، معتبرًا أن إنهاء الحرب يتطلب قبول واشنطن بالشروط الإيرانية.

ومع ذلك، ترى الباحثة أن الخطاب النووي داخل إيران شهد تحولات منذ عام 2024.

فقد بدأت شخصيات سياسية وخبراء إيرانيون مناقشة خيارات كانت مستبعدة سابقًا من الخطاب الرسمي.

وفي المقابل، يعتقد بعض الخبراء الإيرانيين أن مغادرة المعاهدة دون امتلاك سلاح نووي قد تعرض البلاد لضغوط إضافية، دون تحقيق مكاسب استراتيجية واضحة.

ولذلك، لا يزال الخلاف قائمًا بشأن جدوى الانسحاب وتوقيته وعلاقته بمستقبل البرنامج النووي.

الحرب والعقوبات تزيد تعقيد الخيارات الإيرانية

لم تعد المناقشات بشأن المعاهدة منفصلة عن الصراع الإقليمي المستمر والضغوط الاقتصادية التي تواجهها إيران.

فبحسب المقال، دفعت الحرب والعقوبات الدولية أطرافًا داخل النظام السياسي إلى إعادة تقييم فوائد استمرار العضوية في المعاهدة.

وفي الوقت نفسه، تواصل طهران طرح شروط لإنهاء المواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة.

وخلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2026، اقترحت إيران وقف الأعمال العدائية على مختلف الجبهات.

كما شمل المقترح الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، ورفع الحصار عن الموانئ الإيرانية.

وجاءت هذه المطالب، وفقًا للباحثة، متوافقة مع مذكرة تفاهم توصل إليها الطرفان في يونيو الماضي.

لكن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رفض المقترح.

وبالتالي، تواجه طهران معادلة معقدة تجمع بين استمرار الضغوط العسكرية والاقتصادية، والرغبة في تعزيز موقفها التفاوضي، وتجنب خطوات قد تزيد عزلتها الدولية.

روسيا والصين.. لماذا تعرقل علاقاتهما قرار الانسحاب؟

رغم تصاعد المطالبات الداخلية، ترى الباحثة أن علاقات إيران بروسيا والصين تمثل إحدى أبرز العقبات أمام اتخاذ قرار الانسحاب.

فمنذ خروج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018، عززت طهران تعاونها السياسي والاقتصادي مع موسكو وبكين.

وفي هذا السياق، أصبحت الصين المستورد الرئيسي للنفط الإيراني، بينما تمثل روسيا شريكًا دبلوماسيًا مهمًا لطهران.

لكن الانسحاب من معاهدة عدم الانتشار قد يضع البلدين أمام تحديات سياسية جديدة، خصوصًا إذا أدى إلى تصاعد الضغوط الدولية على إيران.

ومن جهة أخرى، لا تستبعد الباحثة أن تكون تصريحات محسن رضائي رسالة موجهة إلى موسكو وبكين.

فقد تسعى طهران إلى دفعهما لاستخدام حق النقض «الفيتو» ضد أي إجراءات جديدة تستهدفها في مجلس الأمن الدولي.

ومع ذلك، تشير الباحثة إلى أن البلدين سبق أن دعما إحالة الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن وشاركا في فرض عقوبات دولية على طهران.

ولذلك، لا تستطيع إيران افتراض أن الدعم الروسي والصيني سيستمر دون شروط في جميع الظروف.

قاليباف ومجلس الأمن القومي.. من يحسم قرار الانسحاب؟

في ظل هذه التطورات، تتجه الأنظار إلى رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، الذي ينتظر أن يحدد موقفه من مشروع القانون الداعي إلى الانسحاب.

وترى الباحثة أن قرار قاليباف بشأن المضي في الإجراءات التشريعية قد يكشف طبيعة التوازنات السياسية داخل طهران.

لكن تقدم المشروع لا يعني بالضرورة انسحاب إيران من المعاهدة.

فالمجلس الأعلى للأمن القومي لم يتوصل بعد إلى توافق بشأن الخطوة، بينما يستمر معظم الإصلاحيين والوسطيين في معارضتها.

وفي المقابل، تدفع الحرب والعقوبات وتدهور العلاقات مع الوكالة الدولية باتجاه تصاعد النقاش داخل المؤسسات الإيرانية.

وتخلص الباحثة إلى أن النقاش بشأن مستقبل المعاهدة أصبح أوسع من أي وقت مضى، مع تزايد أهمية موقفي روسيا والصين في الحسابات الإيرانية.

وبذلك، يظل انسحاب إيران من معاهدة عدم الانتشار النووي احتمالًا سياسيًا مطروحًا، لكنه لم يتحول إلى قرار رسمي حتى تاريخ المقال.

المصدر الأساسي: مجلة Responsible Statecraft الأمريكية.

الكاتبة: ويندي رمضان ألبان.

عنوان المقال الأصلي:
Is Iran poised to withdraw from the Non-Proliferation Treaty?

المصادر المساندة: الوكالة الدولية للطاقة الذرية، القرار GOV/2026/61.

شارك المقال:

التعليقات مغلقة على هذا المقال.