علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
ترجمات

السعودية والحوثيون.. لماذا ترى «إيكونوميست» أن الرياض تواجه خيارات صعبة؟

ترى مجلة «إيكونوميست» أن الهجمات الحوثية على المطارات والمنشآت الحيوية السعودية تضيق الخيارات العسكرية والسياسية أمام الرياض، وتفرض ضغوطًا اقتصادية متزايدة. فاستمرار الحرب يهدد خطط المملكة للتنويع الاقتصادي، بينما قد تتطلب التسوية مع الحوثيين تقديم تنازلات كبيرة، دون ضمان إنهاء الصراع.

مشاركة:
حجم الخط:

حذرت مجلة «إيكونوميست» البريطانية من أن الهجمات الحوثية المتصاعدة على المطارات والمنشآت الحيوية

في السعودية تضع الرياض أمام معضلة عسكرية واقتصادية معقدة، في ظل محدودية الخيارات المتاحة

لإنهاء المواجهة. ورأت المجلة أن استمرار الحرب يهدد خطط المملكة للتنويع الاقتصادي وجذب الاستثمارات،

بينما قد تتطلب التسوية السياسية تقديم تنازلات كبيرة للحوثيين.

Saudi Arabia is increasingly under siege

«إيكونوميست»: السعودية أمام معضلة الحوثيين.. حرب بلا حسم أم اتفاق مكلف؟

رأت مجلة «إيكونوميست» البريطانية أن السعودية تواجه مأزقًا متزايدًا في التعامل مع الهجمات الحوثية

القادمة من اليمن، بعدما تحولت المطارات والمنشآت الحيوية إلى أهداف متكررة للصواريخ والطائرات المسيّرة،

وسط تساؤلات بشأن فعالية الدفاعات الجوية وقدرة الرياض على تحقيق أهدافها العسكرية.

وفي تقرير بعنوان «السعودية تواجه حصارًا متزايدًا»، اعتبرت المجلة أن الهجمات الأخيرة على مطار الملك خالد الدولي

بالرياض تكشف حجم الضغوط التي تواجهها المملكة، خصوصًا مع عودة الحرب في اليمن بعد سنوات من التهدئة.

وبحسب تحليل المجلة، لا تقتصر المشكلة على الخسائر البشرية والأضرار المادية،

بل تمتد إلى تهديد خطط التنويع الاقتصادي والاستثمار والسياحة، في وقت تسعى فيه السعودية

إلى تعزيز مكانتها مركزًا اقتصاديًا دوليًا.

وفي المقابل، تبدو الخيارات المتاحة أمام الرياض معقدة. فاستمرار العمليات العسكرية ينطوي على مخاطر

استنزاف طويلة، بينما قد يفرض التفاوض مع الحوثيين تنازلات سياسية واقتصادية لا ترغب المملكة في تقديمها.

اليمن أمام تصعيد جديد.. تعز تحت القصف والمواجهة تمتد إلى السعودية

هجوم مطار الرياض يكشف حجم التصعيد العسكري

استهلت «إيكونوميست» تقريرها باستعراض الهجوم الذي استهدف مطار الملك خالد الدولي

في الرياض يوم السبت 10 أكتوبر، ووصفته بأنه الأعنف الذي تتعرض له السعودية منذ أكثر من عقد.

ووفق حصيلة محدثة، أسفر الهجوم عن وفاة 13 شخصًا، بينهم أربعة سعوديين وتسعة

من جنسيات أجنبية، وإصابة 309 آخرين، بعضهم في حالات حرجة.

وكانت السلطات السعودية قد أعلنت في البداية وفاة 12 شخصًا، قبل أن تؤكد السفارة الهندية

وفاة أحد مواطنيها متأثرًا بإصابته، لترتفع الحصيلة إلى 13.

وأفاد شهود عيان بأن الهجوم أصاب مبنى الركاب رقم 3، المخصص للرحلات الداخلية،

ما تسبب في انهيار جزء من السقف وإصابة عدد كبير من المسافرين.

ولم يتوقف التصعيد عند هذا الحد؛ إذ تعرض المطار لهجوم جديد يوم الأحد 11 أكتوبر،

استهدف مبنى الركاب رقم 4، وأسفر عن وفاة شخص وإصابة 11 آخرين، بحسب السلطات السعودية.

وتسببت الهجمات في تعطيل حركة الطيران وإلغاء رحلات دولية، بينما أصدرت دول عدة تحذيرات لرعاياها بشأن السفر إلى المملكة.

الدفاعات الجوية السعودية.. لماذا نجحت بعض الصواريخ في الوصول؟

أثارت الهجمات الأخيرة تساؤلات بشأن قدرة منظومة الدفاع الجوي السعودية على حماية المطارات والمنشآت الحيوية.

وأشارت «إيكونوميست» إلى امتلاك الرياض أنظمة دفاع متطورة أمريكية الصنع، أبرزها منظومتا «باتريوت»

و«ثاد»، المصممتان لاعتراض أنواع مختلفة من التهديدات الجوية والصاروخية.

ومع ذلك، نجحت بعض الهجمات في الوصول إلى أهدافها، رغم إعلان السلطات اعتراض صواريخ وطائرات مسيّرة أخرى.

وترى المجلة أن الأسباب الدقيقة لعدم اعتراض جميع المقذوفات لا تزال غير واضحة.

غير أنها لفتت إلى مخاوف بشأن تناقص مخزون الصواريخ الاعتراضية، بعد أشهر من المواجهات العسكرية المتصاعدة في المنطقة.

وفي هذا السياق، كشفت الهجمات المتكررة عن تحديات تتعلق بحماية البنية التحتية المدنية والاقتصادية،

خصوصًا عندما تتزامن تهديدات متعددة ضد أهداف متباعدة جغرافيًا.

ولا تعني إصابة أهداف محددة فشل منظومة الدفاع الجوي بأكملها،

لكنها تثير تساؤلات بشأن استدامة الحماية وتوافر الذخائر اللازمة لمواجهة الهجمات المتكررة.

من المخا إلى ذباب.. الحرب في اليمن تعود إلى الواجهة

ربطت المجلة التصعيد ضد السعودية بتجدد العمليات العسكرية في اليمن، بعد فترة طويلة من تراجع حدة المواجهات.

فمنذ عام 2015، قادت السعودية تحالفًا عسكريًا لدعم الحكومة اليمنية في مواجهة الحوثيين،

الذين سيطروا على العاصمة صنعاء عام 2014.

ورغم العمليات العسكرية الممتدة، احتفظ الحوثيون بالسيطرة على مناطق واسعة ومكتظة بالسكان، خصوصًا شمالي اليمن.

وفي عام 2022، أدى وقف إطلاق النار إلى تجميد خطوط المواجهة نسبيًا، قبل أن تتصاعد التوترات

مجددًا خلال عام 2026، بالتزامن مع الحرب الإقليمية التي بدأت في فبراير.

وبحسب «إيكونوميست»، استغل الحوثيون التطورات العسكرية لشن هجوم خلال سبتمبر،

وسيطروا على مناطق استراتيجية من الساحل الجنوبي الغربي، بينها مدينة المخا المطلة على البحر الأحمر.

وفي المقابل، بدأت القوات الحكومية اليمنية، بدعم سعودي، هجومًا مضادًا مطلع أكتوبر لاستعادة المناطق التي فقدتها.

وقدمت الأطراف المتحاربة روايات متباينة بشأن حجم التقدم الميداني والسيطرة على المخا وذباب ومناطق باب المندب.

وبينما أعلنت القوات الحكومية تحقيق مكاسب واسعة، اعتبرت المجلة أن العمليات

تواجه صعوبة في تحقيق تقدم مستدام، مع استمرار المواجهات حول مناطق استراتيجية.

وتشير تقارير ميدانية إلى أن استعادة السيطرة على بعض المناطق لا تعني بالضرورة

استقرار خطوط القتال أو انتهاء خطر الهجمات الحوثية.

تعز والبحر الأحمر.. جبهات تضغط على السعودية

بالتزامن مع المواجهات الساحلية، تواصل جماعة الحوثي عملياتها العسكرية في محيط مدينة تعز، ثالث أكبر المدن اليمنية.

وأشارت المجلة إلى أن الجماعة تحاول تطويق المدينة، التي تمثل أحد أبرز معاقل القوات المناهضة لها.

وفي الوقت نفسه، استأنف الحوثيون هجماتهم الصاروخية وبالطائرات المسيّرة

ضد أهداف سعودية، شملت مطارات وقواعد عسكرية ومنشآت مرتبطة بقطاع الطاقة.

وتكتسب المناطق الساحلية أهمية إضافية بسبب قربها من مضيق باب المندب،

أحد الممرات البحرية الحيوية للتجارة العالمية وشحنات النفط.

لذلك، فإن استمرار المواجهات في هذه المنطقة يثير مخاوف تتجاوز الحدود السعودية اليمنية،

خصوصًا مع الاضطرابات التي تشهدها حركة الملاحة في المنطقة.

وفي المقابل، تحاول القوات الحكومية اليمنية، بدعم التحالف السعودي،

استعادة مواقع استراتيجية على الساحل الغربي، لكن السيطرة الميدانية لا تزال محل تنازع بين الأطراف.

مطارات السعودية تحت الضغط.. تداعيات تتجاوز الخسائر المباشرة

خصصت «إيكونوميست» جانبًا مهمًا من تحليلها لتداعيات استهداف المطارات السعودية.

فخلال الأسابيع الأخيرة، ركز الحوثيون هجماتهم على البنية التحتية للطيران المدني،

وأصدروا تحذيرات لشركات الطيران والمسافرين بشأن استخدام المجال الجوي السعودي.

وكان هجوم 8 أكتوبر على مطار الرياض قد أسفر عن وفاة ثلاثة أشخاص،

بينهم طيار، وإلحاق أضرار بطائرة تابعة للخطوط الجوية السعودية.

ورغم ذلك، استمرت بعض العمليات الجوية في المطار، قبل أن تؤدي هجمات نهاية الأسبوع إلى اضطرابات أوسع.

وبحسب بيانات شركة «سيريوم» لتحليل الطيران، ألغى مطار الملك خالد الدولي 99.7% من الرحلات المجدولة

يوم الأحد 11 أكتوبر.

أما يوم الاثنين، فأظهرت البيانات توقع إلغاء نحو 60% من الرحلات.

كما علقت شركات طيران دولية خدماتها إلى الرياض، بينها مجموعة لوفتهانزا التي أعلنت وقف

رحلاتها حتى 16 أكتوبر، ومجموعة الخطوط الفرنسية والهولندية التي مددت التعليق حتى نهاية الشهر.

وتعكس هذه التطورات حجم التأثير الذي يمكن أن تحدثه الهجمات على حركة النقل الدولي، حتى دون فرض إغلاق دائم للمطارات.

رؤية السعودية 2030.. هل تهدد الحرب خطط التنويع الاقتصادي؟

ترى «إيكونوميست» أن التحدي الأكبر للسعودية قد لا يكون عسكريًا فقط، بل اقتصاديًا أيضًا.

فالمملكة تعمل منذ سنوات على تنفيذ رؤية 2030، التي تستهدف تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط،

مع تطوير قطاعات السياحة والاستثمار والخدمات.

غير أن استمرار الهجمات على المطارات ومنشآت الطاقة قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الأمن والتأمين،

ويؤثر على ثقة المستثمرين وقدرة الشركات الدولية على ممارسة أعمالها.

وفي هذا السياق، أشارت المجلة إلى اقتراب موعد مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار»،

الذي تستضيفه الرياض خلال الفترة من 26 إلى 29 أكتوبر.

ويستقطب المؤتمر عادة مسؤولين تنفيذيين ومستثمرين وصناع قرار من مختلف أنحاء العالم.

ورغم استمرار الاستعدادات للحدث، فإن اضطراب حركة الطيران والمخاوف الأمنية

يثيران تساؤلات بشأن مشاركة بعض الوفود الدولية.

وتتزامن هذه التحديات مع انعقاد مؤتمر الطاقة العالمي في الرياض، الذي تأثرت مشاركة

عدد من كبار مسؤولي الشركات الدولية فيه بسبب اضطرابات السفر.

وبحسب رويترز، غابت أسماء رؤساء شركات كبرى، بينها إكسون موبيل وشل وتوتال إنرجيز وبي

بي وشيفرون، عن جدول المتحدثين الصادر صباح الاثنين.

محمد بن سلمان.. ما أهداف السعودية من الحرب الجديدة؟

تناولت المجلة كذلك التقديرات المتعلقة بأهداف القيادة السعودية من استئناف العمليات العسكرية في اليمن.

ونقلت عن مصادر التقت مسؤولين سعوديين مؤخرًا أن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان

يركز على استعادة المناطق التي سيطر عليها الحوثيون خلال سبتمبر.

لكن المجلة أشارت إلى غموض الأهداف العسكرية اللاحقة، ومدى استعداد الرياض لخوض حرب طويلة لتحقيق نتائج أوسع.

ونقلت عن مسؤول غربي قوله:

«لا أعرف إن كانت لديهم أهداف واضحة أبعد من ذلك».

ويمثل هذا التصريح تقييمًا لمصدر تحدث إلى المجلة، وليس إعلانًا رسميًا بشأن الاستراتيجية السعودية.

وفي المقابل، يرى بعض المعلقين السعوديين أن استمرار العمليات العسكرية ضروري لتحقيق

نصر حاسم على الحوثيين ومنع تكرار الهجمات.

لكن التقرير يلفت إلى أن التجارب السابقة في اليمن تكشف صعوبة تحقيق حسم سريع،

خصوصًا في ظل قدرة الحوثيين على مواصلة القتال.

كما يرى أن الرياض تواجه مخاطر اقتصادية متزايدة كلما طال أمد المواجهة.

باكستان وتركيا وفرنسا.. هل يكفي الدعم الدولي لحماية السعودية؟

في مواجهة التصعيد، كثفت السعودية تحركاتها للحصول على دعم عسكري ودبلوماسي من شركائها الدوليين.

وأشارت «إيكونوميست» إلى تفعيل اتفاق دفاع مشترك مع باكستان وتركيا، جرى توقيعه في أغسطس الماضي.

ووفق التقرير، نشرت باكستان آلاف الجنود في السعودية، مع تأكيد إسلام آباد عدم مشاركتهم في العمليات القتالية داخل اليمن.

أما تركيا، فأعلنت استعدادها لتقديم دعم دفاعي وتقني، لكنها استبعدت المشاركة في العمليات الهجومية.

وفي الوقت نفسه، قدمت بريطانيا دعمًا متعلقًا بالتزود بالوقود جوًا، بينما أعلنت

فرنسا إرسال قوات ومعدات دفاعية للمساعدة في حماية منشآت النفط السعودية على البحر الأحمر.

وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد أعلن في سبتمبر إرسال وسائل عسكرية لحماية ميناء ينبع النفطي.

وعلى الصعيد الأمريكي، أفادت المجلة بأن الرئيس دونالد ترامب رفض سابقًا

طلبات سعودية للمشاركة في ضربات جوية ضد الحوثيين.

لكنه أعلن عقب الهجوم على مطار الرياض أن واشنطن تدرس إمكانية الانضمام إلى العمليات العسكرية.

ورغم هذه التحركات، ترى المجلة أن الدعم الخارجي لا يضمن تحقيق حسم عسكري ضد الحوثيين،

في ظل تعقيدات الجغرافيا اليمنية وطبيعة المواجهة.

التفاوض مع الحوثيين.. هل يمثل المخرج الأقل تكلفة؟

في ختام تقريرها، طرحت «إيكونوميست» خيار التفاوض باعتباره المسار البديل لاستمرار الحرب.

غير أن المجلة ترى أن التوصل إلى اتفاق مع الحوثيين قد يتطلب من السعودية تقديم تنازلات اقتصادية وسياسية كبيرة.

فبحسب تقديرها، قد تطالب الجماعة بمكاسب اقتصادية، وإنهاء القيود السعودية

على المجال الجوي اليمني، إلى جانب ترتيبات أخرى مرتبطة بالصراع.

لكن هذه المطالب المحتملة لم تُعرض في التقرير بوصفها شروطًا رسمية جديدة أعلنتها الجماعة خلال مفاوضات قائمة.

وفي المقابل، ترى المجلة أن تقديم تنازلات عقب الهجمات على المنشآت المدنية قد يخلق سابقة خطيرة،

إذا اعتبر الحوثيون أن استهداف البنية التحتية وسيلة فعالة للحصول على مكاسب سياسية.

وهكذا، تجد السعودية نفسها أمام خيارين ينطوي كل منهما على تكلفة مرتفعة.

فالاستمرار في الحرب قد يؤدي إلى استنزاف عسكري واقتصادي، بينما قد يفرض التفاوض تسوية لا تحقق جميع الأهداف السعودية.

وتخلص «إيكونوميست» إلى أن أكثر من عقد من الحرب في اليمن لم يترك أمام السعودية خيارات سهلة،

في ظل قدرة الحوثيين على مواصلة الهجمات والتداعيات المتزايدة للصراع على الاقتصاد والأمن الإقليميين.

 

 

 

 

شارك المقال:

شاركنا برأيك