مقال بوك
عزت إبراهيم
عزت إبراهيم

كاتب صحفي بالأهرام

10 رسائل لترامب في ساعة واحدة

مشاركة:
حجم الخط:

أبعاد رسائل ترامب ال 10 

قراءة منشورات دونالد ترامب العشرة في ساعة واحدة تكشف أن الرجل يحاول أن يبني أمام المتابعين رواية سياسية متدرجة يبدأ من الاحتفاء بفتح مضيق هرمز، ثم ينتقل بسرعة إلى تثبيت استمرار الحصار البحري، ثم يتوسع إلى الحديث عن قرب إنجاز “الصفقة” قبل أن يقفز إلى ملفات إزالة الألغام، ومنع إسرائيل من قصف لبنان، ورفض مساعدة الناتو، وأخيرا إعلان أن إيران وافقت على ألا تغلق المضيق مرة أخرى.

يحاول الإيهام أن أمريكا صاحبة القرار 

هذا الترتيب مهم في ذاته، لأنه يقول إن ترامب لا يريد أن يترك حدث فتح مضيق هرمز يُقرأ باعتباره تنازلا إيرانيا محدودا في إطار هدنة ضيقة، ولكنه يحاول أعاد إدخال الإعلان في قصة أمريكية أكبر عنوانها أن واشنطن ما زالت صاحبة اليد العليا في البحر، وفي التفاوض، وفي رسم حدود التهدئة الإقليمية الحالية.

وضع الختم الأمريكي 

في المنشور الأول، كتب ترامب عبارة أن “إيران أعلنت للتو أن المضيق مفتوح بالكامل وجاهز للمرور الكامل. شكرا لكم”، فور الإعلان الإيراني وهو يريد أن ينقل مركز الثقل من البيان الإيراني إلى وضع الختم الأمريكي عليه.

وكأن فتح المضيق لا يكتسب معناه النهائي إلا بعد أن يمر عبر اعلانه شخصيا عنه. وحتى الخطأ أو الانزياح في قوله “the Strait of Iran” بدلا من “the Strait of Hormuz” لا يمكن استبعاد القصد العمدي فيه.، فهو ربما يعكس ذهنية ترى الممر كله من زاوية الصراع مع إيران، لا من زاوية القانون البحري أو المصالح الدولية الأوسع.

سالم أبو رخا يكتب: مؤسس الإرهاب الأول هرتزل

حسن مدبولي يكتب: الفارق بين عون والسادات

معتز منصور يكتب: ما وراء زوايا المشهد

ينزع صفة الدولية عن المضيق 

المفارقة أن ترامب نفسه ينزع صفة المضيق كممر عالمي، ويضعه باعتباره ورقة تفاوض واختبار للإرادة أمريكية بتوصيل رسالة الي أنصاره أنه أجبر خصمه على تعديل سلوكه. 

فتح المضيق واستمرار الحصار 

ثم يأتي المنشور التالي الأكثر أهمية، حيث يجمع ترامب في جملة واحدة بين فتح المضيق واستمرار الحصار: “المضيق مفتوح بالكامل، لكن الحصار البحري سيظل ساريا بالكامل فيما يخص إيران فقط إلى أن تكتمل معاملتنا مع إيران بنسبة 100%.”

هذه الصياغة الدقيقة تكشف جوهر توجهه اليوم، ترامب لا يريد فتحا يعيد الأمور إلى ما كانت عليه، وإنما فتحا انتقائيا يسمح بطمأنة الأسواق العالمية وخفض أسعار النفط، مع إبقاء الاختناق مركزا على إيران ذاتها.

بعبارة أخرى، ترامب يعيد تعريف معنى “الانفراج” بحيث يصبح انفراجا للعالم وضغطا على طهران في الوقت نفسه.

لماذا ربط بين الفتح والحصار 

وهذا يفسر لماذا ربط ترامب مباشرة بين هذا الوضع وبين فكرة أن “أغلب النقاط تم التفاوض بشأنها بالفعل”، لأنه يتحدث كما لو أن الممر العالمي عاد للعمل، بينما قناة التفاوض مع إيران بقيت محاطة بحصار بحري صريح. 

حديث ترامب المتكرر عن أن العملية “يجب أن تمضي بسرعة” وأن الصفقة باتت قريبة تقصد الوصول الي حالة نفسية وسياسية مقصودة من البيت الأبيض.

عين على الأسواق 

فترامب يدرك أن الأسواق لا تنتظر نصوص الاتفاقات، لكنها تتفاعل مع الإحساس بأن الأزمة تتحرك نحو النهاية.

كما يدرك أن الطرف المقابل يقرأ العبارات العلنية بوصفها جزءا من التفاوض نفسه، ولهذا فهو يكتب عن “قرب الاتفاق” ليس بغرض أن يشرح ما اتفق عليه فعلا، ولكن ربما حتي يضغط على عنصر الزمن ويجعل أي تراجع لاحق يبدو وكأنه مسؤولية إيرانية عن تعطيل مسار قال الرئيس الأمريكي للعالم إنه صار شبه جاهز. 

وعندما انتقل إلى الحديث عن الالغام يتحدث عن مستوى السيطرة الميدانية المباشرة على أسباب الخطر.

إزالة الألغام 

قال ترامب إن إيران، وبمساعدة من الولايات المتحدة، تعمل على إزالة كل الألغام من المضيق، وهذا النوع من الكلام يؤدي وظيفتين في آن واحد.

يمنح الأسواق والجمهور صورة عن أن مصدر التهديد المادي نفسه يجري تفكيكه، ويمنح واشنطن أيضا فرصة الظهور كطرف لا يفرض الحصار فقط، وإنما يدير كذلك عملية إعادة تأمين الممر البحري.

استعادة طبيعة المضيق التشغيلية 

ومع أن هذه الصورة لا تزال بحاجة إلى تحقق مستقل كامل، فإن قيمتها السياسية في خطاب ترامب عالية جدا، لأنها تربط بين القوة الأمريكية وبين استعادة “الطبيعة” التشغيلية للممر العالمي- أو هكذا يتصور ترامب! 

الربط مع لبنان 

ثم جاءت قفزته إلى لبنان، حين كتب أن إسرائيل “ممنوعة” من قصف لبنان من قبل الولايات المتحدة، لتكشف أن تدويناته عن هرمز لم تكن محصورة في الخليج وحده.
إنما كانت جزءا من محاولة أوسع لإظهار أن واشنطن تضبط الإقليم كله في لحظة واحدة، من مضيق هرمز إلى الجبهة اللبنانية،
هذا الربط مهم للغاية، لأن إيران كانت قد قرنت فتح المضيق بفترة وقف إطلاق النار.

سقف عسكري لإسرائيل 

وترامب بدوره يحاول أن يستعيد هذه المعادلة ويقلبها، فيظهر كأنه لا يكتفي بإدارة الملاحة والطاقة والمفاوضات النووية، وإنما يملك أيضا حق وضع السقف العسكري لإسرائيل نفسها في لبنان.

الرئيس الأمريكي يتعامل مع الوضع اليوم علي أساس أن كل الملفات صارت خيطا واحدا تمسك الولايات المتحدة بطرفيه، وهذا يفسر اندفاعه من منشور يخص الأمن البحري إلى منشور لبناني من دون مقدمات. 

الناتو والخذلان 

أما منشوره عن الناتو، وفيه يقول إن الحلف اتصل عارضا المساعدة وإنه رد عليهم بأن “يبتعدوا” ما لم يريدوا فقط “تحميل سفنهم بالنفط”، فهو يكشف طبقة أخرى من شخصيته السياسية في لحظة الأزمة.

حتى وهو يتحدث عن ممر دولي يهم العالم كله، وعن هدنة معقدة تحتاج بطبيعتها إلى ترتيبات جماعية، فإنه يصر على صياغة الحدث باعتباره نجاحا أمريكيا منفردا لا يحتاج إلى دعم حلف الناتو .

يطرد الناتو من القصة 

هذا تعبير عن تصور سياسي أعمق يرى أن تقاسم مشهد النجاح يضعف صورة القيادة.

لذلك هو يطرد الحلف من القصة في اللحظة التي يعتقد فيها أن الممر عاد إلى الحركة وأن العائد السياسي للحظة يمكن احتكاره أمريكيا. 

وحين يصل في منشوره العاشر إلى القول إن إيران وافقت على ألا تستخدم المضيق مرة أخرى “كسلاح ضد العالم”

يريد أن يعيش الذاكرة السياسية 

فهو يقصد صيغة تعهد كبير بمثابة إنجاز شخصي.- يريد له أن تعيش في الذاكرة السياسية قبل أن يختبر في الواقع.

ينتقل ترامب هنا من التعامل مع حدث آني إلى محاولة كتابة قاعدة دائمة للمستقبل، أي أنه لا يريد فقط أن يقال إن هرمز فُتح اليوم، وإنما أن يقال إن استخدام هرمز كسلاح قد كُسر كأداة إيرانية من الأصل، وهو تصور بعيد عن الواقع الفعلي.

مستويان للكتابة الترامبية 

التدقيق في هذه الإعلانات تكشف أيضا أن ترامب يتعمد الكتابة على مستويين مختلفين في الوقت نفسه: مستوى عام موجه إلى الأسواق والجمهور الواسع، وفيه كلمات بسيطة وحاسمة مثل “مفتوح بالكامل” و“شكرا” و“يوم عظيم للعالم”

ومستوى تفاوضي موجه إلى إيران وإلى الوسطاء، وفيه مصطلحات أكثر صرامة مثل “الحصار سيظل ساريا” و“معاملتنا مع إيران يجب أن تكتمل بنسبة 100%” و“أغلب النقاط تم التفاوض عليها”.

هذا الازدواج متعمد، لأنه يسمح له بأن يبيع الاستقرار لمن يريد الاستقرار، وأن يبيع الضغط لمن يريد استمرار الضغط، من دون أن يشعر أي من الجمهورين بأن الرئيس يتراجع عن الخط الذي يهمه

شارك المقال: