مقالات
سالم أبو رخا
سالم أبو رخا

كاتب صحفي

سالم أبو رخا يكتب:  في الإسكندرية حوّلوا حديقة تاريخية إلى محلات كبدة وكشري!

الإسكندرية ليست مدينة عادية حتى نتعامل مع تاريخها بخفة. هذه المدينة رأت الحملة الفرنسية وهي تدخلها، ورأت محمد كريم وهو يدفع حياته ثمنًا لرفضه الاستسلام

مشاركة:
حجم الخط:

لو كنت غريبا عن الإسكندرية أو صاحب خطوة عزيزة، ومررت اليوم أمام مسجد القائد إبراهيم في محطة الرمل، فلن يخطر ببالك أنك تقف فوق قطعة من ذاكرة الإسكندرية.

ستشم رائحة الكبدة قبل أن ترى المكان.

ستسمع نداءات الباعة، وضحكات الزبائن، وصوت الأطباق وهي تتراص فوق الطاولات.

كل شيء يقول إنك أمام منطقة تجارية ناجحة. لا شيء تقريبًا يهمس لك بأن هذه البقعة لم تُخلق لهذا الغرض.

حديقة الخالدين بعد التطوير
حديقة الخالدين بعد التطوير

هنا كانت حديقة الخالدين.

وحتى لا يهرب البعض إلى الاستنتاج الأسهل، دعونا نتفق من البداية: ليست المشكلة في مطعم، ولا في عربة كشري، ولا في بائع يقضي يومه بحثًا عن رزقه.

الإسكندرية مدينة صنعت جزءًا من روحها على المقاهي وعربات الفول ورائحة السمك المشوي. ولم يكن أحد يومًا ضد أن يعيش الناس أو يعملوا.

لكن السؤال شيء آخر.

لماذا كانت حديقة الخالدين بالذات؟

لماذا يصبح المكان الذي اختير ليحفظ ذاكرة مدينة كاملة هو أول مكان يمكن أن تتغير وظيفته تحت لافتة اسمها “التطوير”؟
الغريب أن كلمة “التطوير” أصبحت عندنا تشبه صك الغفران.

ما إن تُقال حتى يسقط حق الناس في السؤال. لا أحد يسأل: تطوير ماذا؟ ولمن؟ وما الذي سيبقى بعده؟ المهم أن هناك لافتة تقول إن ما يحدث هو تطوير، وكأن الكلمة وحدها تكفي لإغلاق باب النقاش.

لكن المدن، مثل البشر، لا تُقاس بما تضيفه فقط، وإنما بما تقرر الاحتفاظ به.

القصة بدأت قبل عقود طويلة، حين كانت الحديقة تحمل اسم فريال، نسبة إلى الأميرة فريال ابنة الملك فاروق. وبعد قيام ثورة يوليو تغير الاسم إلى حديقة الخالدين.

قد يظن البعض أن الأمر لم يكن أكثر من استبدال اسم ملكي باسم آخر، لكن الحقيقة أن الفكرة نفسها تغيرت.

لم يعد المقصود أن تحمل الحديقة اسم فرد من الأسرة الحاكمة، وإنما أن تتحول إلى مساحة تستدعي ذاكرة مدينة كاملة.

لذلك ضمت تماثيل لشخصيات صنعت وجدان الإسكندرية؛ محمد كريم الذي واجه الحملة الفرنسية ورفض أن يسلم المدينة.

وسيد درويش الذي خرج من أحياء بحري ليغير وجه الموسيقى المصرية، وعبد الله النديم، وغيرهم من أبناء المدينة الذين أصبحوا جزءًا من تاريخها.

كانت الفكرة في غاية البساطة: أن يكبر طفل سكندري، فيسأل أباه: من هذا الرجل؟ ولماذا يقف تمثاله هنا؟ فتبدأ الحكاية.
هكذا تُصنع الذاكرة.

ليس بالكتب وحدها، وإنما بالأماكن أيضًا.

تذكرنا هذه الحالة بما غنته فيروز يوماً عن “حنا السكران”؛ ذلك الرجل البسيط الذي ظنه الناس سكراناً وضائعاً، بينما لم يكن في الحقيقة سوى الحارس الحقيقي لروح المكان والزمان.

كان “حنا” هو الذاكرة الحية التي تحفظ تفاصيل البيت القديم، والدكان الصغير، وبنت الجيران، وحكايات الحارة التي توارت تحت زحام الحياة.

وحين يرحل أمثال حنا، أو تُطمس معالم الأماكن التي تشبهه، نفقد البوصلة ونتحول إلى عابرين بلا جذور.

الإسكندرية ليست مدينة عادية حتى نتعامل مع تاريخها بخفة.

هذه المدينة رأت الحملة الفرنسية وهي تدخلها، ورأت محمد كريم وهو يدفع حياته ثمنًا لرفضه الاستسلام.

وشهدت قصف الأسطول البريطاني لها عام 1882، حين تحولت أحياؤها إلى أنقاض، وكانت بداية الاحتلال البريطاني لمصر.

ومنها خرجت مظاهرات واحتجاجات ضد الاحتلال، وعلى أرضها سالت دماء المصريين أكثر من مرة، حتى جاءت معارك العدوان الثلاثي عام 1956، حين أصبحت المدينة كلها تقريبًا في حالة استنفار.

لهذا لم يكن اسم “الخالدين” اسمًا شعريًا كان وعدًا.

وعدًا بألا يتحول الذين دافعوا عن المدينة إلى مجرد أسماء في كتاب تاريخ يفتحه الطالب ليلة الامتحان ثم ينساه.

في كل مدن العالم تقريبًا، الأماكن المرتبطة بالذاكرة الوطنية تزداد قيمة مع الزمن.

إذهب إلى باريس، أو براغ، أو أثينا، أو حتى مدن صغيرة لا يعرفها كثيرون، ستجد أن الساحة التي شهدت مقاومة، أو الحديقة التي تحمل اسم مناضل، تُعامل باعتبارها جزءًا من شخصية المدينة. قد تتغير الأرضيات، وقد تُزرع أشجار جديدة، وقد تُضاف مقاعد وإنارة، لكن الفكرة لا تُمس.

أما عندنا، فيبدو أن أول ما يدخل غرفة العمليات هو الفكرة نفسها.

نحن لا نطور المكان، بقدر ما نغير وظيفته.

وهناك فرق كبير بين الأمرين.

حين بدأت أعمال “التطوير”، قيل إن الهدف هو إعادة تأهيل المنطقة وتحسينها.

لا أحد يرفض تحسين أي مساحة عامة بالعكس، لو أن حديقة الخالدين عادت أكثر خضرة، وأكثر احترامًا لتاريخها، وأكثر قدرة على جذب الناس، لكان الجميع أول المرحبين.

لكن ما يراه الناس اليوم شيء مختلف.

المكان الذي كان من المفترض أن يحكي قصة مدينة، أصبح يحكي قصة الاستهلاك.

اللافتات أكبر من التماثيل.

والإعلانات أعلى صوتًا من التاريخ.

والزائر يخرج وهو يتذكر مذاق الطعام، لا اسم الرجل الذي مات من أجل أن تبقى هذه المدينة مصرية.

هل هذه هي الفكرة التي أُنشئت الحديقة من أجلها؟

المؤلم في الحكاية أن خسارة الذاكرة لا تحدث مرة واحدة.

لا يوجد بلد يستيقظ صباحًا ليكتشف أن تاريخه اختفى.

الأمر يحدث بالتدريج.

شجرة تُزال.

تمثال يُنقل.

لوحة تعريفية تختفي.

ثم تتغير وظيفة المكان.

ثم يأتي جيل جديد لا يعرف أصل الحكاية أصلًا.

وحين يسأل أحدهم: أين كانت حديقة الخالدين؟

يجيبه آخر: تقصد منطقة المطاعم؟

وهنا تكون المدينة قد خسرت أكثر مما تتصور.

التطوير الحقيقي لا يهدم المعنى.

ولا يجعل الاستثمار خصمًا من التاريخ.

ولا يضع الناس أمام اختيار زائف: إما التنمية أو الذاكرة.

فالمدن العظيمة نجحت في الجمع بين الاثنين.

أما نحن، فما زلنا نتعامل مع الذاكرة باعتبارها رفاهية يمكن الاستغناء عنها إذا ظهرت فكرة استثمارية جديدة.

وهذا هو جوهر الأزمة.

ليس لأن حديقة اختفت.

ولكن لأننا بدأنا نتعامل مع الأماكن كما لو كانت مجرد أمتار من الأرض، بينما هي في الحقيقة صفحات من كتاب اسمه الوطن.
ربما يستطيع أي مقاول أن يبني مطعمًا في شهور قليلة.

لكن لا أحد يستطيع، مهما امتلك من المال، أن يبني ذاكرة جديدة لمدينة عمرها آلاف السنين.

ولهذا، فالقضية ليست حديقة الخالدين وحدها.

القضية هي أن كلمة “التطوير” أصبحت، في أحيان كثيرة، لا تعني إضافة شيء إلى المكان… بقدر ما تعني انتزاع الشيء الوحيد الذي كان يمنحه روحه.

شارك المقال: