رواية علي محمد علي: الراعي (17)
لم تدخل أمل الغرفة كما كانت تفعل، بل توقفت أمام الباب لحظة، وكأنها تزن قرارًا، لم يكن اندفاعًا… بل تجربة، اختبارًا لحدٍّ لم يُختبر بعد

صورة تعبيرية لغلاف الرواية
الغرفة
سكتت لحظة، ثم أشارت إلى زاوية قريبة، وإلى الثلاجة:
عندك هنا كل شيء تحتاجه، وإن احتجت شيئًا ولم تجده، فقط اضغط على هذا الزر، وستجدني عندك بعد دقائق.
نظر إلى الزر، ثم إليها، لم يسأل، لم يعلّق، فقط أومأ برأسه ببطء.
خرجت، وأغلقت الباب خلفها بهدوء.
رواية علي محمد علي : الراعي (16)
رواية علي محمد علي: الراعي (15)
وبقي هو وحده، في مكانٍ لا يعرفه، وبحياةٍ لم يبدأها بعد.
منذ الليلة الأولى، لم تتركه أمل وحده تمامًا، لم يكن ذلك من باب الشك، ولا الخوف، بل من بابٍ آخر.
باب الملاحظة، باب الفضول الذي لا يهدأ، كانت تراقبه، لا بعينٍ مباشرة، بل من خلال ما أعدّته سلفًا، وسيلة صامتة، لا تُرى، تلتقط كل حركة، كل سكون، كأن الغرفة نفسها صارت عينًا لها.
دخل عبدون الغرفة، تحرّك فيها بحذر، لم يلمس شيئًا في البداية، كأن المكان لا يزال غريبًا عليه.
ثم توضأ، ببطء، بعناية، كمن يؤدي طقسًا يعرفه جيدًا، لا يخطئ فيه، ولا يتعجل، ثم وقف، وأقام صلاته، في مواعيدها، دون أن يختلّ له إيقاع، كأن الزمن عنده لا يُقاس بالساعة، بل بشيءٍ أعمق.
كانت تتابع، تدوّن، تسجل: “انتظام صارم… لا يحتاج لمن يذكّره… الطقوس ليست عادة… بل بنية داخلية”
جلس بعد ذلك، وأخرج مصحفًا، لم تتعجب من وجوده
لكنها تعجبت من الطريقة، قرأ في هدوء، بصوتٍ منخفض، كأن الكلمات لا تُتلى… بل تُستعاد من داخله.
“تركيز عالٍ… عزلة اختيارية… لا يبحث عن تشتيت”
مرّ الوقت، اقترب الليل، نظر إلى السرير.
تنتظر، لكنه لم يقترب، ظل واقفًا قليلًا، ينظر إليه، لا باشتياق… ولا برفض… بل كمن يراه شيئًا لا يعنيه، ثم تحرّك بهدوء، وأخذ الملاءة، وفرشها على الأرض، واستلقى.
توقفت يدها عن الكتابة، نظرت، أطالت النظر “رفض للراحة المقدّمة، اختيار واعٍ للخشونة… لماذا؟
ظل نائمًا، ساكنًا، كأن الأرض أقرب إليه من أي شيء آخر، لم تنم تلك الليلة بسهولة.
في ليلةٍ لاحقة
لم تدخل أمل الغرفة كما كانت تفعل، بل توقفت أمام الباب لحظة، وكأنها تزن قرارًا، لم يكن اندفاعًا… بل تجربة، اختبارًا لحدٍّ لم يُختبر بعد.
فتحت الباب بهدوء، دخلت، كانت خطواتها محسوبة، لا تُحدث صوتًا، لكنها لم تكن خفية تمامًا، أرادت أن يُدرك وجودها،لا أن تُفاجئه.
كانت ترتدي قميص نوم خفيفًا، شفافًا، لا يصرخ، لكنه لا يختبئ، حضور أنثوي واضح، لكن بلا مبالغة، بلا استعراض.
كان جالسًا، رفع رأسه، نظر إليها
لحظة قصيرة، لكنها كافية، لم ينده، لم يقترب، لم يشيح بوجهه.
فقط، نظر، نظرة ثابتة، لا شهوة فيها، ولا خوف، ولا حتى ارتباك، كأنه يرى شيئًا لا ينتمي لعالمه، ولا يريد أن يرفضه، ولا أن يقبله.
تقدّمت خطوة، ثم توقفت، تنتظر أي رد، أي اهتزاز، أي كسر، لكن لا شيء.
فجأة، تحرّك، قام بهدوء، دون استعجال، دون توتر، مدّ يده إلى السرير، سحب الملاءة، ثم اقترب منها خطوة واحدة فقط، ووضعها عليها، غطّاها.
ببساطة، كما يُغطّى شيء يجب أن يُستر، ثم قال، بصوتٍ منخفض، خالٍ من الانفعال:
“البرد في الليل قاسٍ”
تجمّدت في مكانها
لم تكن تتوقع هذا، ليس الرفض بل طبيعته، لم ينظر إليها بعدها
عاد، جلسن كأن شيئًا لم يحدث.
وقفت لحظة أطول من اللازم، ثم خرجت، وأغلقت الباب خلفها بهدوء.
جلست في غرفتها، فتحت دفترها، ظلت صامتة للحظات، ثم بدأت تكتب
: “استجابة غير متوقعة،لا انجذاب، لا رفض عدائي، سلوك بديل: احتواء الفعل لا مواجهته.”
توقفت، ثم أضافت:
“ الحدود لديه ليست خارجية”
رفعت القلم، نظرت أمامها، ولأول مرة لم تكن متأكدة:
هل تراقبه؟ أم بدأت تدخل دائرته؟
لم تنم أمل تلك الليلة كما توقعت، كانت تتقلب في فراشها، لا بسبب ما فعلته، بل بسبب ما لم يحدث.
كانت تنتظر ردًا، أي رد، رفضًا حادًا، ارتباكًا، حتى نظرة خاطفة تحمل شيئًا من الضعف، لكنها لم تجد شيئًا، كأنها ألقت بسهم في ماء ساكن فابتلعه دون أثر.
في الصباح، جلست أمام أوراقها، تحاول أن تعود إلى لغتها المعتادة، لغة التحليل، لغة السيطرة، كتبت:
“فشل المحفز المباشر، لم تظهر استجابة غريزية متوقعة”
توقفت، شعرت أن الجملة باردة كاذبة، شطبتها، ثم كتبت:
“الموضوع، أكثر تعقيدًا”
سكتت، رفعت القلم ولم تكمل، لأول مرة، لم تكن تملك وصفًا جاهزًا.
في الغرفة الأخرى، كان عبدون مستيقظًا منذ الفجر، توضأ، وصلى، كما يفعل دائمًا، لكن هذه المرة، لم يكن ثابتًا كما كان، كانت صورته وهو يضع الملاءة عليها تعود إليه، لا كفعل،بل كسؤال: لماذا لم يغضب؟
لماذا لم يطردها؟
ولماذا لم يضعف؟
جلس، وفتح المصحف، حاول أن يقرأ، لكن الكلمات لم تستقر كما اعتادت، كانت تمرّ دون أن يمسك بها، فأغلقه ببطء.
نظر إلى السرير، ثم إلى الأرض، ثم قال لنفسه، بصوت خافت: “دي بتختبرني؟ولا بتطلب حاجة؟”
لم يجد إجابة
في اليوم نفسه، لم تنتظر أمل طويلًا، قررت أن ترى، لا أن تراقب فقط، طرقت الباب هذه المرة، صوتها هادئ:
“ممكن أدخل؟”
تأخر الرد لحظة ثم قال: “اتفضلي.”
دخلت، كانت مختلفة هذه المرة، لا شفافية، لا محاولة مباشرة، ملابس عادية، هدوء مقصود، لكنها لم تخفِ عينيها، كانت تراقبه بوضوح.
جلسا، صمت قصير
ثم قالت: “نمت كويس؟”
نظر إليها لحظة أطول من المعتاد، ثم قال:
“الأرض أريح، ابتسمت ابتسامة خفيفة، لكنها لم تكن ساخرة: “ولا السرير بيخوفك؟”
قال بهدوء: “اللي اتعودت عليه مش بيخوف.
سكتت، ثم اقتربت خطوة صغيرة بالكلام هذه المرة، لا بالجسد: وأنا؟
سؤال بسيط
لكن وقعُه لم يكن بسيطًا، رفع عينه إليها، وهنا لأول مرة تأخر. لم يكن الصمت هدوءًا هذه المرة، بل اختيارًا صعبًا، قال أخيرًا:
“أنتي… جديدة”
ابتسمت، لكن الابتسامة لم تكتمل، لأنها فهمت:
هو لم يرفضها،ولم يقبلها،هو وضعها فقط خارج تصنيفه.
رجعت خطوة للخلف
قالت، وكأنها تستعيد دورها:
“طيب خلينا نتفق أنا عايزة أفهمك”
قال: “وإذا فهمتيني؟”
قالت، بنبرة فيها تحدي خفيف:
“يمكن أغيرك”
نظر إليها، نظرة ثابتة، ثم قال: “جربي.”
سكتت وفي اللحظة دي بالذات أمل شعرت لأول مرة إنها ليست هي من تمسك اللعبة بالكامل.
وعبدون شعر لأول مرة إنه دخل اللعبة بإرادته.
لم تدخل أمل هذه المرة بعفوية، كانت خطواتها أبطأ، محسوبة، لا تحمل جرأة الليلة السابقة، بل شيئًا آخر شيئًا أقرب إلى الحذر، أو ربما…التراجع المدروس.
جلست أمامه دون مقدمات طويلة، نظرت إليه، نظرة مختلفة، فيها بقايا تحدي، لكن يختلط بها شيء خافت لم يعهده فيها من قبل.
قالت بهدوء، كأنها تبدأ من نقطة بعيدة: تفتكر بعد الالتزام بتاعك ده في مكافأة؟
رفع عبدون عينه إليها، لم يتفاجأ بالسؤال، كأنه مرّ عليه في داخله من قبل، أكملت، وهي تثبّت نظرها فيه:
في جنة وفيها نساء أحسن مني؟
سكت لحظة، ثم قالت بنبرة أخف، لكنها أخطر:
طيب ليه نؤجل المكافأة ما هي أمامنا وبين إيدينا؟
تنفّس عبدون ببطء، هذه المرة لم يمرّ الكلام عليه كما مرّ سابقًا، كان قد فكّر بالفعل.
قال بصوت منخفض: أنا كمان فكرت في ما تقوليه، تحرّكت عيناها بسرعة، التقطت الجملة كأنها صيد نادر: ووصلت لإيه؟
سكت لحظة، كأنه يختار كلماته من مكان عميق:
يمكن… التوفيق بين الاثنين فقد أحل الله حلاله وحرّم حرامه، والموضوع لم يعد اكتشافًا أو اختراعًا.
ابتسمت ابتسامة خفيفة
لكنها لم تكن رضا، بل أقرب إلى مناورة جديدة:
أفهمك لكن دعنا من الشكليات من الأمور الرسمية أنت عندك مشكلة أكبر من كده بكتير، نظر إليها، دون أن يقاطع.
اقتربت قليلًا، صوتها أصبح أكثر تركيزًا:
أنت عندك مشكلة في هويتك، أنت رجل بلا أوراق، بلا اسم ثابت، مرة تقول لي سامي، ومرة عبدون، أنت نفسك مش متأكد أنت مين.





