رواية علي محمد علي: الراعي (15)
السيدة التي انحنت يومًا على كبشه، أوقفت نزيفه، وربطت جرحه، وأعادته واقفًا، فشعر بشيء يتحرّك في صدره، ليس خوفًا، ولا اطمئنانًا كاملًا… شيء بينهما، شيء لم يختبره من قبل.

صورة تعبيرية لغلاف الرواية
بعد عدة أيام
ظلّت الفكرة تدور في رأس عبدون كشوكةٍ لا تُرى، قرار يحاول أن يؤجله، أن يدفنه قبل أن يشتدّ، كان يردّد في داخله:
لن أذهب إلى هذا الطريق ثانيةً، لكن الطريق… كان يعود إليه، كأنه يناديه من بعيد، حتى غلبه، فحمل القطيع ومضى، وقال في نفسه: لتكن هذه آخر مرة… آخر مرة فقط.
كان النهار ساكنًا على غير عادته
الهواء أخفّ، كأن الصحراء تحبس أنفاسها، حتى لمح سيارة تقف وحيدة إلى جانب الطريق، لا حركة حولها، وبجوارها سيدة، تتحدث في هاتفها بصوتٍ مرتفع، تلوّح بيديها في ضيق، كأنها تحاول أن تُسرّع ما لا يُسرّع،.
اقترب عبدون بحذر، لا يعلن نفسه، عيناه تسبقان خطواته، حتى إذا اقترب بما يكفي… توقّف.
عرفها.
رواية علي محمد علي: الراعي (14)
رواية علي محمد علي الراعي (13) عبدون والطريق
هي نفسها
السيدة التي انحنت يومًا على كبشه، أوقفت نزيفه، وربطت جرحه، وأعادته واقفًا، فشعر بشيء يتحرّك في صدره، ليس خوفًا، ولا اطمئنانًا كاملًا… شيء بينهما، شيء لم يختبره من قبل.
تقدّم خطوة.
ثم توقّف.
كأن داخله شدّه إلى الخلف.
لكنها التفتت.
رأته.
ولم تصرخ.
لم تتراجع.
بل نظرت إليه مباشرة، بعينين ثابتتين، وفي ابتسامتها شيء من الهدوء الذي لا يُفسَّر، وقالت ببساطة: أهلًا… من أنت؟
ارتبك.
تأخرت الإجابة لحظة أطول مما ينبغي، كأن اسمه لم يعد جاهزًا على لسانه، ثم قال، بصوتٍ خافت لكنه واضح: عبدون… أنا عبدون.
سكت، كأنه لا يعرف ماذا يضيف، ثم قال بعد تردد: أنا… من هنا.
هزّت رأسها قليلًا، كأنها تقبل الإجابة كما هي، دون أن تطلب تفسيرًا، ثم قالت: واضح.
نظر إلى الأرض لحظة، ثم رفع عينه إليها سريعًا، كأن النظر المباشر مخاطرة، وقال: رأيتك… من قبل.
ابتسمت ابتسامة خفيفة: ربما.
قال، وقد بدأ صوته يستعيد توازنه قليلًا: حين… ساعدتِ كبشًا… كان ينزف.
اتسعت ابتسامتها قليلًا، لا دهشة فيها بقدر ما فيها تذكّر: آه… تذكّرت.
سكتا.
مرّت لحظة قصيرة، لكنها لم تكن فارغة.
قال بعد تردد: لماذا تقفين وحدك هنا؟
أجابت بهدوء: سيارتي تعطلت… وانتظر من يأتي.
ألقى نظرة على الطريق، ثم عاد إليها: ولا تخشين؟
نظرت إليه نظرة أطول هذه المرة، كأنها تزن السؤال نفسه، ثم قالت: أخشى… إن كان هناك ما يُخيف.
لم يعرف كيف يرد.
الكلمات التي تعلّمها لا تناسب هذا الرد، فاختار الصمت.
اقترب خطوة أخرى، لكن جسده ظلّ متحفّزًا، كأنه مستعد للتراجع في أي لحظة، قال: هذا الطريق… ليس كما يبدو.
قالتها بهدوء: ولا شيء… كما يبدو.
تلاقت عيناهما للحظة.
ثم أفلت هو أولًا.
كان في نظرته شيء من الحذر، وشيء آخر بدأ يطلّ، فضول ربما، أو رغبة في الفهم، لكنه لم يتركه يكبر، أبقاه تحت السيطرة، كما تعلّم.
نظرت إليه، ثم قالت بخفة: أنت لا تبدو من العابرين.
قال، بعد صمت قصير: وأنا… لا أعبر.
ابتسمت، ولم تُعلّق.
مرّت لحظة أخرى، ثم قال، كأنه تذكّر شيئًا مهمًا: أردت… أن أشكرك.
نظرت إليه باستفهام.
أكمل: على ما فعلتِه… معه.
هزّت رأسها: لا شكر على شيء.
سكت.
ثم نظر إلى يديه، كأنهما غريبتان عليه، وقال بصوتٍ أخفض: لم يسبق… أن رأيت أحدًا يفعل ذلك.
لم تجب فورًا.
فقط نظرت إليه.
نظرة لم تكن فحصًا… ولا حكمًا… بل أقرب إلى محاولة فهم.
أشاح بعينه.
كأن النظر إليها أطول من اللازم… خطر.
وفي تلك اللحظة، لم يكن هناك شيء واضح يحدث، لا حدث كبير، ولا كلمة فاصلة، لكن شيئًا دقيقًا بدأ يتكوّن في المسافة بينهما، شيء لم يُسمَّ، ولم يُفهم، لكنه كان كافيًا لأن يجعل عبدون… لا ينسى هذه “المرّة الأخيرة”
نظرت إليه قليلًا، وكأنها لم تكتفِ بما رأت، كان في وقفته شيء غير معتاد، وفي كلماته ما لا يشبه ما اعتادت سماعه، فمالت برأسها قليلًا، وسألته بنبرة هادئة، لكنها مركّزة: تعيش هنا… وحدك؟
تردد لحظة، كأن السؤال أوسع مما يبدو، ثم قال: لست وحدي… معي القطيع.
ابتسمت ابتسامة خفيفة، لا تسخر، بل تسجّل: أقصد… بشر، هل تعيش بينهم؟
هزّ رأسه ببطء: لا.
توقفت لحظة، كأنها تضع إجابة في مكانها، ثم سألت: ولماذا؟
رفع عينه إليها، هذه المرة أطول قليلًا، وقال: لأنهم… لا يُؤتمنون.
لم ترد فورًا.
بل نظرت إليه نظرة أطول، أعمق، كأنها لا تسمع الجملة فقط، بل ما وراءها، ثم قالت بهدوء:
حكم كبير… كيف عرفت؟
سكت، كأن الإجابة لا تُقال بسهولة.
ثم قال: رأيت.
قالتها وكأنها تفتح بابًا: وماذا رأيت؟
أجاب، دون تردد هذه المرة، كأن المشاهد جاهزة في رأسه: يقتلون… يتركون من قُتل كأنه لم يكن، يخافون حين يُرَون، ولا يخافون حين يفعلون، يهربون… ويتركون ما فعلوه خلفهم.
لمعت عيناها بشيء خفي، ليس صدمة… بل انتباه.
أن ينساق بسهولة: الواحد… لا يُبطل الكثير.
سكتت.قالت: وهل رأيت غير ذلك؟
توقف، سؤال بسيط… لكنه أربكه.
فكر لحظة، ثم قال: ورأيت… من يضمد جرحًا… بلا مقابل.
ابتسمت، ابتسامة صغيرة، بالكاد تُرى: وهل هذا لا يكفي ليغيّر حكمك؟
هزّ رأسه قليلًا، كأنه يرفض
ثم قالت، وكأنها تختبر حدوده: والقطيع؟ هل هم دائمًا كما تراهم؟
نظر إليها، هذه المرة بثبات أكبر: القطيع… لا يخون.
رفعت حاجبها قليلًا: لا يخون… أم لا يملك أن يخون؟
صمت، الجملة لامسته في مكان غير مريح، لم يرد فورًا.
فأكملت، بنبرة أخف: هل الطاعة… دائمًا فضيلة؟
قال، دون أن يفكر طويلًا: الطاعة… أمان.
قالتها بهدوء: أم خوف؟
التقت عيناهما، لحظة قصيرة… لكنها مشدودة.
ثم قال، ببطء: الخوف… ينجّي.
سجّلت الجملة في داخلها، كأنها وُضعت في مكانٍ مهم.
سكتت لحظة، ثم سألته، بنبرة بدت عادية، لكنها لم تكن: ومن علّمك ذلك؟
تغيّرت ملامحه، تغير خفيف… لكنه واضح لمن يراقب.
فقال، مقتضبًا: رجل.
لم تضغط، لكن عينيها قالتا إنها فهمت أن وراء الكلمة حكاية.
نظرت إليه قليلًا، ثم قالت: كلامك… مختلف.
سأل، بحذر: مختلف… كيف؟
ابتسمت، وكأنها تختار ألا تكشف كل ما في ذهنها: كأنك ترى العالم… من مكانٍ لم يره كثيرون.
سكت.
لم يعرف هل هذا مدح… أم شيء آخر.
أما هي… فكانت تنظر إليه، لا كغريبٍ عابر، بل كمن وجد… ما لم يكن يبحث عنه، لكنه يعرف قيمته جيدًا.
نظر إليها عبدون بعينين متسائلتين، وقال بحذر: إنتِ… متجوزة؟
تفاجأت قليلاً من السؤال، لكنها لم تتردد في الإجابة: كنت متزوجة… وأصبحت أرملة منذ عشرة أعوام.
ردّ عبدون، بنبرة تحاول أن تمزج الدهشة بالتعاطف: رائع.
ارتفع حاجبها، وابتسمت بسخرية خفيفة: ما هو الرائع في ذلك؟
قال، بثبات غريب قليلًا: أنتِ تعانين من الوحدة… مثلي تمامًا.
تنهدت للحظة، ثم قالت: آه… لكنك قلت أنك راضٍ بها.
ابتسم عبدون ابتسامة قصيرة، لكنه لم يخفُ شيئًا من صرامته الداخلية: وهل وجدت بديلًا؟ ولم أتركها.
ضحكت بخفة، لكنها بسرعة ردّت: عندي لك البديل.
ارتبك للحظة: بالسرعة دي؟
نظرت إليه بعينين صافية، بعمق هادئ: الإنسان… قرار.
قال: وما البديل؟
أجابته دون تردد: أن تندمج وسط ناس حقيقيين.
سكت عبدون للحظة، ثم صوته أصبح أخفض، كأنه يزن كل كلمة: ثم… يقتلونني… أو أقتلهم؟
ابتسمت بابتسامة هادئة، أكثر ثقة من قبل، قالت: لماذا تفترض الأسوأ؟ أنا وأنت واقفان وحدنا في صحراء ممتدة… هل فكرت أنت في قتلي، أو التخلص مني؟
تردد قليلًا، ثم قال: لا… إطلاقًا.
ضحكت، ضحكة أخفقت التوتر، رقيقة، حقيقية، قالت: ولا أنا خطر ببالي.
نظر إليها، ابتسامة صغيرة ارتسمت على وجهه، وتبادلا ضحكات قصيرة، كانت كافية لتخفيف حدة الصحراء حولهما، دون أن تُخفي الفضول أو الحذر، كأنهما يعرفان أن هذه اللحظة… فقط بداية ما سيكتشفانه.
وصلت سيارة الإسعاف، ونزل منها رجلان بسرعة، أحدهما اقترب من السيدة وسأل بقلق: هل أنتِ بخير؟
أجابت بثقة: نعم، بخير.
لكن الرجل ألقى نظرة خاطفة إلى عبدون، نظرة مليئة بالريبة، فبادرت السيدة سريعًا، محاولةً تهدئة الموقف: أنا أعرفه منذ زمن.
بدأ الرجلان يفحصان السيارة ويصلحان ما تعطّل فيها، بينما وقفت أمل تتحدث مع عبدون بجدية، وكأن الوقت توقف لحظة.
فجأة، قال عبدون بفضول، وعيناه تراقبان كل حركة لها: عرفتي اسمي… لكنني لم أعرفك اسمك؟
ابتسمت بخفة وقالت: أمل… أنا الدكتورة أمل نصر.
ردّ عبدون، وكأنه يحقّق شيئًا في ذهنه: أنا قلت لنفسي من الأول إنك دكتورة.
ابتسمت، ولم تُعلّق، لكن عينيها لم تفارق نظره.
ضحكت بخفة.قال فجأة، بنبرة أقل جديّة، لكنها تحمل اهتمامًا خفيًا: إن غيرت رأيي… كيف أجدك ثانية؟
أجابت بثقة، دون أن تخفِ أي تفاصيل: أمر من هنا كل يوم مرتين، ولمدة أربعة أيام في الأسبوع، مرة في تمام الساعة السابعة صباحًا، وأخرى في تمام الساعة الثانية بعد الظهر.
هزّ عبدون رأسه، وقال بصراحة: أنا لا أعرف الوقت بالساعة.
ابتسمت ابتسامة هادئة، وكأنها توقعت الرد: فبماذا تعرفه إذن؟
قال، وهو يبتسم قليلًا: بالظل.
قال: لا تشغلي بالك، عرفت المواعيد.
نظرت إلى عبدون بعينين ثابتتين، وقالت ببطء، وكأنها تزن كل كلمة: فكر جيدًا… أنت فقط تحتاج شجاعة في اتخاذ القرار.
ردّ بثقة، مع لمحة حزم: سأفعل.





