ذا إيكونوميست: أميركا تتراجع في الشرق الأوسط.. فمن يملأ الفراغ؟
ترى «ذا إيكونوميست» أن الولايات المتحدة لن تنسحب من الشرق الأوسط، لكنها قد تتراجع عن دورها بوصفها القوة المهيمنة والضامن الأمني الرئيسي، مع اتجاه دول الخليج إلى تنويع شراكاتها الدفاعية مع تركيا وباكستان ودول أخرى، بالتزامن مع تصاعد أهمية اليمن وباب المندب ومضيق هرمز في أمن الطاقة العالمي.
ترى مجلة ذا إيكونوميست أن الشرق الأوسط يقف أمام تحول استراتيجي كبير،
مع تراجع قدرة الولايات المتحدة على أداء الدور الذي مارسته لعقود باعتبارها القوة المهيمنة والضامن الأمني الرئيسي في المنطقة.
وبحسب تحليل نشرته المجلة، فإن الحرب الأميركية مع إيران كشفت حدود القوة الأميركية،
وأضعفت ثقة عدد من الحلفاء الإقليميين بواشنطن، فيما تواجه الولايات المتحدة ضغوطًا استراتيجية واقتصادية
وسياسية تدفعها إلى إعادة حساباتها بشأن حجم انخراطها في المنطقة.
35 عامًا من التدخل الأميركي
تعود المجلة إلى عام 1991، عندما بدا أن الولايات المتحدة مقبلة على مرحلة من الهيمنة غير المنازع عليها في الشرق الأوسط،
بعد حرب الخليج ومؤتمر مدريد، بالتزامن مع اقتراب الاتحاد السوفياتي من نهايته.
لكن السنوات التالية شهدت سلسلة من التدخلات العسكرية الأميركية في العراق وليبيا وسوريا واليمن،
إضافة إلى عمليات عسكرية وأمنية أخرى.
وتخلص المجلة إلى أن هذه التدخلات حققت نتائج محدودة أو خلّفت أزمات جديدة،
فيما لم تنتج نظامًا إقليميًا مستقرًا يمكن لواشنطن الاعتماد عليه على المدى الطويل.
الحرب مع إيران.. نقطة التحول
تضع «ذا إيكونوميست» الحرب مع إيران في قلب التحول الحالي.
فالحرب، وفق تحليل المجلة، لم تقتصر آثارها على إيران، بل امتدت إلى حلفاء الولايات المتحدة في الخليج وإلى أسواق الطاقة العالمية.
وتقول المجلة إن دول الخليج تكبدت خسائر اقتصادية كبيرة نتيجة تراجع عائدات النفط والغاز والسياحة
والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، بينما تواجه الاقتصادات الإقليمية ضغوطًا إضافية بسبب استمرار الحرب.
وفي 22 سبتمبر/أيلول، جرت محادثات غير مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في نيويورك، واستمرت نحو ثلاث ساعات.
ووصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب اللقاء بأنه كان جيدًا ومثمرًا، مع استمرار التباعد بشأن شكل أي اتفاق محتمل.
اليمن يدخل قلب المعادلة
لا تفصل المجلة بين الحرب مع إيران والتطورات في اليمن.
وبحسب التقرير، أدى تقدم الحوثيين على الساحل اليمني إلى تعزيز موقعهم بالقرب من باب المندب،
وهو الممر البحري الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن.
كما استأنف الحوثيون هجماتهم على السعودية، في وقت تعرض فيه أحد خطوط النفط السعودية
لهجوم أدى إلى تعطله مؤقتًا، وفق ما يورده تقرير «ذا إيكونوميست».
وتشير تقارير مستقلة حديثة إلى أن التقدم الحوثي وصل بالفعل إلى مناطق ساحلية قريبة من باب المندب،
وأن القتال امتد إلى طرق الإمداد المؤدية إلى عدن.
وهذا يجعل اليمن جزءًا من معادلة أوسع تتداخل فيها الحرب البرية مع أمن الملاحة والطاقة.
باب المندب وهرمز.. جبهتان للطاقة
يبرز مضيقا هرمز وباب المندب باعتبارهما عنصرين أساسيين في المشهد.
فهرمز يمثل أحد أهم الممرات المرتبطة بتجارة الطاقة العالمية، بينما يمثل باب المندب بوابة استراتيجية بين البحر الأحمر وخليج عدن.
وتقول «ذا إيكونوميست» إن تصعيد الهجمات في المنطقة لم يدفع أسعار النفط إلى مستويات كارثية،
لكن أسواق الطاقة تعرضت لضغوط كبيرة.
وبحسب التقرير، تجاوز سعر خام برنت 109 دولارات للبرميل بعد هجمات الحوثيين واستهداف خط الأنابيب،
فيما تجاوز سعر «برنت المؤرخ» 130 دولارًا في وقت سابق من الشهر، بينما ارتفع سعر الديزل
في الولايات المتحدة إلى مستويات قياسية وفق ما أورده التقرير.
كما أشارت تقارير حديثة إلى أن المخاطر المتعلقة بباب المندب يمكن أن تعيد رفع أسعار النفط إذا اتسعت الاضطرابات البحرية.
ثقة الخليج بواشنطن تتراجع
تعتبر «ذا إيكونوميست» أن التأثير الأهم للحرب قد يكون سياسيًا واستراتيجيًا، وليس عسكريًا فقط.
فالحرب، وفق تحليلها، دفعت حلفاء واشنطن في الخليج إلى إعادة التفكير في مدى اعتمادهم على الولايات المتحدة في أمنهم.
وتستشهد المجلة بسلسلة من الأحداث السابقة، من الهجمات على منشآت نفطية سعودية إلى الهجمات
التي تعرضت لها دول خليجية، باعتبارها عوامل ساهمت في تراكم الشكوك بشأن مدى استعداد واشنطن لاستخدام قوتها لحماية حلفائها.
مستقبل القواعد الأميركية غير محسوم
لا يعني تراجع الدور الأميركي، بحسب التقرير، انسحاب الولايات المتحدة من الشرق الأوسط.
فالولايات المتحدة لا تزال تملك مصالح في مكافحة الإرهاب، وبيع الأسلحة، والتجارة،
والمفاوضات الدبلوماسية، إلى جانب علاقاتها الأمنية مع حلفائها.
لكن المجلة ترى أن شكل الوجود العسكري الأميركي قد يتغير، مع احتمال تقليص حجم بعض المنشآت أو إعادة تعريف طريقة استخدامها.
وتذكر المجلة أن الولايات المتحدة أنهت انسحابها من قواعد في سوريا، فيما كان من المقرر إخلاء قواعدها
في العراق بحلول نهاية سبتمبر/أيلول، مع الإشارة إلى أن هذه الخطط سبقت الحرب الحالية.
من يملأ الفراغ؟
السؤال المركزي الذي يطرحه التقرير هو: إذا تراجع الدور الأميركي، فمن يستطيع ملء الفراغ؟
وترى المجلة أن القوى الكبرى خارج المنطقة لا تبدو مستعدة أو قادرة على القيام بهذا الدور.
فأوروبا تفتقر، وفق التحليل، إلى القدرات العسكرية اللازمة، وروسيا منشغلة بالحرب في أوكرانيا،
بينما لا تزال الصين محدودة الخبرة في العمليات العسكرية الكبرى خارج حدودها.
لذلك تبرز ثلاث قوى إقليمية غير عربية في الحسابات الجديدة: إيران وتركيا وإسرائيل.
وتصف المجلة إيران وإسرائيل بأنهما قادرتان على تعطيل النظام الإقليمي، لكنهما لا تبدوان قادرتين بمفردهما على بناء نظام بديل.
أما تركيا، فتملك مزيجًا من القدرات العسكرية والدبلوماسية وصناعة السلاح، وهو ما يمنحها وزنًا متزايدًا في الحسابات الإقليمية.
السعودية وتركيا وباكستان.. ترتيبات أمنية جديدة
في المقابل، بدأت دول عربية، خصوصًا دول الخليج، البحث عن شراكات أمنية جديدة.
ويشير التقرير إلى اتفاقات وتفاهمات بين السعودية وتركيا وباكستان، إضافة إلى ترتيبات بحرية لتأمين البحر الأحمر.
وتؤكد تقارير حديثة أن وزراء خارجية السعودية وتركيا وباكستان بحثوا في نيويورك في 25 سبتمبر/أيلول
ترتيبات لعقد اجتماع عاجل لرؤساء أركان الدول الثلاث لبحث سبل دعم السعودية في إطار اتفاق الدفاع المشترك.
كما أكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان استعداد بلاده لتلبية احتياجات عسكرية سعودية محتملة في إطار اتفاق الدفاع الثلاثي.
وهذه التطورات تعطي وزنًا عمليًا لفكرة إعادة توزيع المسؤوليات الأمنية في المنطقة،
وإن كانت طبيعة هذه الترتيبات ومستوى التزام أطرافها لا يزالان قيد التطور.
الخليج يبحث عن بدائل في السلاح
ترى «ذا إيكونوميست» أن إعادة التفكير في الأمن لا تقتصر على التحالفات، بل تمتد إلى مصادر التسليح.
فدول الخليج، بحسب التقرير، قد تتجه إلى تنويع موردي السلاح بدل الاعتماد الكبير على الولايات المتحدة.
وتشير المجلة إلى تنامي الاهتمام بالصواريخ والطائرات المسيّرة التركية، إضافة إلى التعاون العسكري
والصناعي مع دول أخرى، وتوجه بعض الدول الخليجية إلى تعزيز التصنيع العسكري المحلي.
ويأتي ذلك في وقت تظهر فيه مؤشرات على اتساع التعاون الدفاعي السعودي مع تركيا وباكستان.
هل تستطيع الدول العربية بناء نظامها الأمني؟
في الجزء الأبعد مدى من التحليل، ترى «ذا إيكونوميست» أن تراجع الدور الأميركي سيضع الدول العربية أمام مسؤولية أكبر.
لكن المشكلة، وفق المجلة، ليست في امتلاك المال أو شراء الأسلحة فقط، بل في القدرة على بناء تعاون إقليمي مستدام.
وتشير إلى ضعف مؤسسات العمل العربي المشترك، وإلى استمرار الخلافات بين الدول العربية بشأن ملفات إقليمية، بينها اليمن.
وبالتالي، فإن الانتقال من الاعتماد على الضامن الأميركي إلى نظام إقليمي أكثر استقلالًا يتطلب،
بحسب التحليل، جيوشًا أكثر كفاءة، وتحالفات أقوى، وقدرًا أكبر من التعاون السياسي والأمني.
الشرق الأوسط أمام مرحلة مختلفة
الخلاصة التي يقدمها تقرير «ذا إيكونوميست» ليست أن الولايات المتحدة ستغادر الشرق الأوسط، بل أن طبيعة حضورها قد تتغير.
فالولايات المتحدة ستظل صاحبة مصالح أمنية واقتصادية وسياسية في المنطقة،
لكنها قد تصبح أقل استعدادًا لتحمل العبء الذي حملته خلال العقود الماضية.
وفي المقابل، قد تضطر دول المنطقة إلى تحمل مسؤولية أكبر عن أمنها، وتنويع شراكاتها، وبناء ترتيبات دفاعية جديدة.
لكن هذه العملية لن تكون بالضرورة مستقرة أو سريعة.
فالتقرير يحذر من أن المرحلة الانتقالية قد تكون أكثر فوضى على المدى القصير،
قبل أن تدفع الضغوط الإقليمية الدول العربية إلى محاولة بناء نظام أكثر اعتمادًا على نفسها.
وهنا تكمن المسألة الرئيسية: هل يؤدي تراجع الهيمنة الأميركية إلى فراغ أمني وفوضى أكبر،
أم يدفع دول الشرق الأوسط إلى بناء منظومة إقليمية أكثر استقلالًا؟
شاركنا برأيك