مقالات
د. فاروق شرف
د. فاروق شرف

إستشاري وخبير ترميم الاثار والمنشآت التاريخية.

د. فاروق شرف يكتب: مصر حيث تنبض الحجارة بالحياة، ويبتسم التاريخ (1) شارع المعز

ولعل ما لا يعرفه كثير من الناس أن شارع المعز يحتضن أكبر تجمع متكامل للآثار الإسلامية في العالم داخل شارع واحد

مشاركة:
حجم الخط:

1- شارع المعز… متحفٌ مفتوح تحت سماء القاهرة:

ما إن تخطو أولى خطواتك في شارع المعز لدين الله الفاطمي، حتى تشعر أنك لم تعد تسير في شارع من شوارع القاهرة، بل عبرت بوابة الزمن إلى عالم آخر.

عالم تتجاور فيه المآذن والقباب، وتتحدث فيه الأحجار بلغة التاريخ، ويهمس كل جدار بقصة سلطان، أو عالم، أو صانع، أو عابد مرَّ من هنا منذ مئات السنين.

هذا الشارع ليس مجرد ممرٍ أثري، بل هو قلب القاهرة التاريخية النابض، والشريان الذي دبت فيه الحياة منذ أن أسس الفاطميون مدينة القاهرة عام 969م.

ومن هنا خرجت مواكب الخلفاء، وسارت جيوش السلاطين، ومر العلماء والفقهاء، وازدحمت الأسواق بالتجار القادمين من مشارق الأرض ومغاربها، حتى أصبحت القاهرة واحدة من أعظم مدن العالم الإسلامي.

ولعل ما لا يعرفه كثير من الناس أن شارع المعز يحتضن أكبر تجمع متكامل للآثار الإسلامية في العالم داخل شارع واحد.

ففي مسافة لا تتجاوز بضعة كيلومترات، تقف عشرات المساجد، والمدارس، والبيمارستانات، والسبل، والوكالات، والقصور، والأسبلة، شاهدة على ما يزيد على ألف عام من الإبداع المعماري، حتى أصبح الشارع بحق متحفًا مفتوحًا تحت سماء القاهرة.

صورة شارع المعز لدين الله الفاطمي بالقاهرة
صورة شارع المعز لدين الله الفاطمي بالقاهرة

ومن أجمل ما يلفت النظر أن معظم هذه المباني لم تُشيد لتكون قصورًا للحكام فحسب، بل كانت رسالة حضارية وإنسانية.

فهناك سبيل يروي عطش العابرين، وكتاب يعلم الأطفال القرآن الكريم، ومدرسة لنشر العلم، وبيمارستان يعالج المرضى بالمجان.. لقد كانت العمارة في الحضارة الإسلامية رسالة رحمة قبل أن تكون فنًا للبناء.

وعندما تتأمل زخارف الأحجار، ودقة المقرنصات، وروعة الأبواب الخشبية المطعمة بالنحاس، تدرك أن البنَّاء المسلم لم يكن يضع حجرًا فوق حجر، بل كان يكتب آية من آيات الجمال والإيمان.

ولذلك بقيت هذه الأعمال شامخة بعد مرور قرون طويلة، تتحدى الزمن، وتؤكد أن الحضارة الحقيقية هي التي تبني الإنسان قبل أن تبني الجدران.

ومع حلول المساء، يتغير وجه شارع المعز تمامًا.

فالإضاءة الهادئة تمنح الأحجار روحًا جديدة، وكأن التاريخ يستيقظ من سباته، فتشعر أن المآذن ترتفع بالدعاء، وأن القباب تروي حكايات من مروا تحت ظلالها، وأن القاهرة القديمة لا تزال تحتفظ بسرها الجميل لكل من يعرف كيف يصغي إلى صمتها.

إن زيارة شارع المعز ليست نزهة عابرة، بل رحلة إلى قلب الهوية المصرية؛ رحلة تُذكِّرنا بأن هذه الأرض لم تكن يومًا مجرد وطن، بل كانت منارةً للعلم، وملتقى للحضارات، ومسرحًا لتاريخ صنعه رجال آمنوا بأن الجمال عبادة، وأن إعمار الأرض رسالة.

شارك المقال: