د. فاروق شرف يكتب: سعد زغلول الرجل الذي أشعل ثورة أمة
جسد سعد زغلول واقفًا في هيئة القائد الواثق، رافعًا يده وكأنه يخاطب الجماهير من جديد، بينما استلهم في وقفته روح الفراعنة العظماء.

تمثال سعد زغلول
الزعيم الذي حوّل الكلمات إلى ثورة فخلّدته مصر بتمثال من المجد
تمر يوميًا أمامه آلاف السيارات وعشرات الآلاف من البشر
يرفع يده في صمتٍ مهيب، وكأنه ما زال يخطب في الجماهير، يدعوها إلى الحرية والاستقلال.
أنه تمثال الزعيم سعد زغلول
الحكاية هنا ليست حكاية تمثال من البرونز، بل حكاية وطنٍ كامل آمن بأن الحرية تستحق التضحية.
ولد سعد زغلول في قرية إبيانة بمحافظة كفر الشيخ الحالية، في أسرة مصرية ريفية بسيطة، وفقد والده وهو لا يزال طفلًا صغيرًا، لكنه حمل منذ شبابه المبكر روحًا استثنائية جعلته واحدًا من أبرز رجال الحركة الوطنية المصرية.
تلقى تعليمه في الأزهر ثم في مدرسة الحقوق، وتميز بذكائه وثقافته وقدرته الفريدة على الخطابة والإقناع، حتى أصبح صوتًا معبرًا عن آمال المصريين في التحرر من الاحتلال البريطاني.
ومع مطلع القرن العشرين كانت مصر تغلي بالأحداث.
. احتلال أجنبي…
. ومطالب شعبية بالاستقلال…
. وأمة تبحث عن قائد يلتف حوله الجميع.
فكان سعد زغلول.
– وفي الثالث عشر من نوفمبر عام 1918 توجه مع رفاقه إلى المعتمد البريطاني مطالبين بحق مصر في الاستقلال وتمثيل نفسها أمام العالم.
كانت تلك الخطوة الشرارة الأولى.
د. فاروق شرف يكتب: هرم زوسر أول صرخة حجرية في تاريخ الإنسانية
د. فاروق شرف يكتب: مسار العائلة المقدسة بين القداسة والقيمة الأثرية
ثم جاء قرار نفي سعد زغلول.
لكن الاحتلال لم يكن يدرك أن نفي الرجل سيحوّله إلى رمز.
فانطلقت ثورة 1919 في كل أنحاء البلاد، وخرج المصريون رجالًا ونساءً، مسلمون ومسيحيون، يهتفون باسم سعد زغلول مطالبين بعودته واستقلال وطنهم.
– لقد أصبح الزعيم بالنسبة للمصريين أكثر من شخص…
أصبح رمزًا للأمة كلها.
وبعد سنوات من الكفاح السياسي عاد سعد زغلول ليتولى رئاسة الحكومة عام 1924، بعد فوز حزب الوفد بأغلبية ساحقة في أول انتخابات برلمانية حقيقية شهدتها مصر الحديثة.
وظل رمزًا للنضال الوطني حتى رحيله عام 1927.
لكن الأمة لم تنس قائدها.
– وبعد وفاته بعشر سنوات تقريبًا بدأ مشروع قومي لتخليد ذكراه.
فدعت الحكومة والوفد المصريين إلى الاكتتاب الشعبي لإقامة تمثال يليق بزعيم الأمة.
وتدفقت التبرعات من أبناء الشعب، وكأن المصريين أرادوا أن يقولوا للزعيم الراحل:
لقد رحلت بجسدك… لكنك باقٍ في وجدان الوطن.

هنا تبدأ حكاية الأثر
فقد أسند تنفيذ التمثال إلى الفنان المصري العظيم محمود مختار، صاحب تمثال نهضة مصر وأحد رواد النحت الحديث في العالم العربي.
ولم يصنع مختار تمثالًا عاديًا.
بل صاغ رؤية فنية ووطنية متكاملة.
فجسد سعد زغلول واقفًا في هيئة القائد الواثق، رافعًا يده وكأنه يخاطب الجماهير من جديد، بينما استلهم في وقفته روح الفراعنة العظماء.
فقدم نموذجًا فريدًا يمزج بين أصالة الفن المصري القديم وروح الفن الحديث.
أما قاعدة التمثال فليست مجرد قاعدة حجرية، بل سجل تاريخي مصور.
فقد زينها مختار بلوحات برونزية تحكي أهم محطات النضال الوطني، ومنها مشهد وفد الأمة المصرية وهو يقدم مطالب الاستقلال للسلطات البريطانية، ومشهد الجماهير وهي تحمل سعد زغلول على الأعناق بعد عودته من المنفى.
كما تتوسط القاعدة أعمدة جرانيتية ضخمة مستوحاة من أعمدة معابد مصر القديمة، لتؤكد فكرة الاستمرارية بين مجد الأجداد ونهضة الأحفاد.

لذلك لم يكن التمثال مجرد عمل فني
بل رسالة وطنية منحوتة في البرونز والجرانيت.
رسالة تقول إن الأمم العظيمة لا تنسى رجالها.
– واليوم يقف تمثال سعد زغلول شامخًا في الجزيرة بالقاهرة، مواجهاً للنيل وكوبري قصر النيل، شاهداً على أكثر من ثمانية عقود من تاريخ مصر الحديث.
* تمر الأجيال من حوله.
* وتتغير الحكومات.
* وتتبدل الأحوال.
* ويبقى هو واقفًا كما أراده محمود مختار:
زعيمًا يخاطب المستقبل.
ربما لو توقفنا قليلًا أمام هذا التمثال، لوجدنا أنه لا يجسد شخص سعد زغلول وحده.
بل يجسد فكرة خالدة:
” أن إرادة الشعوب أقوى من الاحتلال، وأن الوطن لا يبنى إلا بأبنائه المؤمنين به “
ويبقى السؤال:
إذا كانت الأمم العظيمة تخلّد قادتها بالآثار والتماثيل والذاكرة الوطنية
أفلا يستحق زعيم الأمة سعد زغلول أن يبقى تمثاله محل رعاية وصيانة واهتمام دائم، باعتباره شاهدًا على واحدة من أعظم صفحات الكفاح الوطني المصري؟






