حسن مدبولي يكتب: أدي اللي كان يا مولانا (سيد درويش)
سيد درويش فكان شيئًا آخر تمامًا إذ خرجت أعماله الوطنية والاجتماعية من داخله ومن إحساسه بالناس والوطن، لا من تكليف رسمي ولا انتظار لمكافأة.
فنان الشعب سيد درويش المجدد الأول للموسيقى في القرن العشرين
في ذكرى وفاة سيد درويش، نستعيد واحدًا من أعظم الذين عبروا عن مصر والناس في تاريخها الحديث.
فالرجل لم يكن مجرد ملحن ومطرب كبير، وإنما كان ظاهرة فنية ووطنية نادرة، جعلت من الفن لسانًا للشارع، ومن اللحن مرآةً لآلام المصريين وآمالهم.
وإذا كان من الصعب المفاضلة بين عمالقة الموسيقى المصرية، فإن سيد درويش يظل، في تقديري، صاحب التجربة الوطنية الأكثر صدقًا والتصاقًا بالناس.
فقد ارتبطت أعمال أم كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم وفريد الأطرش وغيرها من كبار الفنانين بأغانٍ وطنية وثورية عظيمة، لا ينكر أحد جمالها وتأثيرها، لكن جانبًا مهمًا منها جاء في إطار رسمي، أو في ظل علاقة ما بالسلطة ومؤسساتها.
أما سيد درويش فكان شيئًا آخر تمامًا
إذ خرجت أعماله الوطنية والاجتماعية من داخله ومن إحساسه بالناس والوطن، لا من تكليف رسمي ولا انتظار لمكافأة.
بل إن كثيرًا من أعماله لم تجلب له المال ولا المكانة، وإنما المتاعب، لأنه انحاز إلى العمال والفلاحين والبسطاء، وتناول قضايا الوطن والاستقلال والظلم الاجتماعي بلغة يفهمها الناس ويشعرون بها.
ومع ذلك لم تكن أعماله مجرد هتافات حماسية
فقد كان مجددًا موسيقيًا حقيقيًا، نقل الموسيقى المصرية إلى آفاق جديدة، وصاغ ألحانًا ما زالت حية بعد أكثر من قرن.
ولعل أبلغ ما يختصر مكانته أن أحد ألحانه صار النشيد الوطني المصري: «بلادي بلادي بلادي»
وأيضا من روائعه الخالدة لحن “أهو ده اللي صار” كلمات بديع خيري، تلك الأغنية التي لم تفقد شيئًا من وجعها رغم مرور أكثر من مائة عام.
فهي عتاب لمصر على ما يلقاه الوطنيون من لوم بدلًا من الإنصاف، وبدت وكأن كلماتها كُتبت بالأمس:
«تلوم عليا إزاى ياسيدنا
وخير بلادنا ماهوش فى ايدنا ؟»
ثم يبلغ المعنى ذروته حين يحذر من انقسام أصحاب القضية الوطنية، ويدعوهم إلى أن يتجاوزوا خلافاتهم ويتكاتفوا:
“وبدل ما يشمت فينا حاسد
إيدك في إيدي
وقوم نجاهد”
وهكذا كان سيد درويش، لم ينظر إلى الشعب من بعيد
إنما عاش بينه ووسط أفراده وانحاز إلى طبقاته المقهورة والبسطاء وأصحاب القضايا الوطنية، فبقيت أعماله بعد رحيله، وانتقلت من جيل إلى جيل، ومن حنجرة إلى حنجرة، من دون أن تفقد قدرتها على التأثير.
رحل سيد درويش في 15 سبتمبر 1923، ولم يتجاوز الحادية والثلاثين، لكنه ترك تراثًا يفوق بكثير سنوات حياته القصيرة.
وظلت ملابسات وفاته موضع روايات متباينة؛ فبينما شاعت رواية وفاته بسبب جرعة مخدرات زائدة، نفت أسرته ذلك، واستندت إلى ما قيل عن إقلاعه عن المخدرات قبل وفاته، وإلى ما أورده بديع خيري في مذكراته.
وذهب بعض أفراد أسرته إلى احتمال تعرضه لتسمم مدبر بسبب مواقفه وأعماله الوطنية.
رحم الله سيد درويش، عاش واحدًا وثلاثين عامًا فقط، لكنه ترك لمصر ما عجز آخرون عن تركه في أعمار أطول؛ ترك فنًا لم يمت، لأنه خرج من قلب وطن لم يمت ولايزال يكافح .
شاركنا برأيك