علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
تقارير
ماريا أيمن خالد
ماريا أيمن خالد

صحفية وباحثة في العلاقات الدولية

الغارات الأردنية على جنوب سوريا تفتح جبهة توتر جديدة بعد هجوم كنيسة الكرك

أعادت الضربات تسليط الضوء على التحديات الأمنية على الحدود بين البلدين، وسط خلاف بشأن التنسيق العسكري وتضارب التقارير حول حصيلة الضحايا في الجانب السوري.

مشاركة:
حجم الخط:

هجوم دموي على كنيسة في الكرك يطلق سلسلة من التطورات الأمنية

شهدت العلاقات الأردنية السورية تصعيداً أمنياً عقب الغارات الجوية التي نفذها سلاح الجو الأردني على مواقع في جنوب سوريا، الاثنين 26 أكتوبر/تشرين الأول 2026.

وذلك بعد ثلاثة أيام من الهجوم المسلح الذي استهدف مراسم جنازة في كنيسة بمحافظة الكرك جنوبي الأردن، يوم الجمعة 23 أكتوبر.

وقالت عمّان إن الضربات استهدفت مواقع مرتبطة بجماعات مسلحة يُشتبه بصلتها بالهجوم، فيما أثارت العملية خلافاً بشأن التنسيق العسكري بين البلدين، بالتزامن مع تقارير سورية عن سقوط ضحايا مدنيين وإعلان إغلاق معبر نصيب الحدودي.

وأعادت الضربات تسليط الضوء على التحديات الأمنية على الحدود بين البلدين، وسط خلاف بشأن التنسيق العسكري وتضارب التقارير حول حصيلة الضحايا في الجانب السوري.

وبدأت الأحداث يوم الجمعة 23 أكتوبر، عندما أطلق مسلحون النار خلال مراسم جنازة في كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك.

وأسفر الهجوم عن مقتل سبعة أشخاص وإصابة نحو 40 آخرين، وفق الحصيلة الأولية التي نقلتها وكالة رويترز، قبل أن ترتفع حصيلة القتلى إلى تسعة خلال الأيام التالية، وفق تقارير إعلامية دولية.

وأثار الهجوم صدمة في الأردن، حيث تُعد الهجمات المسلحة التي تستهدف تجمعات مدنية ومؤسسات دينية من الأحداث النادرة.

ووصف مسؤولون أردنيون الاعتداء بأنه عمل إرهابي مرتبط بالتطرف، فيما تعهدت الحكومة بمحاسبة المسؤولين عنه.

كما وجّه الملك عبد الله الثاني السلطات إلى اتخاذ إجراءات حازمة بحق المتورطين، في وقت أعلنت فيه المملكة الحداد الرسمي على الضحايا.

ولم تعلن أي جماعة مسؤوليتها عن الهجوم، كما لم تتوافر في التقارير الأولية أدلة مستقلة تحسم ارتباط المنفذين بتنظيم مسلح بعينه.

وشكّلت هذه النقطة أساساً للتطورات الأمنية اللاحقة، بعدما أعلنت عمّان تحديد هوية المشتبه بهم وتعقّبهم.

اعتقال ثلاثة مشتبه بهم وتحقيقات تربط الهجوم بجنوب سوريا

في تطور لاحق، أعلنت السلطات الأردنية، الاثنين 26 أكتوبر، اعتقال ثلاثة مشتبه بهم في الهجوم، عقب اشتباك مسلح مع قوات الأمن في منزل مهجور بمنطقة الجديدة في محافظة الكرك.

وأفادت مديرية الأمن العام بأن المشتبه بهم رفضوا الاستسلام وأطلقوا النار على القوة الأمنية، التي ردت عليهم وتمكنت من اعتقالهم بعد إصابتهم.

كما عثرت القوات، وفق البيان الرسمي، على أسلحة وذخائر في الموقع، ولم تُسجل إصابات بين أفرادها.

وأوضحت السلطات أن التحقيقات الأولية أظهرت، بحسب تقديرها، صلات بين المشتبه بهم وجماعات مسلحة تنشط في جنوب سوريا.

غير أن المسؤولين الأردنيين لم يسمّوا هذه الجماعات في الإعلانات المتعلقة بالغارات، ولم يصدر إعلان مستقل يثبت بصورة قاطعة طبيعة تلك الصلات أو حجمها.

وفي هذا السياق، أعلنت القوات المسلحة الأردنية أن سلاح الجو نفذ ضربات استهدفت ما وصفته بمخابئ ومواقع لجماعات مسلحة في جنوب سوريا.

وقالت عمّان إن العملية جاءت رداً على الهجوم في الكرك، وإنها استهدفت مواقع مرتبطة بالجماعات التي تعتقد أن المشتبه بهم على صلة بها.

وأفادت البيانات الأردنية بمقتل وإصابة أفراد من تلك الجماعات وتدمير عدد من المركبات، من دون تقديم تفاصيل مستقلة كاملة عن هوية المستهدفين أو المواقع التي تعرضت للقصف.

وبذلك انتقلت القضية من تحقيق أمني داخل الأردن إلى عملية عسكرية عبر الحدود، وهو تطور يثير تساؤلات بشأن آليات التعامل مع التهديدات العابرة للحدود وحدود التنسيق بين الدولتين في ظل الأوضاع الأمنية المعقدة في جنوب سوريا.

الغارات تسفر عن ضحايا في سوريا ودمشق تعترض على التنسيق

أفاد الدفاع المدني السوري، في تقرير أولي، بمقتل سبعة أشخاص، بينهم ثلاثة أطفال وامرأة، وإصابة ثلاثة آخرين جراء الغارات الأردنية.

وأضاف أن فرق الطوارئ استجابت لأربعة مواقع تعرضت للغارات الجوية في ريفي درعا والسويداء، ما يشير إلى امتداد الضربات إلى أكثر من منطقة في جنوب سوريا.

وفيما يتعلق بالتنسيق العسكري، ذكرت القوات المسلحة الأردنية أن العملية نُفذت بالتنسيق مع دمشق، في حين قدمت الحكومة السورية رواية مختلفة، إذ أعلنت فتح تحقيق في الضربات الأردنية، وشددت على أهمية التنسيق الميداني والأمني في المناطق الحدودية.

ونقلت الوكالة العربية السورية للأنباء «سانا» عن وزارة الخارجية السورية قولها في بيان:

«أبلغنا الأشقاء في الأردن تحفظنا الكامل على تنفيذ عمليات داخل الأراضي السورية دون تنسيق مسبق».

ويعكس هذا التصريح تبايناً في الموقفين الرسميين بشأن مستوى التنسيق الذي سبق الغارات، رغم تأكيد الجانبين أهمية التعاون الأمني على الحدود.

ولم يصدر تعليق أردني إضافي على حصيلة الضحايا التي أعلنها الدفاع المدني السوري.

وفي ظل اختلاف الروايتين بشأن التنسيق المسبق، تبقى تفاصيل العملية وملابسات استهداف المواقع الأربعة موضع متابعة، بالتزامن مع التحقيق السوري في الضربات.

ويبرز هنا اختلاف جوهري بين الروايتين

الأردن يربط عمليته بضرورة مواجهة جماعات يشتبه بضلوعها في هجوم دموي داخل أراضيه، بينما تركز دمشق على اعتراضها على تنفيذ الضربات من دون تنسيق مسبق، وعلى الخسائر البشرية التي أعلنتها فرق الدفاع المدني.

ولا تزال تفاصيل المواقع المستهدفة والجهات الموجودة فيها بحاجة إلى مزيد من التوضيح المستقل.

إغلاق معبر نصيب وتداعيات محتملة على العلاقات الثنائية

في أعقاب الغارات، أعلنت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية إغلاق معبر نصيب الحدودي مع الأردن يوم الثلاثاء 27 أكتوبر، وتعليق حركة المسافرين والتبادل التجاري في الاتجاهين.

وبررت الهيئة القرار بالتطورات الميدانية في محافظة درعا، مشيرة إلى أن الإجراء يهدف إلى حماية المسافرين والعاملين في المعبر.

ويمثل معبر نصيب، المقابل لمعبر جابر من الجانب الأردني، نقطة عبور مهمة لحركة الأفراد والبضائع بين البلدين، كما يشكل ممراً برياً رئيسياً للتجارة الإقليمية.

ولذلك، فإن إغلاقه، حتى إن كان مؤقتاً، يضيف بُعداً اقتصادياً إلى الأزمة الأمنية، مع احتمال تأثر حركة الشاحنات والمسافرين والشركات التي تعتمد على الطريق البري بين الأردن وسوريا.

وتتجاوز تداعيات التطورات الأخيرة حدود الخلاف بشأن عملية عسكرية واحدة؛ إذ تضع البلدين أمام اختبار يتعلق بكيفية مواجهة التهديدات المسلحة مع الحفاظ على قنوات الاتصال واحترام السيادة.

فعمّان تسعى إلى منع امتداد المخاطر الأمنية إلى أراضيها، في حين تؤكد دمشق ضرورة التنسيق معها في أي تحركات عسكرية داخل الأراضي السورية.

وفي ظل استمرار الاتصالات وعدم اتضاح جميع تفاصيل الغارات، ستتوقف طبيعة المرحلة المقبلة على نتائج التحقيقات الأردنية والسورية، وما ستقدمه السلطات من معلومات بشأن الروابط المزعومة بين المشتبه بهم والجماعات المستهدفة، فضلاً عن قدرة الجانبين على احتواء الخلاف وإعادة فتح المعبر الحدودي.

وحتى الآن، يبقى المؤكد أن هجوم الكرك أطلق سلسلة من الإجراءات الأمنية والعسكرية التي نقلت تداعياته إلى جنوب سوريا، وفتحت ملفاً حساساً يتعلق بالأمن الحدودي والتنسيق بين عمّان ودمشق،

في وقت تتزايد فيه أهمية احتواء التوتر وتوضيح ملابسات الضربات لتجنب انعكاسات أوسع على العلاقات الثنائية وحركة التجارة بين البلدين.

شارك المقال:

شاركنا برأيك