علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
د. فاروق شرف
د. فاروق شرف

إستشاري وخبير ترميم الاثار والمنشآت التاريخية.

د. فاروق شرف يكتب: مصر… حيث يصنع الإنسانُ أثرًا لا يموت (7) سيد كريم

كان كريم شديد الاهتمام بمستقبل القاهرة والمدن المصرية، ولذلك وضع دراسات وتصورات لتطوير القاهرة، واهتم بفكرة تنظيم النمو العمراني بدلًا من ترك المدينة تتمدد بصورة عشوائية

مشاركة:
حجم الخط:

الرجل الذي رأى القاهرة قبل أن تولد

معماري ومخطط عمراني مصري، ارتبط اسمه بمرحلة مهمة من تاريخ العمارة والتخطيط العمراني في مصر خلال القرن العشرين، وترك وراءه أفكارًا ومشروعات ودراسات تكشف عن عقل كان ينظر إلى المدينة باعتبارها كائنًا حيًا لا مجرد مجموعة من المباني.

ولد سيد كريم سنة 1911، وتلقى تعليمه الهندسي في القاهرة، وتخرج في قسم العمارة بمدرسة المهندسخانة الملكية، التي أصبحت لاحقًا كلية الهندسة بجامعة القاهرة، سنة 1933.

وهنا توجد ملاحظة مهمة: بعض المصادر تذكر أنه حصل على دبلوم العمارة سنة 1932، ثم

اتجه إلى دراسة التخطيط العمراني، في وقت كانت فيه هذه التخصصات لا تزال في طور التشكل داخل مصر.
وكانت هذه نقطة مهمة جدًا.

فالمعماري التقليدي يسأل: كيف أبني هذا المبنى؟

أما مخطط المدن فيسأل: كيف ستعيش المدينة كلها؟  أين يسكن الناس؟  أين يعملون؟  كيف يتحركون؟

أين تكون الأسواق؟ أين المدارس؟ كيف ترتبط الأحياء؟ كيف تحافظ المدينة على تاريخها وهي تتوسع؟

ومن هنا بدأ سيد كريم يفكر بطريقة مختلفة، القاهرة ليست مباني، ربما تكون هذه الفكرة هي المفتاح لفهم مشروع سيد كريم كله.
كان يرى أن المدينة ليست مجرد: قصر، مسجد، شارع، ميدان، بل هي شبكة متكاملة من: الإنسان + الحركة + السكن + العمل + الثقافة + الاقتصاد + التاريخ.

هذا التفكير كان متقدمًا على كثير من الممارسات العمرانية التي كانت سائدة في مصر في ذلك الوقت.

إلى أوروبا

في بدايات مسيرته العلمية، اتجه سيد كريم إلى أوروبا لاستكمال دراسته، وتخصص في التخطيط العمراني.

وتشير الدراسات المنشورة عن حياته إلى حصوله على الدكتوراه في التخطيط العمراني من جامعة زيورخ، وعودته إلى مصر حاملًا معه أفكار المدرسة الأوروبية الحديثة في تخطيط المدن.

لكن الأهم: أنه لم يعد ليقلد أوروبا، بل حاول أن يسأل: كيف يمكن تطبيق التخطيط الحديث على مدينة لها عمر القاهرة؟
وهنا بدأ الاختلاف.
القاهرة القديمة أمام المدينة الحديثة، كان أمام المخطط العمراني المصري معضلة شديدة التعقيد: كيف نبني مدينة حديث دون أن نهدم المدينة التاريخية؟

كيف نفتح الطرق دون أن نمحو الأزقة القديمة؟ كيف نحتاج إلى مساكن جديدة دون أن نفقد شخصية القاهرة؟ كيف تدخل السيارات دون أن تتحول المدينة إلى آلة؟

هذه الأسئلة تبدو لنا اليوم طبيعية جدًا، لكن في النصف الأول من القرن العشرين كانت أفكار التخطيط العمراني الحديث لا تزال جديدة.

سيد كريم كان من الذين حاولوا التفكير فيها مبكرًا

كان كريم شديد الاهتمام بمستقبل القاهرة والمدن المصرية، ولذلك وضع دراسات وتصورات لتطوير القاهرة، واهتم بفكرة تنظيم النمو العمراني بدلًا من ترك المدينة تتمدد بصورة عشوائية.

وكان يرى أن التخطيط يجب أن يسبق البناء.

أي، لا نبني أولًا، ثم نسأل بعد ذلك: كيف ننظم ما بنيناه؟

بل: نخطط أولًا… ثم نبني، وهذه الفكرة البسيطة كانت من أهم أفكار التخطيط الحضري الحديث.

سيد كريم… والعمارة كوسيلة للتفكير، لم يكن سيد كريم معماريًا يبحث فقط عن شكل جميل للمبنى.

كان يهتم بالوظيفة، وكان يرى أن المبنى جزء من منظومة أكبر، فالعمارة عنده ليست: واجهة جميلة، بل: حياة داخل المبنى.

كان سيد كريم ينظر للمدينة بمنهج المخطط لا المعماري
كان سيد كريم ينظر للمدينة بمنهج المخطط لا المعماري

القاهرة في عيون سيد كريم

عندما نتأمل مشروعاته ودراساته، نجد اهتمامًا واضحًا بقضايا: النقل، المرور، الإسكان، توزيع الأنشطة، المناطق التجارية… المراكز الإدارية…المناطق التاريخية… والتوسع العمراني.

وهذا يجعل أعماله اليوم مثيرة للاهتمام؛ لأن بعض المشكلات التي كان يحذر منها أصبحت لاحقًا من أكبر مشكلات القاهرة.

هل كان يتنبأ بالمستقبل؟ هنا يجب أن نكون دقيقين.

لا نستطيع أن نقول إن سيد كريم «تنبأ» بكل ما حدث للقاهرة

لكن نستطيع أن نقول شيئًا أكثر علمية: لقد أدرك مبكرًا أن نمو القاهرة دون تخطيط متكامل سيخلق أزمات عمرانية وحركية واجتماعية.

وهذا الاستنتاج يمكن فهمه من طبيعة كتاباته ودراساته ومشروعاته.

سيد كريم والصحافة المعمارية

وكان من الشخصيات التي ساهمت في نشر الثقافة المعمارية والعمرانية في مصر، لأنه كان يرى أن التخطيط لا يمكن أن ينجح إذا ظل حبيس مكاتب المتخصصين.

فالمدينة ملك: لسكانها، والسكان يجب أن يفهموا، لماذا يتغير الشارع؟ ولماذا يُنقل السوق؟ ولماذا تُنشأ منطقة جديدة؟

ولماذا يجب الحفاظ على مبنى قديم؟ القاهرة ليست عدوًا للتحديث، وهذه فكرة تستحق التوقف.

التحديث لا يعني بالضرورة: هدم القديم، فالمدينة التاريخية يمكن أن تتطور

دون أن تفقد روحها، والشارع القديم يمكن أن يستمر، مع تحسين الخدمات.
والأثر يمكن أن يعيش…
داخل مدينة حديثة.

استطاع كريم ان يترك سؤلا مهما : كيف المدينة
استطاع كريم ان يترك سؤلا مهما : كيف المدينة

وهنا تقترب أفكار التخطيط العمراني من قضية الحفاظ على التراث.

عندما نتحدث عن سيد كريم، يجب ألا نختصره في عبارة “مهندس صمم مباني كثيرة” فهذا يقلل من قيمته.
الأدق أن نراه باعتباره:
أحد رواد التفكير العمراني الحديث في مصر.
أي أن أثره الحقيقي لم يكن فقط في المباني التي صممها…
بل في:
– طريقة التفكير في المدينة.
– العمارة في مواجهة الزحام.
اليوم عندما نقف في أحد شوارع القاهرة ونرى:
السيارات… والضوضاء… والاختناقات…والامتداد العمراني…

نسأل:متى بدأت المشكلة؟

الحقيقة أن القاهرة مدينة تراكمت عليها طبقات كثيرة من النمو.
لكن بعض رواد التخطيط العمراني أدركوا مبكرًا أن المدينة تحتاج إلى رؤية شاملة.
وكان سيد كريم أحد هؤلاء.

* الإنسان أولًا
وهنا نعود إلى فلسفة السلسلة.
فمثل حسن فتحي…
كان سيد كريم ينظر إلى الإنسان داخل المدينة.
لكن الفرق بينهما مهم.
حسن فتحي:
انشغل بصورة كبيرة بالمسكن والعمارة المحلية والإنسان واحتياجاته.

سيد كريم:ذهب إلى مستوى أوسع

المدينة كلها، كيف يتحرك الإنسان؟ أين يسكن؟ أين يعمل؟ كيف يصل إلى الخدمات؟
كيف تتوزع الأنشطة؟ وكيف يمكن أن تنمو المدينة دون أن تفقد هويتها؟

هل نجح كل ما اقترحه؟ بالطبع لا.
وهذه نقطة مهمة في أي قراءة علمية للتاريخ.
فالمشروعات التخطيطية الكبرى لا تعتمد على المعماري وحده.
لكن ربما بقي شيء أهم:
السؤال الذي طرحه على القاهرة: إلى أين تذهب هذه المدينة؟
وهذا السؤال لم ينتهِ برحيله، بل ما زال مطروحًا حتى اليوم.

وهنا المفارقة الجميلة بعض المعماريين يتركون مبنى، ثم يرحلون، وبعضهم يتركون مدرسة، وبعضهم يتركون كتابًا، لكن سيد كريم ترك:سؤالًا.

الأسئلة الكبيرة تعيش أطول من أصحابها.

سيد كريم…
لم يكن مجرد معماري.
كان:
قارئًا للمدينة.
يرى ما وراء المبنى… وما وراء الشارع…
وما وراء الميدان…
ويرى الإنسان الذي سيعيش بينهم جميعًا.
ولهذا فإن أثره لا يقاس بعدد الأحجار التي وضعها…
بل بعدد الأفكار التي تركها وراءه.

شارك المقال:

شاركنا برأيك