محمد الروبي يكتب: وكأنني واحد من شعب البرازيل
لولا، ابن الفقر والعمل الشاق، الذي عرف طريق النقابات قبل أن يصل إلى قمة السلطة، يحمل في سيرته ما يجعل اسمه يتجاوز حدود البرازيل
الرئيس البرازيلي الفائز في الانتخابات لولا دا سيلفا
ما الذي حدث لي؟ كيف استطاع فوز رئيس في بلد يبعد عني آلاف الأميال أن يملأ قلبي بكل هذا الفرح؟
كيف وجدتني أتابع الحكاية كأنني واحد من أصحابها، أحبس أنفاسي مع الذين انتظروا النتيجة، وأشعر بأن شيئًا يخصني قد تحقق حين أُعلن فوز لولا؟
لم أذهب إلى صندوق انتخاب في البرازيل، ولم أمنحه صوتي، ولا تربطني به علاقة شخصية، ومع ذلك، كانت فرحتي به أقرب إلى فرحة إنسان استرد شيئًا ظن أنه فقده، أو رأى بابًا يُفتح في جدار اعتاد أن يراه مصمتًا.
أدهشني فرحي، فحاولت أن أفهمه
ولم أحتج إلى كثير من التأمل كي أكتشف أنني لم أكن أرى البرازيل وحدها، كانت مصر حاضرة في المشهد، تتسلل إلى قلبي من وراء آلاف الأميال، بكل ما أحمله لها من حب وقلق وأسئلة مؤجلة.
كنت أرى شعبًا يمنح صوته، ثم يتمسك بحقه في الاختيار حتى اللحظة الأخيرة، فأفكر في معنى أن يشعر الإنسان بأن صوته ليس مجرد ورقة تُلقى في صندوق، بل جزء من مصيره، وأن اختياره ليس تفصيلًا عابرًا في حياة بلاده، بل فرصة للمشاركة في رسم ملامح الغد.
لعل ما زاد فرحتي أن طريق لولا إلى الفوز لم يكن مفروشًا باليقين.
فقد دخل الجولة الثانية متأخرًا عن منافسه، ثم استطاع أن يقلب النتيجة.
هنا، لم تعد الحكاية عندي حكاية رئيس فاز بانتخابات، بل حكاية أمل لم يستسلم لما بدا في لحظة ما أقرب إلى الهزيمة.
تذكرت أن السياسة، مهما أحاطت بها الحسابات والمصالح والصراعات، تظل مرتبطة بالناس، وأن الشعوب قد تعيد النظر في اختياراتها، وأن النتيجة التي تبدو محسومة ليست بالضرورة نهاية الحكاية.
ولولا، ابن الفقر والعمل الشاق، الذي عرف طريق النقابات قبل أن يصل إلى قمة السلطة، يحمل في سيرته ما يجعل اسمه يتجاوز حدود البرازيل.
ليس لأنه رجل بلا أخطاء، ولا لأن تجربته يمكن أن تُنقل كما هي إلى بلد آخر، بل لأن صعوده يذكّرنا بأن خلف الأرقام الاقتصادية وجوهًا بشرية، وخلف الحديث عن النمو والاستقرار أسئلة لا يجوز إهمالها، من يأكل؟
من يعمل؟ من يجد العلاج والتعليم؟
ومن يشعر بأن له مكانًا في بلده، وأن كرامته ليست شأنًا ثانويًا يمكن تأجيله إلى أجل غير مسمى؟
إنني لا أريد لمصر نسخة من البرازيل
ولا أبحث عن بطل يأتي من وراء البحار كي أعلّق عليه أحلامي.
ما أريده أن تجد مصر طريقها، وأن يصبح للمصريين نصيب حقيقي في رسم هذا الطريق، وأن تكون لهم مساحة يتنفسون فيها ويختلفون ويحلمون، وأن يشعروا بأن وطنهم ليس مجرد مكان يولدون فيه ويعيشون على أرضه، بل بيت يملكون حق المشاركة في تقرير مصير.
الآن، أعرف لماذا فرحت كل هذا الفرح. لم أكن أستعير هوية شعب آخر، بل كنت أبحث عن نافذة أتنفس منها حلمًا يخصني ويخص بلادي. كنت أفرح للبرازيل، نعم، لكن قلبي كان في مصر، في هذا البلد الذي أحبه وأخشى عليه، والذي لا أريد أن تنطفئ في داخلي القدرة على تخيل مستقبل أفضل له، مهما أثقلت الحاضر صعوباته.
شاركنا برأيك