علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
آراء و تحليلات
أحمد علام
أحمد علام

كاتب وسياسي

أحمد علام يكتب: مظاهرات أوروبا بين أفكار فوكوياما وجيفري ساكس

عندما طرح فرانسيس فوكوياما عام 1989 أطروحته الشهيرة عن «نهاية التاريخ» كان العالم يشهد انهيار المعسكر الشيوعي وانتصار الديمقراطية الليبرالية واقتصاد السوق واقتراب مرحلة الانفراد الأمريكي بقيادة النظام الدولي

مشاركة:
حجم الخط:

هل انحسار الهيمنة الغربية وخروج بعض دول الجنوب من بيت الطاعة الغربي ينهي الحقبة الغربية التي امتدت لخمسة قرون؟

تمتلئ شوارع مدن أوروبية بالمظاهرات

من فرنسا إلى إيطاليا وألمانيا وإسبانيا، يخرج الطلاب والعمال والشباب احتجاجًا على غلاء المعيشة وأزمة السكن وتراجع الخدمات وضعف الأجور، وفي بعض الحالات اعتراضًا على الإنفاق العسكري.

تختلف المطالب من بلد إلى آخر، لكن وراء كثير منها سؤالًا مشتركًا: ماذا بقي من الوعود التي قدمها النموذج الأوروبي لأبنائه؟

وقد يبدو المشهد أزمة اقتصادية واجتماعية أخرى، لكن النظر إليه من خلال أفكار مفكرين غربيين، فرانسيس فوكوياما وجيفري ساكس، يفتح أسئلة أعمق تتعلق بمستقبل الغرب، وبالإنسان الذي أنتجه نموذجه الحضاري، وبالعالم الذي ظل الغرب يتمتع فيه بالتفوق طوال خمسة قرون.

فهل تتراجع قدرة الغرب على الهيمنة الخارجية، بينما تتآكل قدرة نموذجه على إشباع حاجات الإنسان في الداخل؟

وهل حربا أوكرانيا وإيران مجرد أزمات عارضة، أم أنهما في الوقت نفسه نتاج لتحولات النظام الدولي وعاملان يسرّعانها؟

فوكوياما: نهاية التاريخ أم مأزق الإنسان الأخير؟

عندما طرح فرانسيس فوكوياما عام 1989 أطروحته الشهيرة عن «نهاية التاريخ» كان العالم يشهد انهيار المعسكر الشيوعي وانتصار الديمقراطية الليبرالية واقتصاد السوق واقتراب مرحلة الانفراد الأمريكي بقيادة النظام الدولي.

لم يكن يقصد توقف الحروب والصراعات، وإنما أن البشرية ربما وصلت إلى الصيغة النهائية لتطور أنظمتها السياسية، بعد أن عجزت الأيديولوجيات المنافسة عن تقديم بديل عالمي أكثر إقناعًا.

أحمد علام يكتب: لماذا إيران؟ (1)

كثيرين توقفوا عند «نهاية التاريخ» وتجاهلوا النصف الآخر من عنوان كتابه “والإنسان الأخير”

وفي مقابلة حديثة مع برنامج( Odd Lots) وبالعربية( قطع متفرقة) في سبتمبر 2026، عاد فوكوياما إلى هذا المفهوم المستمد من نيتشه.

فالإنسان الأخير ليس آخر إنسان يعيش على الأرض، وإنما الإنسان الذي توفرت له أسباب الأمن والراحة والرخاء، لكنه لم يعد يجد بالضرورة في حياته غاية كبرى تستحق النضال والتضحية.

إنه الإنسان الذي نجح المجتمع الحديث في إشباع كثير من حاجاته المادية، لكنه لم ينجح بالضرورة في إشباع حاجته إلى الاعتراف والكرامة والإنجاز والمعنى.

وهنا يظهر التناقض الذي أدركه فوكوياما: فقد ينجح النظام الليبرالي في توفير الحقوق والرخاء، لكن الإنسان لا يكتفي بالمساواة القانونية والرفاه المادي؛ إنه يريد أن يشعر بقيمته، وأن يكون لوجوده أثر، وربما أن يتميز ويتفوق.

ويضرب فوكوياما مثالًا بطلاب جامعة ستانفورد الذين شاركوا في الاعتصامات المناصرة للفلسطينيين.

فهؤلاء الطلاب، المنتمون إلى بيئة تعليمية شديدة الامتياز، لم يخرجوا لتحقيق مكاسب مادية شخصية، وإنما انخرطوا في قضية رأوا أنها تستحق المخاطرة والتضحية.

ويفسر فوكوياما ذلك بحاجة الإنسان إلى النضال من أجل غاية تتجاوز نجاحه الفردي.

لكن لا ينبغي اختزال الموقف الأخلاقي في حاجة نفسية إلى البطولة، فقد يكون التضامن مع ضحايا الحرب ورفض الظلم دافعين أصيلين في ذاتهما.

هنا تكتسب المظاهرات الأوروبية دلالة مختلفة

فالشاب الذي يعجز عن الحصول على مسكن يحتج على اختلال توزيع الفرص، بينما قد يخرج شاب يتمتع بالرخاء دفاعًا عن العدالة أو السلام أو البيئة، مدفوعًا بالحاجة إلى المعنى والمسؤولية. وقد تجتمع الحاجتان في الإنسان نفسه.

بل إن فوكوياما يذهب أبعد من ذلك حين يناقش مستقبل الذكاء الاصطناعي: ماذا يحدث إذا استطاعت الآلات إنتاج احتياجات الإنسان، بينما يفقد العمل الذي يمنحه الشعور بالإنجاز والتقدير الاجتماعي؟

وهنا لا يصبح السؤال فقط: من يوفر للإنسان دخله؟

بل: ما الذي يجعله يشعر بأنه فاعل ومؤثر، لا مجرد مستهلك؟

وربما يكمن أحد اعتراضات “نهاية التاريخ”  في أن إشباع حاجات الإنسان المادية لا ينهي بحثه عن العدالة والاعتراف والمعنى.

لكن الحاجة إلى المعنى ليست بالضرورة حاجة إلى الصراع؛ فقد يجد الإنسان غايته في العلم والإبداع والإيمان وخدمة الآخرين، لا في البحث عن عدو جديد.

جيفري ساكس: نهاية خمسة قرون من الهيمنة الغربية

بينما ينظر فوكوياما إلى مأزق الإنسان داخل النموذج الليبرالي، ينظر الاقتصادي الأمريكي جيفري ساكس إلى مأزق الغرب في علاقته بالعالم.

ففي خطاب ألقاه في بلغراد عام 2026، تحدث عن اقتراب نهاية خمسة قرون من النظام العالمي الذي يقوده الغرب.

بدأت تلك الحقبة مع التوسع البحري والاستعماري الأوروبي في أواخر القرن الخامس عشر، وتعززت بالثورة الصناعية والإمبراطوريات الاستعمارية، قبل أن ينتقل مركز القيادة الغربية إلى الولايات المتحدة.

ولم يقتصر التفوق الغربي على الاقتصاد والتكنولوجيا والقوة العسكرية، بل امتد إلى القدرة على صياغة قواعد النظام الدولي، وتحديد معايير التقدم والتخلف، ومنح الشرعية لبعض الأنظمة وحجبها عن أخرى.

لكن العالم تغير

فالصين أصبحت قوة اقتصادية وتكنولوجية كبرى، والهند تتقدم، وتتسع مساهمة القوى غير الغربية في الإنتاج العالمي.

ويشير ساكس إلى أن مجموعة بريكس تجاوزت مجموعة السبع في حصتها من الناتج العالمي.

ومع ذلك، لا يزال الغرب يمتلك نفوذًا ماليًا وعسكريًا وتقنيًا ومؤسسيًا كبيرًا، كما أن القوى الصاعدة ليست كتلة موحدة.

لذلك فإن جوهر أطروحة ساكس ليس انهيار الغرب، بل تراجع قدرته على الانفراد بتحديد قواعد النظام الدولي.

وهنا يبرز السؤال: كيف تتصرف القوة التي اعتادت قيادة العالم عندما تكتشف أن الآخرين لم يعودوا مضطرين إلى طاعتها؟

حربا أوكرانيا وإيران: حين تتحول النتائج إلى أسباب

تكشف حربا أوكرانيا وإيران جانبًا من هذا التناقض، فالحربان نشأتا في سياق صراعات أوسع حول الأمن والسيادة والنفوذ وتوزيع القوة، ثم أصبحتا بدورهما عاملين في إعادة تشكيل هذه العلاقات.

فحرب أوكرانيا، التي بدأت بالغزو الروسي الشامل في فبراير 2022، جاءت في سياق خلافات طويلة حول النظام الأمني الأوروبي وتوسع الناتو وعلاقة روسيا بالغرب وموقع أوكرانيا الاستراتيجي.

لكن الحرب التي جاءت ضمن أزمة النظام الأمني الأوروبي أصبحت سببًا في إعادة تشكيله، فقد دفعت أوروبا إلى زيادة التسلح، وإعادة تنظيم مصادر الطاقة، وتعزيز التحالفات الأمنية وتحمل أعباء اقتصادية جديدة.

أما حرب إيران، التي بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل في فبراير 2026، فقد جاءت ضمن صراع ممتد حول البرنامج النووي الإيراني والتوازن الإقليمي وحدود النفوذ الأمريكي والإسرائيلي، فضلًا عن حسابات الأطراف الأمنية والسياسية واستمرار وجود ايران خارج بيت الطاعة الأمريكي.

لكن الحرب التي استهدفت إضعاف القدرات الإيرانية تحولت إلى مصدر اضطراب في الملاحة والطاقة والتجارة الدولية، وعادت آثارها لتضغط على الاقتصادات الغربية ذاتها.

هنا تظهر المفارقة: قد تتحول محاولة الحفاظ على التفوق والنفوذ إلى مصدر لتكاليف اقتصادية وسياسية تسهم في إضعاف القدرة على المحافظة عليهما.

فالحربان، وإن اختلفت أسبابهما ومسؤوليات أطرافهما، تكشفان كيف يمكن أن تكون الحرب نتيجة لتناقضات النظام الدولي، ثم تصبح عاملًا في تعميقها.

من ميادين الحرب إلى شوارع أوروبا هنا نصل إلى نقطة الالتقاء بين ساكس وفوكوياما.

فالغرب يواجه تحديين متزامنين: تراجع قدرته النسبية على الانفراد بتوجيه العالم، وتزايد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية داخل مجتمعاته.

تأتي الحروب لتزيد التفاعل بينهما

فالتنافس الدولي يفرض أعباء أمنية وعسكرية واقتصادية، بينما يطالب المواطنون بتحسين الأجور والسكن والتعليم والصحة والحماية الاجتماعية.

وقد ارتفع الإنفاق الدفاعي الأوروبي بصورة كبيرة، في وقت تعرضت فيه أسواق الطاقة لضغوط جديدة مرتبطة بالحرب في إيران.

وهكذا ينشأ تنازع على الأولويات: هل توجه الدولة مواردها لتعزيز قدرتها العسكرية والدولية، أم لتلبية الاحتياجات الاجتماعية المتزايدة؟
لكن لا يصح اختزال الأزمات الأوروبية كلها في تكلفة المحافظة على الهيمنة؛ فأزمات السكن والتفاوت والخدمات لها جذور داخلية أقدم، كما أن الزيادة في الإنفاق الدفاعي ترتبط بمخاوف أمنية فعلية لدى الحكومات الأوروبية.

ومع ذلك يبقى السؤال:

ماذا يحدث عندما يُطلب من المواطن تحمل أعباء المحافظة على أمن الدولة ومكانتها الدولية، بينما يشعر بأنها لم تعد قادرة على توفير شروط حياته الكريمة؟

وهنا يصبح الاحتجاج، لدى بعض المشاركين فيه، مساءلة للعلاقة بين قوة الدولة ورفاه الإنسان، وبين السلطة والشرعية، وبين المصلحة القومية وحق المواطن في تحديدها.

لقد قدمت الديمقراطية الليبرالية ضمانات مهمة لتحرير الإنسان من التحكم المباشر للسلطة السياسية، لكنها لم تضمن بالقدر نفسه تحرره من قيود الضرورة الاقتصادية.

فقد يمتلك المواطن حق انتخاب الحاكم، لكنه لا يمتلك القدرة على تأمين مسكن أو حماية دخله أو التأثير الفعلي في القرارات الاقتصادية التي تحدد مستقبله.

ما قيمة الحرية التي يملكها الإنسان قانونيًا إذا كانت خياراته الحياتية مقيدة اقتصاديًا؟

وهذا لا يلغي منجزات الليبرالية، لكنه يطرح سؤالًا عن كفايتها؛ فالإنسان يحتاج إلى الكفاية والحرية والاعتراف والمعنى، ولا يغني أحدها عن الآخر.

دول الجنوب: الخروج من بيت الطاعة أم تغيير السيد؟

إذا كان ساكس محقًا في انتقال العالم نحو تعددية مراكز القوة، فإن ذلك يفتح أمام دول الجنوب فرصًا لتنويع علاقاتها الاقتصادية والسياسية، ورفض بعض الشروط التي كانت تُفرض عليها خلال مرحلة الانفراد الغربي.

لكن الخروج من بيت الطاعة الغربي لا يعني بالضرورة التحرر.

فقد تنتهي التبعية لواشنطن لتبدأ تبعية لبكين، أو تتحول الدولة من الخضوع لقوة واحدة إلى المساومة بين قوى متعددة دون امتلاك استقلال حقيقي.

كما أن تراجع الهيمنة الغربية لا يضمن قيام نظام أكثر عدلًا؛ فقد تحل هيمنات إقليمية متعددة محل الهيمنة العالمية الواحدة.

فنهاية احتكار القوة لا تعني بالضرورة نهاية القهر، وإنما قد تعني نهاية احتكار ممارسته.

والتحرر الحقيقي لدول الجنوب لا يتحقق بتغيير الحليف الدولي، وإنما ببناء القدرة الإنتاجية والمعرفية والمؤسسية، وبامتلاك الشعوب القدرة على محاسبة السلطة وتقرير مستقبلها.

عودة الجذور: البحث عن المعنى أم استعادة القوة؟

يبقى سؤال آخر: إذا كان الغرب يفقد شيئًا من تفوقه التاريخي، ويواجه نموذجه الليبرالي توترات تتعلق بالرفاه والاعتراف والمعنى، فهل تفسر هذه الأزمات عودة القومية والدين والهوية الحضارية إلى السياسة؟

قد تمثل بعض هذه العودة بحثًا عن الانتماء والمعنى في مجتمع بالغ الفردية، وقد تعبر عن رغبة في استعادة مجد تاريخي، وقد تتحول إلى وسيلة لتعبئة المجتمع وإضفاء الشرعية على السلطة.

وهنا تتقاطع حاجة الإنسان إلى الاعتراف عند فوكوياما مع أزمة القوة المهيمنة عند ساكس؛ فالشعور بالمكانة المفقودة أو المجد التاريخي يمكن أن يتحول إلى مصدر للتعبئة السياسية.

لكن عودة المسيحية الحضارية لا تعني بالضرورة عودة الإيمان المسيحي، كما أن استدعاء الهوية الدينية لا يعني إخضاع القوة لقيم الدين.

وهنا يظهر الفارق بين العودة إلى الجذور بحثًا عن المعنى والقيم، والعودة إليها لإعادة إنتاج القوة والهيمنة.

وفي المقابل، تكشف المظاهرات الأوروبية عن اتجاهات أخرى تبحث عن المعنى في العدالة والتضامن والسلام والمشاركة الديمقراطية.

فالغرب لا يتحرك في اتجاه واحد، وإنما تتنافس داخله تصورات مختلفة لمستقبله.

هل نشهد نهاية الحقبة الغربية؟ ربما تكمن المشكلة في كلمة «النهاية» نفسها.

فليس كل تراجع في التفوق نهاية للحضارة، وليس كل احتجاج على النظام السياسي رفضًا لمبادئه، وليس كل صعود لقوة جديدة إعلانًا عن نظام عالمي بديل.

قد نشهد نهاية الانفراد الغربي بالقيادة، دون نهاية منجزات الحضارة الغربية. وقد نشهد مراجعة للنموذج الليبرالي، دون اختفاء الديمقراطية والحقوق الفردية.

لكن الجمع بين فوكوياما وساكس، وإضافة حربَي أوكرانيا وإيران إلى المشهد، يفتح السؤال الأعمق:

ماذا يحدث للحضارة عندما تتراجع قدرتها على قيادة الآخرين، وترتفع تكلفة المحافظة على هذه القيادة، بينما يكتشف الإنسان داخلها أن الرخاء والحرية الفردية لا يكفيان وحدهما لمنح حياته المعنى؟

لقد سأل فوكوياما عما إذا كانت البشرية قد بلغت نهاية تطورها الأيديولوجي، وتحدث ساكس عن نهاية خمسة قرون من الهيمنة الغربية.

أما الحربان فتذكراننا بأن محاولات القوى المحافظة على مواقعها أو تغيير موازين القوة قد تنتج نتائج تعاكس أهدافها.
وتضيف المظاهرات الأوروبية سؤالًا آخر: هل يستطيع النظام الذي قدم نفسه باعتباره الصيغة الأرقى لتنظيم المجتمع أن يجدد وعوده بالعدالة والكرامة والمشاركة والغاية الإنسانية؟

ربما لا تكون المظاهرات إعلانًا عن نهاية الغرب، بل تعبيرًا عن صراع داخله حول المستقبل الذي يريد أن يصنعه.

وربما لا يكون التاريخ قد وصل إلى نهايته، وإنما وصل إلى مرحلة لم يعد فيها الغرب وحده من يكتب فصوله.
فالتاريخ لا ينتهي عندما ينتصر نموذج سياسي، كما لا تبدأ الحرية عندما يتراجع سيد قديم.

إن التحدي الحقيقي، للغرب وللجنوب الصاعد معًا، هو بناء عالم لا تتحول فيه قوة الدولة إلى قهر للإنسان، ولا حرية السوق إلى

خضوع للضرورة الاقتصادية، ولا الهوية الدينية والحضارية إلى غطاء للهيمنة، ولا يصبح فيه الإنسان مجرد كائن مستهلك يبحث عن معنى لحياته بين وفرة الأشياء وفراغ الغاية.

شارك المقال:

شاركنا برأيك