معتز منصور يكتب: إثيوبيا تعيد رسم موازين القوة ومصر أمام اختبار السيادة
ليه اللي كان مرفوض لمصر تحت ضغط أمريكي، بقى مطروحا لإثيوبيا؟ وإيه طبيعة الحسابات اللي بتحكم المشهد ده؟
اقامة سد النهضة بعد تغيير صفة النيل كارثة على مصر والسودان
إثيوبيا تعيد رسم موازين القوة ومصر أمام اختبار السيادة
إثيوبيا تعيد رسم خرائط القوة في المنطقة، ومصر مطالبة بأن تشرح لشعبها كيف وصلنا إلى هذه اللحظة!
مقاتلات سوخوي 35 روسية، ومنظومات إس 400، ومشروعات متزايدة على النيل الأزرق، وطموح نووي، وسعي إلى منفذ بحري على البحر الأحمر. تحركات تتوزع على أكثر من جبهة، لكنها تلتقي عند حقيقة واحدة: إثيوبيا تعمل على توسيع خياراتها الاستراتيجية وتعزيز قدرتها على التأثير، فيما لا تزال مصر تواجه السؤال الأصعب في أمنها القومي: أين النتائج التي تحمي حقوقها المائية وتضمن مصالحها في محيطها الإقليمي؟
المفارقة أن إثيوبيا تسعى إلى امتلاك أوراق قوة جديدة، بينما لم تنجح مصر، بثقلها الجغرافي والعسكري والتاريخي، حتى الآن في تحويل إمكاناتها إلى اتفاق ملزم يحسم أزمة النيل، أو إلى معادلة إقليمية تمنع أديس أبابا من فرض وقائع جديدة على حساب مصالحها.
المساءلة هنا تخص النظام المصري مباشرة. فمن حق المصريين أن يسألوا: ماذا فعلتم لتأمين النيل؟ ما الاستراتيجية التي تواجهون بها تراكم المشروعات الإثيوبية؟ وكيف ستتعاملون مع تغير ميزان القوة في القرن الأفريقي والبحر الأحمر؟ فمسؤولية السلطة ليست أن تشرح لشعبها لماذا تتحرك إثيوبيا، بل أن تقدم إجابات عما فعلته مصر لحماية مصالحها.
إثيوبيا لا تخفي طموحها إلى التحول إلى قوة إقليمية مؤثرة. فهي توسع استغلال موارد النيل الأزرق، وتطور قدراتها العسكرية، وتسعى إلى امتلاك الطاقة النووية المدنية، وتبحث عن منفذ بحري يوسع خياراتها الاقتصادية والاستراتيجية. وروسيا، التي تعزز تعاونها العسكري والتكنولوجي مع أديس أبابا، تتحرك وفق مصالحها، شأنها شأن القوى الدولية التي توظف علاقاتها لتعزيز نفوذها.
إعلان استلام مقاتلات سوخوي 35 والتوجه إلى امتلاك منظومات إس 400 يمثل تطورًا يستحق المتابعة، لما يمكن أن يضيفه إلى القدرات الجوية والدفاعية الإثيوبية. ولا تتوافر أدلة كافية على أن هذه الأسلحة موجهة إلى مصر تحديدًا، لكن دلالتها تتجاوز قيمتها العسكرية، لأنها تعكس اتجاهًا نحو توسيع أدوات القوة الإثيوبية. والدول التي تحترم أمنها القومي لا تنتظر إعلان خصومها عن نوايا عدائية حتى تدرس التحولات في ميزان القوى من حولها.
أما النيل الأزرق، فهو جوهر المسألة. سد النهضة لم يعد مجرد مشروع لتوليد الكهرباء، بل أصبح اختبارًا لقدرة مصر على حماية حقوقها في نهر تعتمد عليه بصورة أساسية في تأمين احتياجاتها المائية. إثيوبيا مضت في بناء السد وتشغيله، فيما لم تنجح المفاوضات في إنتاج اتفاق قانوني ملزم ينظم التشغيل ويضمن حقوق دولتي المصب.
وتزداد خطورة المسألة مع الخطط الإثيوبية لتطوير مشروعات مائية إضافية. فتراكم المنشآت على النهر يوسع قدرة أديس أبابا على تنظيم الموارد المائية، ويجعل التوصل إلى قواعد مشتركة وملزمة أكثر إلحاحًا. وكلما تقدمت المشروعات من دون تسوية واضحة، ازدادت صعوبة التعامل مع نتائجها مستقبلًا.
هنا تتجلى المشكلة المصرية في أوضح صورها. إثيوبيا تستثمر موقعها الجغرافي ومياه النيل في بناء نفوذها، بينما لا تزال القاهرة تبحث عن تسوية لم تستطع فرض ضماناتها حتى الآن. وليس المطلوب أن تمنع مصر إثيوبيا من التنمية، بل أن تضمن ألا تتحول التنمية في دولة المنبع إلى سلطة منفردة على مورد تتوقف عليه حياة ملايين المصريين والسودانيين.
أما المشروع النووي الإثيوبي بالتعاون مع روسيا، فيستدعي متابعة جادة، لا تهويلًا. فلا توجد معلومات موثوقة تثبت أن المحطة المقترحة ستقام على مجرى النيل الأزرق، كما أن امتلاك محطة نووية مدنية لا يعني تلقائيًا تلوث مياه النهر. لكن من حق مصر المطالبة بالشفافية بشأن موقع المشروع، ومصادر المياه المستخدمة، ومعايير الأمان النووي، وآليات التعامل مع المخاطر البيئية العابرة للحدود. فالأمن المائي لا تحميه الشائعات، وإنما المعرفة والرقابة والتحرك المبكر.
ثم يأتي البحر الأحمر، حيث تسعى إثيوبيا، الدولة الحبيسة، إلى توسيع خيارات وصولها إلى الساحل. ولا يعني ذلك أنها تسيطر على باب المندب، لكن أي ترتيبات تمنحها حضورًا بحريًا أوسع قد تؤثر في حسابات القرن الأفريقي وأمن البحر الأحمر والمصالح المرتبطة بقناة السويس. ومصر، بحكم موقعها ومصالحها، لا تستطيع التعامل مع هذه التحولات باعتبارها شأنًا بعيدًا عنها.
اجتماع المسارات المائية والعسكرية والبحرية لا يثبت وجود خطة واحدة تستهدف مصر، لكنه يكشف أن إثيوبيا تعمل على تعزيز قدرتها على الحركة والتأثير. وهذا وحده كافٍ لفرض مراجعة جدية للسياسة المصرية، بعيدًا عن المبالغة في تصوير التهديد أو التقليل من شأنه.
المشكلة أن النظام المصري لم ينجح حتى الآن في تحويل ثقل الدولة إلى نتائج حاسمة في الملف الذي يمس أمنها المائي مباشرة. فالمكانة التاريخية لا تنتج نفوذًا تلقائيًا، والقدرات العسكرية لا تتحول وحدها إلى مكاسب سياسية، والبيانات التي تؤكد الحقوق لا تغني عن أدوات تضمن احترامها.
لقد أظهر ملف سد النهضة أن الدولة التي تتحرك بإصرار لبناء واقع جديد قد تحقق مكاسب يصعب التراجع عنها، بينما يدفع الطرف الذي يكتفي بإدارة الأزمة ثمن تقلص خياراته. وهذه ليست دعوة إلى الحرب، ولا مطالبة بمواجهة عسكرية غير محسوبة، بل دعوة إلى استراتيجية تجمع بين التفاوض الملزم، وبناء التحالفات، والتحرك القانوني، والتعاون الإقليمي، وامتلاك أدوات ردع موثوقة.
إثيوبيا تتحرك وفق مصالحها، وروسيا توسع نفوذها، والقوى الدولية تعيد حساباتها. لا أحد سيتولى حماية المصالح المصرية نيابة عن القاهرة. ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن تواجهه السلطة هو: هل تملك استراتيجية متكاملة تربط أمن النيل بالتحولات في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، أم أنها ستظل تتعامل مع كل تطور باعتباره أزمة منفصلة، لا تتحرك إلا بعد أن يفرض الآخرون وقائعهم؟
أخطر ما في المشهد ليس أن إثيوبيا تسعى إلى أن تصبح أقوى، بل أن تتسع الفجوة بين ما تخطط له أديس أبابا وما تستعد له القاهرة. فالنيل ليس ملفًا دبلوماسيًا عابرًا، وإنما قضية تمس حياة المصريين ومستقبل الدولة. ومسؤولية النظام لا تُقاس بتكرار الحديث عن الحقوق التاريخية، بل بما يحققه من ضمانات فعلية تحمي تلك الحقوق.
الدول لا تفقد مكانتها في يوم واحد، وإنما تتراجع قدرتها على التأثير عندما يعتاد الآخرون اتخاذ القرارات التي تمس مصالحها، بينما تكتفي هي بالتعليق عليها بعد صدورها.
شاركنا برأيك