مقال بوك
خالد علي
خالد علي

سياسي وحقوقي مصري

الفقراء فى بلادى

المواطن الذي عاش خلال السنوات الأخيرة موجات متلاحقة من التضخم وإجراءات فرضتها السياسات التى اتّبعتها الحكومة، أصبح غير قادر على الاحتمال أكثر من ذلك

مشاركة:
حجم الخط:

بين مطرقة السياسات الاقتصادية  وسندان النخب العالمية

في كل مرة تشتعل فيها الحرب بمناطق حيوية، لا يكون أول من يسمع دويّ المدافع هو الجندي الواقف على الجبهة، بل المواطن البسيط الجالس أمام مائدة تتقلص كل يوم، فالحروب لا تُقاس فقط بعدد الصواريخ، بل بعدد الأرغفة التي تختفي من موائد الفقراء.

إن الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج من جهة، وإيران من جهة أخرى، ليست حدثاً بمعزل عن الشارع المصري، وذلك ليس لقربه الجغرافي فحسب، ولا بسبب حجم العمالة المصرية في الخليج فقط، بل لأن منطقة الخليج تعد المصدر الأهم للطاقة عالمياً.

فأي شرارة تندلع هناك أو في مضايقها تنعكس فوراً على أسعار الوقود، ومن ثم على تكاليف النقل والإنتاج، لتبدأ سلسلة من الارتفاعات التي ينتهي أثرها دائماً عند جيب المواطن.

حكومة لا تسمع أنين الموطن 

الحكومة المصرية لم تستمع أبداً لصرخات المعارضة التى تطالبها بوقف كل السياسات الاقتصادية الهشة التى تقوم على التوسع فى الاقتراض من أجل بناء اقتصاد يقوم على الخدمات والاستثمارات العقارية، وتتجاهل أننا من الدول المستوردة للطاقة والمستوردة لأغلب السلع الأساسية.

ودون أى سعى جاد لسد تلك الفجوة طوال الخمس عشر سنة الماضية، وهذا ما يجعلنا نجد أنفسنا دوماً في قلب هذه العاصفة، من روسيا وأوكرانيا إلى طهران وأمريكا، فارتفاع أسعار النفط عالميًا يعني زيادة تكلفة كل شيء.

تقريبًا من رغيف الخبز إلى تذكرة المواصلات، ومن فاتورة الكهرباء إلى سعر الخضروات في الأسواق. وهكذا تتحول الحرب التي تدور على بُعد آلاف الكيلومترات إلى عبء يومي يثقل حياة المصريين.

فالمواطن الذي عاش خلال السنوات الأخيرة موجات متلاحقة من التضخم وإجراءات فرضتها السياسات التى اتّبعتها الحكومة، أصبح غير قادر على الاحتمال أكثر من ذلك.

صحيح أن الدول تلجأ في أوقات الأزمات إلى سياسات التقشف وإعادة ترتيب الأولويات، لكن المواطن البسيط لا يملك رفاهية إعادة ترتيب دخله، لأنه ثابت وقيمته الشرائية تنهار بينما الأسعار تتحرك بلا سقف.

غياب الجوانب الاجتماعية عن الحكومة 

الأمر هنا لا يتعلق فقط بالأرقام الاقتصادية، بل بالجانب الاجتماعي أيضًا. فالضغوط المعيشية المستمرة لا تُرهق الجيوب فحسب، بل تُرهق الأعصاب والعلاقات الإنسانية داخل المجتمع، حين يصبح تدبير الاحتياجات الأساسية معركة يومية، تتآكل مساحات الطمأنينة والاستقرار التي يحتاجها أي مجتمع ليستمر.

ولولا شبكات التضامن الاجتماعى التى أبدعها هذا الشعب ويكفل فيها المصريون بعضهم البعض لكون الوضع أسوأ مما نحن عليه بكثير.

التجربة المصرية تقول إن هذا المجتمع يمتلك قدرة كبيرة على التحمل والصبر والتكيف. لكن التاريخ الاقتصادي والاجتماعي يعلمنا أن الصبر وحده لا يمكن أن يكون سياسة دائمة، فالمجتمعات تحتاج إلى توازن بين متطلبات الدولة الاقتصادية وبين قدرة المواطنين على الاحتمال.

تحدي أمام صانع القرار 

إن التحدي الحقيقي الذى يجب أن يهتم به صناع القرار اليوم ليس فقط إدارة الاقتصاد في زمن الأزمات العالمية، بل حماية الطبقات الأكثر هشاشة من دفع الثمن الأكبر. فالحروب قد تُحسم في ساحات القتال، لكنها تُختبر أخلاقيًا في قدرة الدول على حماية شعوبها من آثارها.

قد لا يشارك المواطن المصري في الحرب الدائرة فى الخليج، لكنه يدفع جزءًا من فاتورتها كل يوم.

فضلًا على أن المعركة الحقيقية التى تواجه العالم الآن ليست حرب الخليج فقط، فنحن لا نواجه أزمة هامشية نتيجة خلاف بعض الدول، بل أزمة وجودية.

حيث يصارع الإنسان العادي للبقاء شريفاً وسط طوفان من الجنون العالمي، وفي مواجهة نخب عالمية حاكمة إجرامية ومنزوعة الحكمة والأخلاق، ارتدت بالعالم نحو عصور الظلام الأولى

شارك المقال: